رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

جمهورية جدبدة من لحم ودم

حدثني سائق تاكسي، عن حجم الطفرة الهائلة التي استحدثتها الدولة المصرية في مجال الطرق والكباري، وكيف أن المحاور العديدة التي أنشأتها خلال السنوات الماضية، سهلت عليه مهمته في الوصول بالراكب إلى أي مكان يطلب الوصول إليه، بسهولة ويسر، وفي وقت قياسي، لم يعرفه من قبل.. سألته عن الفرق بين يوم عمله الآن، وما كان في السنوات الماضية؟.. قال لي، أنه يقطع المسافة الآن إلى أي مكان في القاهرة الكبرى، في الزمن التي تستلزمه المسافة فقط، يتساوى في ذلك الوصول إلى أي اتجاه، في شرق القاهرة أو غربها أو عند شمالها أو جنوبها، ويعود الفضل في ذلك إلى ما تم إنجازه من طرق وكباري وأنفاق عملاقة، ربطت أنحاء العاصمة ببعضها، وبما حولها من مدن وتوسعات جديدة، وبينها وبين المداخل القادمة والمخارج المؤدية إلى محافظات الأقاليم.. إنجاز حضاري رائع، ينقصه فقط، وعي المواطن بضرورة المحافظة عليه، وتقدير ما أُنفق فيه، لا لشيئ إلا راحة المواطن والتسهيل عليه، رغم أن بعض المواطنين يظلون البقعة السوداء في ثوب ناصع البياض، اسمه الجمهورية الجديدة.
اسندت ظهري باتجاه المقعد، ورحت أتساءل، في تمني حثيث: متى يصل وعي المواطن إلى ما تقول به الأصول الحضارية، وما تدعنا إليه جميع الأديان، وحتى ما جاء على جدران المعابد الفرعونية، التي كانت تؤكد على أنه يأثم من يلوث مياه النهر، ومنبوذ من يكذب، ومن لم يحافظ على العهد؟.. أوليس الذي بيننا، كمواطنين، وبين الدولة المصرية عقد اجتماعي، يقول بأنها تفعل كل ما يحقق كفاية المواطن وراحته، شريطة أن يحافظ هو على ما يتم إنجازه.. لكن، وللحق، أرى أن الدولة تشجع المواطن على عشوائيته، وجنوحه نحو الاستيلاء على ما ليس له بحق.. فكيف يمكنك السكوت، في بعض المناطق العشوائية، على احتلال الباعة الجائلين لنهر الطريق، وممرات كباري المشاة العلوية، دون مراقبة من مسئولي المجالس المحلية، والأدهى، أن هؤلاء الباعة يسرقون التيار الكهربائي، علانية لإنارة فرشاتهم ليلاً، عبر وصلات سلكية ظاهرة، لا تُخطئها أي عين، إلا عيون موظفي هذه المجالس، وهم كثرة، ولكنهم كغثاء السيل!.
وثيق الصلة بتلك النقطة، عربات التوك توك، أو ما أسميه، (صراصير الأرض)، تلك التي وإن كانت تحمل لوحات مرورية مؤخراً، إلا أنها لا تدع مكاناً لسير الناس على الأرض، وتتصادم مع السيارات الأخرى، لأنها ببساطة تمشي في الاتجاه المعاكس، ولا حرج.. مع أنه من المفترض أن نكون قد بدأنا، كدولة، في استبدال هذا السيارات ذات العجلات الثلاث بما نسميه (التُمناية)، بكل ما لها من شكل حضاري، وينطبق عليها كل ما ينطبق على سيارات الأجرة.. فكيف السكوت على استمرار هذه الظاهرة، والصمت على سير هذه المركبات في بعض الشوارع الرئيسية؟.
اشتكي لي زميل من اصطفاف سيارات النقل الثقيلة أمام عمارتهم، وكأن المساحة أمامها أصبحت موقفهم الأساسي، يحرمون السكان من توقيف سياراتهم أمام سكنهم، ويغلقون الطريق أمام الخارج أو الداخل إلى هذه البناية الكائنة عند مدخل أرض اللواء بالجيزة.. بل إن المثير للعجب، تلك المنافسة اليومية بين سائقي عربات النقل والمطاعم الكائنة أسفل العمارة، على من يحتل الفراغ أمامها، إذ سرعان ما تنتشر طاولات الطعام ومقاعد الزبائن في فراغ الشارع، وكأنه لا حق للمواطن فيه.. لنتساءل أيضاً: أين موظفي الحي؟.
نهران لا يلتقيان، جمهورية جديدة، تسعي القيادة السياسية والدولة المصرية إلى إقرارها واقعاً على الأرض، بكل ما تحمله من تنمية وتحديث، وتطوير في المفاهيم الفكرية والثقافية والأخلاقية الحاكمة، ومواطن مازال متلبساً ثياب العشوائية، فكراً وثقافة وسلوكاً، تغلب عليه الأنا، فيحاول الاستيلاء على ما ليس له، حتى ولو فيه خراب منفعة عامة.. وتلك قضية لا يمكن تناولها بشكل هامشي، ولا يمكن ان نغفل ضلوع الأجهزة الحكومية في نشوئها، بل واستفحالها، منذ أن (عملت أذن من طين وأخرى من عجين)، وغضت الطرف عن الاستيلاءعلى الأراضي الزراعية لتبويرها والبناء فوقها، مما أفقدنا رقعة واسعة من المساحات المنزرعة، تحاول الدولة تعويضها في أراضٍ صحراوية، تكلفة استصلاحها تقدر بالمليارات، وما المناطق العشوائية إلا نتاج لمثل هذا التقاعس، الذي كلف الدولة غالياً ونفيساً، لإزالتها وبناء غيرها من المباني الحديثة المخططة، المدعومة بكافة الخدمات.
إن المتأمل في محور المحمودية، بطول 54 كيلو متر، ينطلق من الأسكندرية، وصولاً إلى محافظة البحيرة.. ليرى أنه نقلة حضارية، ما كان لأحد أن يتخيلها واقعاً في يوم من الأيام.. لكنها بإرادة الدولة المصرية وعزم القيادة السياسية، صارت واقعاً، وأنموذجاً، يتكرر في العديد من محافظات مصر.. مثل محور المنيب ـ روض الفرج، بطول 15 كيلو متر.. وبقدر ما رأيته من جهد وإنفاق سخي في مثل هذا المشروع، إلا أن نفسي تظل في حيرة من سؤال يلح عليها: هل ستصمد مثل هذه المشروعات العملاقة، دون الإعتداءعلى حرمها، من هواة العشوائية، التي تحكم سلوكياتهم نفس جُبلت على القبح وكراهية الجمال.. فمثل محور المحمودية كان بؤرة للعفن والعطن، وكل ما يمكن أن يُقال من إهمال حكومة واعتداءات مواطن.. مثله محور المنيب ـ روض الفرج، فكلاهما نشأ على ترعة فسد ماؤها، من كثرة ما ألقي فيها من قمامة وحيوانات نافقة، وكلاهما يتحول، بإرادة الدولة المصرية إلى شريان مروري ضخم.. إلا أن المحمور الأخير، وقبل أن يتم تسليمه وافتتاحه، مازالت القمامة تلقى على قارعة مطلعه من أرض اللواء، بل وتتوقف عند نفس المطلع، عربات كارو بأحصنة، تلقي بروثها على قارعة الطريق.
وهنا، لابد لمحافظة الجيزة أن تستعد للافتتاح والتشغيل، بخطة حازمة لمنع التعديات والحيلولة دون عودة العشوائيات، من أي نوع.. عليها أن تحل مشكلة القمامة التي تُرمى على قارعة الطريق، بوضع وحدات تجميع ذات شكل حضاري، أو أن تذهب إلى ما هو أكثر حداثة، بوجود وحدات التجميع هذه تحت الأرض، ويكون لها فتحات على سطح الأرض، شديدة الإحكام، ومانعة لعبث نباشي القمامة، الذين يزيدون الطين بلة، بانتشار المخلفات على مساحات واسعة من الأرض، ترعى فيها الكلاب الضالة والأغنام التي لا يراعي رعاتها في صحة الإنسان ضميراً ولا ذمة، لأن هناك من ترك المصلحة العامة، من أجل البحث عن ما يناسبه من محتويات القمامة.
إن الإصلاح يحتاج قبضة قوية من الجهات الحكومية المسئولة، كلٌ في تخصصه، وإرادة من شعب يريد أن يحيا حياة كريمة، لكن ثلة من المنتفعين تقطع عليهم الطريق نحو بلوغ هذا الهدف.. وهنا أتحدث عن ضرورة نشوء ما يسمى بإيجابية المواطن في مجابهة المفاسد التي تصدر عن غيره.. فيدٌ واحدة لا تصفق، ولا يمكن أن تكون هناك يد بديلة لأخرى.. الإثنتان مطلوبتان، ويد المسئولين أهم من يد المواطن، ففيها قوة الضبط، والقدرة على المنع.. ورويداًرويداً، سرعان ما يصبح الإجبار عادة، وربما يأتي يوم، نجد فيه المواطن المصري أخوف على الملكية العامة، خوفه على ملكيته الخاصة.. فأعظم الإنجازات بدأت بحلم، ولنا في رئيس الدولة مثل وقدوة.. حلم بمصر، جمهورية جديدة، ونراها تتحقق الآن بين ظهرانينا.. لكن علينا أن لا نجعل ـ بإهمالنا ـ هذه الجمهورية إنجازات من أسمنت، بل سلوك حضاري، من لحم ودم.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.