رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

في مئوية ميلاده.. تحية واجبة

خالد محيى الدين.. المتجرد

- اختلف مع عبدالناصر وحافظ على حبه له وكان عبدالناصر يبادله الحب والاحترام 

- مثّل نموذجًا للمعارض الوطنى الذى يضع مصلحة وطنه قبل أى شىء ولا تحركه المصالح ولا المشاعر الشخصية 

- كتب مذكراته ١٩٩٢ ولم يتعرض بكلمة جارحة لعبدالناصر أو السادات رغم اختلافه مع كل منهما 

- لم تسانده الدولة أمام مرشح الإخوان فى ٢٠٠٥ بدائرته رغم أن تربيطات الوطنى والإخوان لم تكن تتوقف لحظة 

 

كنت ما زلت فى فترة التدريب فى «روزاليوسف».. دخلت صالة التحرير فوجدت زميلًا يقول لى: «مكتب خالد محيى الدين اتصل بك مرتين»، طالت رقبتى وأحسست بأن رهانى على الناس لا يخيب.. كنت أنتمى لجيل يعمل فى ظروف صعبة.. الاتصالات محدودة.. والأجيال التى سبقتنا تتميز بالكفاءة والشراسة معًا، والأساتذة رحلوا كلهم إلا قليلًا.. والباقون منهم حولهم زحام شديد.. وليس لديك حل إلا أن تعلّم نفسك بنفسك.. فى هذه الظروف تعلمت أن أختار «المصدر» الذى أثق فى طبيعته الشخصية والأخلاقية.. لأطلب أن أجرى حوارًا معه، شخص تثق أن لديه دافعًا أخلاقيًا غير المصلحة يدفعه للتجاوب مع صحفى شاب فى أول الطريق دون مصلحة ملحّة.. هكذا أصبحت صديقًا للدكتور أسامة الباز المستشار السياسى لرئيس الجمهورية.. لفت نظرى أنه يتردد على معارض الفن التشكيلى بكثافة فصرت أنتظره هناك.. أسأله فيجيب ببساطة واهتمام، وأكتب ما يقول فى صورة تصريحات حصرية.. نفس الفكرة دفعتنى لأن أمر على حزب «التجمع» لأترك طلبًا لمقابلة الأستاذ خالد محيى الدين عضو مجلس قيادة الثورة وزعيم الحزب وواحد من الذين شاركوا فى تغيير تاريخ مصر.. والمفاجأة أنه طلب من مكتبه الاتصال بى وتحديد موعد.. هكذا.. دون مصلحة ودون معرفة ودون واسطة.. كان هذا مدخلًا شخصيًا لمعرفة الرجل.. أو للتأكد من أن تاريخه الذى سجّله فى مذكراته «والآن أتكلم»، ١٩٩٢، هو الحقيقة دون تأليف أو تزييف أو ادّعاء البطولة بأثر رجعى.. أجريت حوارًا لا أظنه كان عظيمًا جدًا، لكننى ما زلت أذكر ابتسامة الرجل التى تجعله يشبه طفلًا تخطى السبعين من عمره.. رجل بسيط للغاية، لا يحمل تاريخه على كاهله ليسبب حملًا زائدًا على ذاته، وليس لديه إحساس بالمرارة لأنه لم يستمر فى السلطة لوقت أطول.. والأهم أنه متسق مع ما يفعل.. قرر أن يعارض من داخل دولة يوليو التى ساهم فى تأسيسها، دون أحقاد، أو كذب، أو رهان على الخارج.. وهو فى كل الأحوال نموذج يستحق الاحتفاء به وتقديمه لأجيال جديدة لا تعرف الكثير عن العالم خارج حدود السوشيال ميديا وفيديوهات «تيك توك».. نموذج لجيل من الضباط الوطنيين تفتّح وعيه على كفاح المصريين لتحقيق الاستقلال، وأحبط من فشل الأحزاب التقليدية فى تحقيقه، وصدمه حادث ٤ فبراير ١٩٤٢، والذى فهمه البعض على أنه سقوط تاريخى لحزب الوفد، عندما وقع الحادث كان معظم تنظيم الضباط الأحرار قد التحقوا بالجيش بالفعل بفضل معاهدة ١٩٣٦ التى حررها نفس الرجل الذى غضبوا منه واتهموه بالخيانة «مصطفى النحاس باشا».. كان خالد محيى الدين يصغر جمال عبدالناصر بأربع سنوات «من مواليد ١٩٢٢» لكنه يشاركه فى البحث عن حل.. وكما روى فى مذكراته فقد قرر هو وعبدالناصر أن يتعرفا على جماعة الإخوان فى حدود ١٩٤٨، وكانت الفكرة أن الجماعة كانت تدّعى أن هدفها الأول الكفاح ضد الاحتلال وضد العصابات اليهودية.. دخلا بالفعل لكنهما اكتشفا كذب الجماعة التى سرعان ما تورطت فى حوادث اغتيال ضد المصريين، واصل خالد محيى الدين سعيه لتنظيم سياسى يعتنق أفكاره.. وقرر جمال عبدالناصر أن يدير جبهة من الضباط الوطنيين لهم انتماءات شتى وأن يظل هو مستقلًا عن الجميع.. انضم خالد محيى الدين لمجموعة يسارية شهيرة كان عبدالناصر يتعاون معها فى طباعة منشورات الضباط الأحرار.. كانت علاقتهما الشخصية راقية للغاية وكان عبدالناصر يحبه ويحترمه، بعد حرب ١٩٤٨ ترقى «محمد سليمان الرفاعى» ليشغل منصب سكرتير عام الحزب اليسارى الذى ينتمى له خالد، وكان الرجل فنيًا فى سلاح الطيران وقتها وكان عبدالناصر يمزح مع خالد محيى الدين مستنكرًا أن يتلقى توجيهات من «صول» فى سلاح الطيران.. بعد نجاح الثورة حدث خلاف فى التوجهات، تبنى خالد فكرة عودة الجيش للثكنات والانسحاب من الحياة السياسية، هاجمته الصحف بتوجيه من عبدالناصر نفسه لأن السياسة لا تعرف الصداقة، كتب السادات فى الجمهورية يصفه بـ«الصاغ الأحمر»، وأرسله عبدالناصر سفيرًا لمصر فى سويسرا، كان ذلك تعبيرًا عن تقديره لوطنيته واحترامًا منه لرأيه، ولطبيعته الودودة.. بعد انتخابات ١٩٥٦ وحسم الصراع لصالح عبدالناصر لم ير داعيًا لبقائه فى الخارج.. استدعاه وطلب منه المشاركة، وبعد قليل اقترح عليه أن يؤسس صحيفة «المساء» لتكون صوتًا لتيار يسارى معتدل فى مصر.. صارحه بأن الصحيفة ستكون مسائية حتى يضمن أن انتشارها لن يكون كبيرًا، وكانت الفكرة أن عبدالناصر يريد مشاركة اليسار لا هيمنة اليسار.. بعد قليل توترت العلاقة مع الاتحاد السوفيتى بسبب تنكيل الضباط اليساريين فى العراق بزملائهم الناصريين فى ثورة ١٩٥٨ وبسبب ممارسات عبدالكريم قاسم المتطرفة ضد مصر.. اصطدم عبدالناصر باليساريين المصريين، وترك «محيى الدين» رئاسة تحرير المساء لكنه لم يصل أبدًا لمحطة العداء مع عبدالناصر، كان تيار اليسار يحكم نصف العالم قبل سقوط الاتحاد السوفيتى، وكان خالد محيى الدين هو رجل مصر فى تجمعات اليسار العالمى، لم يتأخر فى لعب أى دور يحقق مصلحة بلده، وكان مندوب مصر فى مؤسسات يسارية مهمة مثل «مجلس السلام العالمى».. عاد للصحافة مرة أخرى ليتولى رئاسة مجلس إدارة «أخبار اليوم» عقب القبض على مصطفى أمين، كان مجيئه بتوجهاته المعروفة إشارة من عبدالناصر لرغبته فى تحويل توجهات الجريدة الناجحة التى كانت تجسيدًا لمدرسة الصحافة الأمريكية فى مصر.. واجه خالد مقاومة ضارية من تلاميذ مصطفى أمين، وقيل إن الأمر تعدى ذلك لتوريطه فى التوقيع على مستندات تضر به قانونيًا، بحسب ما يروى د. رفعت السعيد فى كتابه «مجرد ذكريات» فقد قرر رفاق خالد محيى الدين فى هذه اللحظة التدخل.. رشحوا له رفعت السعيد ليصبح مديرًا لمكتبه.. كان رفعت كادرًا سياسًا مخضرمًا منذ نعومة أظافره، وكانت مهمته فحص الأوراق التى يوقع عليها خالد محيى الدين ومتابعة ما اعتبره فى مذكراته فخاخًا كانت تُنصب لخالد اعتمادًا على حسن نيته.. لم تطل تجربته فى «أخبار اليوم» لأنه ليس صحفيًا من الأساس ويبدو أنه لم يكن مدربًا على الاستمرار فى السلطة.. أصدر مذكراته فى ١٩٩٢ بعنوان «والآن أتكلم»، ولم يُصف حساباته مع زملائه بأثر رجعى، وكان هذا من علامات نبله الشخصى.. لم يكن صديقًا للسادات لكنه كان محل ثقته كواحد من ضباط يوليو الذين لم يحركهم هوى شخصى.. حين قرر السادات بدء التعددية وتأسيس منبر لليسار فكّر فى البداية فى صديقه عبدالرحمن الشرقاوى.. كان الشرقاوى مفكرًا وكاتبًا كبيرًا ويساريًا قديمًا وأقرب للسادات من أى يسارى آخر.. كان من المقرر أن يشكل منبر اليسار هو وصلاح حافظ ومجموعة من اليساريين كانت تعرف باسم «مجموعة روزاليوسف».. فى آخر لحظة تراجع السادات وقرر إسناد منبر اليسار لخالد محيى الدين، تحوّل المنبر لحزب قوى هو حزب التجمع الوطنى برئاسة خالد محيى الدين.. جرت فى النهر مياه كثيرة بعد مبادرة السلام، وقاد الحزب المعارضة من داخل النظام، عارض خالد محيى الدين السادات معترفًا بشرعيته، استمر فى زعامة حزب التجمع فى زمن مبارك، وأصبح نائبًا تاريخيًا لدائرته كفرشكر التى تملك عائلة محيى الدين فيها نفوذًا كبيرًا لثلاث دورات متتالية، كان من سخرية القدر أن تسمح الدولة لمرشح الإخوان بأن يهزم خالد محيى الدين فى دائرته عام ٢٠٠٥ رغم أن الترتيبات والتربيطات لم تكن تتوقف لحظة واحدة بين الوطنى والإخوان، لم تتدخل الدولة ضده بالتزوير لكنها تركته لقمة سائغة لضباع الإخوان، والمعنى أنها لم تتدخل ضده بالتزوير ولم تتدخل معه بالمساندة إكرامًا لتاريخه.. لا أحد يعرف هل لذلك علاقة برفضه الترشح أمام مبارك فى أول انتخابات تعددية أم لا.. لكن ما حدث فى دائرته كان قاسيًا عليه.. استمر يذهب لمكتبه فى الحزب معتبرًا أن مهمته الأساسية هى قضاء حوائج الناس، كان يجرى مئات الاتصالات لحل مشاكل السكن والعمل والصحة لأى مواطن يستطيع الوصول له، وكانت طلباته تُجاب إكرامًا لتاريخه وطبيعته الودودة.. رغم أنه انتمى لعائلة ثرية من ملاك الأراضى الزراعية قبل يوليو إلا أنه اختار أن ينتمى لتيار ينحاز للفقراء وفق فهمه واجتهاده.. يمكن وصفه بأنه رجل «متجرد» فى حبه لمصر.. وأنه فى رحلته تجرد عن الهوى والمصلحة ومشاعر الحب والكره تجاه زملائه.. وأنه واحد من الذين أحبوا مصر وخدموها بصدق.. وما أحوجنا إلى مثل هؤلاء فى هذه الأيام.