رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

العقل والثوابت الدينية


تحدثنا فى المقال السابق عن العقل التسليمى ذلك العقل الذى يترك صاحبه مهمة التفكير والنقد والتفعيل لغيره فيصبح أسيرًا لأفكار الغير دون تفكير أو روية، وكانت هناك تعليقات كثيرة على ما ورد فى هذا المقال، فهناك من يكتفى بترديد مقولات موروثة لفظيًا ويعتبر أن العقل هو العقل بلا تفسير ولذا فتعبيرات العقل الناقد أو المبدع.. إلخ هى تعبيرات منحوته من جماعات لا تريد للدين خيرًا.
هناك من يخاف من ذلك العقل الناقد والمفعل على الدين ذاته وكان بقاء الدين فى ايقاف العقل عن التفكير والتفعيل، هناك من يعتبر ويعتقد بأن كل موروث دينى أو تراثى أو اجتماعى.. إلخ هو جزء من الثوابت الدينية.
لاشك فكل هذه الأفكار الموروثة والتسليمية هى نتاج تربية ومناخ وظروف ثقافية واجتماعية ودينية وضعت ذلك العقل فى حالة خمول واستسلام بتبرير أن هذا فى صالح الدين وحماية له. نعم إن العقل بمفهومه العام فكل واحد لديه هذا العقل، ولكن هل من يحافظ على خمول عقله كمن يفعل ويعمل هذا العقل؟ وهل تفعيل العقل خطر كل الخطر على الدين؟
كيف يكون ذلك وكل الأديان تؤكد على أن ما يميز الإنسان عن غيره من سائر المخلوقات هو ذلك العقل، هل الايمان الصحيح والعميق يكتفى بوراثة ذلك الإيمان عائليًا واجتماعيًا دون تفعيل عقلى لتأكيد ذلك الإيمان؟
وإلا ضاع ذلك الإيمان بإيمان أخر بديل وموروث، وهل تفعيل العقل طوال التاريخ حتى فى إطار الطعن والرفض لمفاهيم وثوابت دينية كان هذا خطر على الأديان؟ وهل كل الفلسفات التى يطلق عليها فلسفات إلحادية (من وجهة نظر أنواع من الفكر الدينى) أثرت على الأديان أو اسقطتها ام أن كل هذا فى المحصلة النهائية كان فى صالح تأكيد الايمان الحقيقى وليس الشكلى؟ لقد كان وسيزال طوال التاريخ من يفكر ويبدع وفى البداية نتصور نتيجة لفكرنا الدينى التقليدى والموروث أن هذا الفكر والإبداع هو ضد الدين وثوابته. 
فاكتشاف كروية الأرض كانت فكرة إلحادية قامت الكنيسة بإعدام من أطلقها، بعد ذلك كان هذا الاكتشاف طريق وسبب فى تطوير الفكر الإنسانى فى مجالات عدة.
وجدنا ماركس يقول "الدين أفيون الشعوب" ونيتشه يقول "الدين محرر العبيد" وفرويد يقول "الدين نزوة نفسية" وبرتاند راسل يقول "الدين تفكير طفولى".
فهل هذه المقولات والنظريات الفلسفية إساءة للدين ومثلت خطورة على الأديان؟ أم أنه كان فى المقابل رأى أخر وفكر آخر أكد عمق إيمان المؤمن؟ كم أن الأديان باقية ومحفوظة بأمر الله باعثها وموجدها؟ أما الثوابت فلكل دين ثوابت تمثل الأساس المتين الذى يبنى عليه مجمل البناء الدينى فى كل مسارات حياة المتدين.
والثوابت هذه هى الأحكام والقيم والمقاصد العليا للدين، أما الجزئيات التى تتغير بتغير الزمن والتطور الطبيعى الذى أراده الله للخليقة فهذه ليس ثوابت، وهنا نرى خلط بين الثوابت وغير الثوابت وجعل الكل ثوابت كنوع من الإحساس والرضى النفسى بأن هذا هو الدين ولابد من الحفاظ عليه.
فتجد مثلًا من يعتبر أقوال أباء الكنيسة على مدار التاريخ هى ثوابت أرثوذكسية أى ثوابت مسيحية من لم يلتزم بها أصبح مهرطق وغير أرثوذكسى أى غير مسيحى، ولذا فالكاثوليكى والبروتستانتى فى نظر العقل التسليمى الأرثوذكسية مهرطق والعكس صحيح.
مع العلم أن تلك الأقوال هى أقوال بشرية غير مقدسة وهى بنت الزمان والمكان، قراءة فى بوست فى الفيس أن هناك أماكن يحل بها الشيطان وعلى المسلم أن يعيها حتى لا ينتصر عليه ذلك الشيطان، مثل دورات المياه، الفرش الذى لا ينام فيه أحد، الملابس المعلقة والتى تظل مدة بلا استعمال، التماثيل والكلاب.
الأهم أن كاتب البوست قال إن هذه الأشياء ثوابت دينية إسلامية.
هنا يحضرنا كلام فضيلة الإمام الطيب شيخ الأزهر حين يقول: أن أحكام الدين الاسلامى بها ثوابت لا تتغير ولا تتجدد وهى الأحكام قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، كما قال: أن ثبت ثبوت هذه الأحكام أمام قانون التطور هى أنها قابلة للتطبيق فى كل زمان ومكان ومعظمها يدخل فى باب العقائد مثل الصلاة تتم فى عصر الفضاء مثلما كانت تتم فى عصر الصحراء والإبل بلا فرق، وكذلك أيضًا الصيام والحج فكل هذا ثوابت.
أما النوع الثانى من الأحكام وهى المختصة بمجالات الحياة الإنسانية الأخرى مثل الأحكام المدنية والدستورية والجنائية والاقتصادية والسياسية والسيرة الاجتماعية والبيع والشراء وأنظمة الحكم والآداب العامة والعادات والتقاليد.
فهذه المجالات تأتى فى صورة مبادىء عامة تتسع لتطبيقات عدة وصيغ مختلفة كلها مشروعة طالما بهدف المصلحة العامة، هنا هل هذا البوست يصح أن يخلط بين الثابت وغير الثابت؟ ولذل فهل نعمل على أن نفعل عقولنا فى مجمل حياتنا بلا خوف بعيدًا عن الموروث الذى لا يتوافق مع زماننا ومكاننا؟
هل من تغيير حقيقى وسريع للمناهج الدراسية حتى تنشئ وتربى عقولًا ناضجة واعية مفكرة ناقدة؟ هل من إعلام ينشط الفكر ويغذى العقل بكل ما يجعله عقلًا ناقدًا وليس عقلًا تسليميًا؟ فلا إيمان صحيح ولا تقدم ولا حياة سياسية حقيقية يمارس فيها المواطن حقه فى المشاركة فى اتخاذ القرار والحصول على حقوق المواطنة كاملة بدون عقل ناقد ومبدع.
فالعقل التسليمى هو أداة تستغل من كل المتاجرين بالدين والسياسة والاقتصاد والسيطرة الاجتماعية على البشر.
حمى الله مصر وشعبها العظيم.