رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

القرم مجددًا فى عين العاصفة الروسية الأوكرانية

بعد ساعات من وقوع سلسلة انفجارات «غامضة» لم يكشف عن طبيعتها بعد بقاعدة جوية روسية فى شبه جزيرة القرم، خرج الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى مساء الثلاثاء فى رسائله المتلفزة، ليلقى بكلمة تناول فيها مستجدات الوضع الميدانى كالمعتاد، لكنه ورغم عدم الإشارة إلى تلك الانفجارات ذكر رمزية مهمة لها دلالتها، معتبرًا أن الحرب الدائرة فى بلاده بدأت فى شبه جزيرة القرم ولذلك يجب أن تنتهى بتحريرها. الغموض يبدو سيمتد لفترة حول تفسير مسببات الانفجارات، فهناك روايتان متضادتان إحداهما روسية تؤكد أن التفجيرات كانت بسبب مخزون من الذخيرة، لم تراع إجراءات الآمان اللازمة فانفجرت فى أحد المخازن العسكرية. وأخرى أوكرانية غير رسمية تذكر أن هناك هجومًا صاروخيًا متوسط المدى، استهدف طائرات روسية موجودة بالقاعدة وأن الانفجارات وقعت جراء النجاح فى إصابتها وتدميرها.

الغموض الذى يرجح أنه لن ينقشع قريبًا عن تلك الواقعة الخطيرة، التى شهدتها «قاعدة ساكى» العسكرية بالقرب من نوفوفيدوريفكا غرب شبه الجزيرة، وبالقرب من المنتجعات الساحلية التى يرتادها السياح الروس، كما أن للقرم حدودًا مع منطقة «خيرسون» جنوب أوكرانيا التى تسيطر روسيا عليها الآن، امتدادًا حتى الوصول إلى منطقة «زابوريجيا» جنوب شرق أوكرانيا التى يوليها الجيش الروسى أهمية عملياتية فائقة، هى الأخرى تقع على مسافة قريبة من هذا الوقع، بدءًا من اللحظة الأولى التى رفض فيها المسئولون الأوكران التعليق ونسبة الأمر لهم، وهو ما يفسر أيضًا تجاهل الرئيس الأوكرانى الكشف عن حقيقة ما جرى رغم علمه بالتأكيد، فى حين فضل إشاراته الدالة والاستثائية لشبه الجزيرة التى تعد بالفعل صانعة إلى حد كبير، لجزء من الأزمة الراهنة الكلية المستحكمة. فقد قامت روسيا بضمها إليها عام ٢٠١٤ بعد تنظيم استفتاء مثير للجدل، ويعتبره المجتمع الدولى منذ هذا التاريخ إجراء غير شرعى لم يعترف به، فى المقابل مثل الحصول على هذا الاعتراف من قبل أوكرانيا والعالم أحد اشتراطات روسيا لإنهاء أو تفكيك الأزمة، هذا ذكرته بوضوح فى بداية الحرب كبند رئيسى فى مقدمة متطلباتها بأن يكون هناك «اعتراف» شامل بأن شبه جزيرة القرم جزء من أراضى دولة روسيا الاتحادية.

القواعد العسكرية الروسية «نوفوفيدوريفكا» و«ساكى»، يقعان على بعد حوالى ٥٠ كيلومترًا شمال ميناء «سيفاستوبول» مقر أسطول البحر الأسود الروسى الشهير، فهو الذى يقود منذ مارس ٢٠٢٢ حصارًا بحريًا على الساحل الأوكرانى. شهود العيان فى المنطقة من المصطافين وغيرهم، قاموا بتصوير الانفجارات وبدأوا بثها على وسائل التواصل الاجتماعى، فيما أظهرت مقاطع فيديو أخرى السياح وهم يهربون من أحد الشواطئ مع ارتفاع سحب الدخان فى الخلفية. الشهود المحليون قدروا عدد الانفجارات ما بين ١١ و١٣ انفجارًا وهو رقم كبير، دفع القوات الروسية إلى فرض طوق محكم بنطاق يصل إلى ٥ كيلومترات حول موقع الانفجار. فيما كان هناك فى نفس الوقت تصريح بدا متناقضًا مع الموقف التكتيكى الذى انتهجته أوكرانيا، فقد ذكرت رسالة نصية نشرت بوسائل التواصل الاجتماعى «تليجرام» على حساب «إيرينا فيرشتشوك» نائبة رئيس الوزراء الأوكرانى، أن «انفجارات اليوم فى نوفوفيدوريفكا، هى رسالة تذكير أخرى بمن تعود ملكية القرم له، لأن من تعود إليه هو أوكرانيا». وقد حظيت هذه الرسالة بانتشار كثيف داخل أوكرانيا بالطبع، خاصة وهى تحمل ذات المعنى الضمنى لحديث الرئيس الأوكرانى، مع الإشارة إلى واقعة الانفجارات.

إن صحت فرضية تعرض شبه جزيرة القرم إلى قصف أوكرانى، سينتقل المشهد برمته إلى مستوى غير محسوب من التصعيد المتبادل، خاصة من الجانب الروسى بالطبع بالنظر إلى فارق الإمكانات العسكرية والعددية، فى الوقت الذى تعانى فيه الحرب من حالة انسداد فى أفق تحقيق تغيرات فارقة على أرض مسارح العمليات المتناثرة، لذلك ذهبت موسكو مؤخرًا إلى استحداث تشكيلات جديدة متطورة لقواتها البرية، استجابة لما فرضته تطورات الحرب ومناطق التماس، التى اختبرتها القوات الروسية خلال الأشهر المنصرمة من عمر العمليات، حيث كشفت وزارة الدفاع البريطانية فى نشرتها الاستخباراتية اليومية أن إحدى تلك الوحدات، بدأ تشكيلها بالفعل وأطلق عليها اسم «الفيلق الثالث» وسيكون مقرها مدينة «مولينو» شرقى العاصمة موسكو. رغم أن القيادة الروسية لم تحسم أمر «أولويات» العمليات بعد، إلى أن هذا الفيلق على الأغلب سيكلف بإحدى مهمتين تمثلان للجيش الروسى إلحاحًا عاجلًا، إما تعزيز الجهد الهجومى فى منطقة الدونباس الشرقية من أجل تغيير معطيات السيطرة على الأرض، أو تكليف الفيلق الجديد بتعزيز الدفاعات للتصدى للهجمات المضادة الأوكرانية فى الجنوب.

يبقى التطور الأخير اللافت الذى يتجاوز فى خطورته ما يجرى فى جزيرة القرم، المتمثل فى تبادل الاتهامات حول محطة «زابوريجيا» النووية، فقد أصاب مؤخرًا قصف مجهول المصدر خطوط كهرباء عالية القدرة، أكبر مفاعل نووى أوكرانى سيطرت عليه روسيا. فى وقت تؤكد السلطات الأوكرانية أن المفاعل لا يزال يعمل، ولم يتم رصد أى تسرب إشعاعى منه، رغم أن شركة «إنيرجواتوم» الأوكرانية للطاقة النووية التابعة للدولة ألقت بمسئولية الأضرار التى لحقت بالمحطة الأكبر فى أوروبا على القصف الروسى. وهو تضارب لم يستطع أى من الطرفين حتى الآن تأكيد مساره الفعلى، لكن فى النهاية تظل هناك أضرار نقلتها وكالة إنترفاكس للأنباء عن إدارة المدينة بقولها إن حريقًا اندلع فى مجمع المفاعل، وإن الكهرباء الضرورية لإبقاء عمل المفاعل آمنًا انقطعت جراء هذا الحريق. المحطة تضم «٦ مفاعلات» سوفيتية الصنع والتصميم، تقوم منذ عقود بتشغيل أكثر من ٥ ملايين منزل ومنشأة، مما دفع «رافايل جروسى» المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى بذل جهد وضغوط استثنائية من أجل إرسال بعثة إلى المكان، الذى وصفه بأن الوضع أقل ما يمكن تقديره بـ«المضطرب» فى محطة زابوريجيا للطاقة النووية.

قصف محطة زابوريجيا للطاقة النووية فى جنوب أوكرانيا أعاد للأذهان تلقائيًا، كارثة تشيرنوبل عام ١٩٨٦، وكانت روسيا قد استولت على المحطة فى مارس الماضى لكنها أبقت على الموظفين الأوكرانيين القائمين على تشغيله، واليوم هؤلاء ينقلون للعالم الخارجى ولوكالة الطاقة النووية، أنه لا يزال هناك خطر حدوث تسرب إشعاعى أو على أقل تقدير خطر تسرب الهيدروجين وتشتت جسيمات مشعة، وهذا لا يقل كثيرًا عن جسامة ما وقع فى تشيرنوبل ومدى تأثيره المدمر الواسع.