رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

«عز» كان هنا

عزالدين بدوى لم يكن مجرد ناقد زميل، بالنسبة لى عز وحازم شحاتة هما أساتذتى، هما مَن علمانى فعليًا كيف أشاهد المسرح، وكيف أكتب عنه.. كان عز  يقرأ كتاباتى التافهة وقتها التى كانت تحاكى النقد الانطباعى الذى اعتدت قراءته وتثنى على أو تذم فى كل مفردات العرض المسرحى، ودون تعالٍ كان عز يلفت نظرى لفكرة أو لمشهدية أو لبنية درامية أو لأبعاد شخصية، كان يوجهنى لقراءات، ولموسيقى أسمعها، ولنظريات أطلع عليها، الناقد عزالدين بدوى هو واحد من صفوة نقاد التسعينيات، عملوا فى وقت ليس ببعيد على تغيير لغة النقد السائدة وتوجهوا مباشرة لنقد البنى المعرفية والفكرية المهيمنة داخل العرض المسرحى وتفكيكها، وقد استفادوا كثيرًا بقراءاتهم فى الفلسفة وعلم الجمال ونظريات الأدب وكذلك بوعيهم الثورى ودراستهم الأكاديمية.. لقد كانوا سببًا فى  نقلة حقيقية فى لغة ومنظور النقد المسرحى التطبيقى، وكانت مجلة المسرح بإدارة الدكتور محمد عنانى هى حاضنة هذا اللون من النقد فى ذلك الوقت.

استندت تلك اللغة النقدية الجديدة إلى مناهج جديدة فى النقد تستند إلى أدوات السيموطيقا «علم العلامات» ومناهج ما بعد البنيوية والتفكيكية.. ظهر هذا الاحتياج على السطح كأثر لمهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى الذى جاء إلينا بعروض مختلفة بجماليات لم نعتدها، أحدثت ارتباكًا فى لغة النقد وارتباكًا موازيًا لدى صناع المسرح المصرى الذين صاروا يبحثون عن ذاتهم ويعاينون أدواتهم ويتطلعون لفهم هذه الأشكال الجديدة، عبر الاطلاع على المنتج النقدى المغاير الذى دشنه عزالدين بدوى وحازم شحاتة وهشام إبراهيم ومايسة زكى «فى نشرة التجريبى وفى مجلة المسرح»، فكانت بمثابة دليل للفنانين استطاعوا عبره أن ينفتحوا على جماليات مغايرة وطازجة، ويقيموا موازنة بينها وبين هويتهم التاريخية والفنية، حتى وإن وقع البعض فى محاكاة ساذجة لتلك الجماليات فى بعض الأحيان.

عزالدين بدوى كان أحد هؤلاء النقاد الذين كان صناع المسرح ينتظرون مقالاتهم بمجلة المسرح أو غيرها من مطبوعات المسرح، ليستمتعوا بقراءة العرض المسرحى استمتاعهم بالعرض ذاته.

IMG-20220328-WA0007

هُمش عز مع سواه من النقاد، أصحاب الرؤية والفلسفة واللغة المختلفة، لصالح آخرين تقليديين ويحاكون السائد ويتطابقون مع باترون غير معلن لكتابة لا تخلخل شيئًا.. كتابة لا تزحزح سلطة اجتماعية ولا فكرية ولا تحرض على التفكير ولا تمرر الجمال، ولم يكن عز من هؤلاء الذين يجيدون فن التملق أو التلون، فانسحب وظل من حينها محبطًا مستسلمًا للهامش، لا يفعل سوى ما يُطلب منه كموظف ولا يسعى لإدراك بؤرة الضوء التى استحقها عن جدارة.

مرضَ عزالدين بدوى بالسرطان منذ عدة سنوات، ولم تكن لديه المقاومة الكافية لدفعه، فعز بطبيعته يقاوم بعض الوقت لكن ما يلبث أن يستسلم.. كان استسلامه هذه المرة هو الأكثر إيلامًا لأنه غيب عنّا معلمًا وناقدًا من طراز خاص.. فعلها ببساطة ورحل ليترك لنا مكانًا فارغًا فى الهامش، الذى أزيح إليه بفعل منظومة القيم والأفكار الاستهلاكية التى صارت مهيمنة حتى على اللغة والفن والمسرح، لأن أصحابها هم المهيمنون للأسف.

يا عز اذكرنا حيث أنت، وسيظل كل زملائك وأصدقائك والمسرحيين، خاصة فنانى الأقاليم الذين تعلموا منك كثيرًا، يذكرونك ويذكرون دروسك الهامة، ويعرفون الناس بك وبكل النقاد الذين أثروا مسرحنا بكتاباتهم الزاهية فسفورية اللون التى أضاءت عتمات العروض المسرحية.. سنظل ننتهز الفرص لنقول لأجيال قادمة: كان هنا ناقد فتح الباب للجمال ثم غادر.