رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الوطن

جريدة الدستور

الوطن -- ما أجمل هذه الكلمة ! وما أروع وقعها على النفس ! وما أجل معانيها التي نعجز عن بلورتها بأيٍ من طرق التعبير الفني أو الإبداع اللغوي !

الوطن -- كلمة لها جرْس خاص تبث أنفسنا مجموعة من المثيرات الحسية تتخطى المفهوم الدارج للهوية لتحيا بوجداننا فندرك أنه معنى يعيش فينا لا مجرد مكان نعيش فيه، ومن هنا فإن كل طموحاتنا وإن كانت شخصية لابد وأن ترتبط بالوطن وكل نجاح نحققه يستمد رقيه من عائده على الوطن.

وحب الوطن وإن كان إحساسًا فطريًا ننشأ عليه إلا أن تنمية هذا الإحساس لدى أبنائنا ضرورة يجب ألا نغفل عنها لتحقيق الاستواء لأنفسهم بانتماءٍ وولاء يدركون معهما بما لا يدع مجالًا للشك أن عزة النفس وكرامتها مرتبطتان بعزة وكرامة الوطن وأنه لا فخر يعلو على الفخر بوطنٍ نحيا على أرضه وننعم بخيراته ونزهو بتاريخه ونتغنى بأمجاده ونعمل لإنماء حاضره وازدهار مستقبله.

ولابد أن يدرك الآباء أنه لا خير في أبناء تربوا على الاستهانة بوطنهم والسخرية منه وتسفيه مكانته ولو على سبيل المزاح وليعلموا أيضًا أن هوان الوطن على شبابه هو أمل ومبتغى أعدائه بل هو الطريق إلى تغييبهم عن كل طاقة أمل بزرع الشك والريبة في كل ما يدور حولهم فتكون النتيجة هي الاستهانة والاستكانة والهوان، هوان كل شيء وتحقير كل القيم والمباديء إلى أن ينتهي الأمر بهؤلاء الأبناء إلى الاستهانة بقيمة الوالدين وفقدان البر بهما والانتماء إليهما كما فقدوا البر بالوطن والانتماء إليه - هذه هي الحقيقة التي لا يعيها البعض والتي تتجلى في أسوأ صورها عند حرص بعض الآباء على تصدير صورة سوداوية لأبنائهم عن كل ما يحيط بهم وما يرتبط بوطنهم إلى جانب تحقير قدر كل عمل وإنجاز يبتغي أصحابه صالح هذا الوطن، وتصدير فكرة الفساد في كل شيء واللعب بادعاء التغاضي عن الأولويات وإنكار كل عمل خالص لوجه الله يسعى أصحابه إلى الإصلاح والتنمية، بل والإصرار على إعمائهم عن كل ماهو إيجابي وتلقينهم السلبيات - الحق منها والمزعوم - بل وحقنهم سم الحقد والكراهية فلا يرون إلا السواد ولا يتوقفون عن الشك بالذمم وإبخاس الناس أشياءهم ويعجزون حتى عن شكر الله على موفور نعمه، إلى جانب محاولات دؤوبة للحط من قدر النجباء وإعلاء قيمة السفهاء مما لا أهلية لهم في التصدي لموقفٍ هزيل فما بالنا بجسام المواقف وأعاظم المخاطر التي تحدق بالوطن ومقدراته.

إن لهذا الوطن رجالًا يعطونه الكثير من وقتٍ وجهدٍ وعملٍ مخلص، ويسهرون على حمايته مما ندركه وما لا ندركه من مؤامرات، كما أن له رجالًا يبنونه ويسعون إلى رفعته دون أن يجود عليهم البعض باعتراف صغير بما يقدمونه، فأصبح نكران الجميل وجحود الفضل سمةً لهؤلاء الذين فقدوا القدوة وهان عليهم كل شيء حتى أرواح شهداء الوطن بدعوى أن هذا هو عملهم، وهو الطريق الذي سلكه من وقعوا فريسةً لحملات تغييب الوعي وانخرطوا فيها ومعها إلى أن أصبحوا عنصرًا من عناصرها دون مراعاة لمصالح وطنٍ يعيشون بعيشه ويضيعون إن ضاع.

أكتب مقالي هذا أثناء مشاهدتي على الهواء مباشرةً الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في مناسبة يوم الشهيد وقد شرعت في كتابته قبل بدايتها، والآن وأنا أتابع فعالياتها ثبت في يقيني أن بجيشنا رجالًا هم النموذج الحي لمعنى الولاء والانتماء والفداء وأن بوطننا نساءً - أمهات وزوجات للشهداء - هن المثل الأعلى للوطنية في أبهى وأروع صورها وأن السواد الأعظم من هذا الشعب العظيم يدرك ويقدر معنى الوطن.