رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

إحسان عبدالقدوس.. المتمرد الذى عاش فى جلباب أبيه

إحسان عبدالقدوس
إحسان عبدالقدوس

 

فى ١٨٩٨ اكتمل يُتْم الطفلة اللبنانية فاطمة اليوسف، فقد ماتت أمها بعد عام واحد فقط من موت أبيها، لتتبناها إحدى أسر جيرانها بجبل لبنان.. وبعد تلك الواقعة بسنوات، تحديدًا فى ١٩٠٤، قررت تلك الأسرة الهجرة إلى أمريكا ضمن موجة هجرات الشوام صوب العالم الجديد، واصطحبت معها الطفلة اليتيمة، وفى طريقها إلى أمريكا، توقفت باخرتها فى الإسكندرية قبل الانطلاق إلى مقصدها النهائى، وهناك فى عروس المتوسط صعد الممثل «إسكندر فرح» إلى السفينة ليسلم على تلك الأسرة قبل رحيلها، لكنه نزل من تلك الباخرة رفقة الطفلة فاطمة، التى قرر أن يربيها مع بناته ويضمها إلى فرقته المسرحية.

وخلال سنوات قليلة، تحولت تلك الطفلة اليتيمة إلى ممثلة مشهورة، ثم صحفية أكثر شهرة.. إنها فاطمة اليوسف أو «روز اليوسف» الفنانة والصحفية الشهيرة. وفى ١ يناير ١٩١٩، أنجبت روز اليوسف ابنها إحسان، بعد زواجها من الفنان محمد عبدالقدوس الذى ثار على أبيه الشيخ الأزهرى ورفض وصايته وتحداه ليعمل كـ«مشخّصاتى»، كما ثار على وظيفته كمهندس للطرق والكبارى وتركها لأجل الفن. 

هكذا أنتجت زيجة الفنانة اليتيمة المهاجرة من المهندس ابن الشيخ طفلًا هو ابن لكل تلك الملابسات والتناقضات.

وردت تلك المعلومات التى كنت أجهلها فى الكتاب القيّم «إحسان عبدالقدوس بين الأدب والسياسة» لمحمد الشناوى، الصادر عن دار بتانة للنشر.

مفترق الطرق

لاحقًا، انفصلت روز اليوسف عن محمد عبدالقدوس، وهكذا كبر إحسان بين عدة بيوت، بيت جده الشيخ أحمد رضوان، وبيت أمه الفنانة الصحفية، وبيت أبيه الفنان الذى عاد لوظيفته ليضمن بها لولده أمانًا اقتصاديًا، وتشرّب عبدالقدوس من كل تلك البيوت بتناقضاتها، الأمر الذى تجلى فى كتاباته فجعله كاتبًا سياسيًا بنفس القدر الذى كان معه كاتبًا أدبيًا.

قبل ذلك بسنوات، وقبل أن يكتب عبدالقدوس أولى قصصه، وتحديدًا فى ١٩٣٨، كافأته أمه على نجاحه فى التوجيهية، وأرسلته فى إجازة إلى الإسكندرية، وفى أحد أيام تلك الإجازة اتصلت به لتخبره بأن مراسل مجلة «روز اليوسف» فى الإسكندرية مريض، وطالبته بأن ينوب عنه حالًا فى مهامه ويذهب ليلتقى رئيس الوزراء محمد محمود ليجلب منه دفعة أخبار عن مستجدات الوضع السياسى، كان ذلك التحدى الأول فى مسيرة إحسان عبدالقدوس ككاتب، وبالفعل ذهب الفتى ذو الـ١٩ عامًا، وقابل رئيس الوزراء وألقى عليه طلبه بسذاجة قائلًا: «أمى بتسلم عليك وبتقولك عايزة شوية أخبار»، فضحك محمد محمود ومرافقوه، وتدخل أحدهم ليضع حدًا لتلك المهزلة وأمد الفتى المرتبك والخجول بالأخبار، غير أن تلك النقطة كانت بداية انطلاق الكاتب السياسى إحسان عبدالقدوس، الذى حسم فى نفسه ترددًا بين عالمى الفن والصحافة والأدب، فقرر نبذ الفن «المسرح» الذى تسبب فى انفصال والديه، واختار أن يكون كاتبًا، بعد مجموعة محاولات فاشلة للعمل كمحامٍ، أو حتى سمسار فى «صفقات الرز».

وبعد فشله فى كلتا الوظيفتين، واختياره التوجه للكتابة، فشل هذا الكاتب فى البداية فى نظم الشعر والزجل، ورفض كتابة المسرحيات لأن والديه قاسيا من المسرح، فاختار القصة، وراح يقرأ بنهم لموباسان وأوسكار وايلد وبرنارد شو، ليطور نفسه كأديب، إلى جانب دراسته فى كلية الحقوق التى بدأها فى ١٩٣٨ وأنهاها فى ١٩٤٢.

وظل عبدالقدوس منقسمًا بين مسارى السياسة والأدب، حتى سُجِن فى ١٩٤٥ بعد أن كتب مقاله الأشهر مهاجمًا فيه الحاكم الفعلى لمصر السفير البريطانى اللورد كيلرن. ولما خرج من السجن، بدأت الرؤية تتضح أمامه، وبدأ الأديب بداخله يتبلور، بل ووجد فى كتابة الروايات متنفسًا يستطيع من خلاله تمرير بعض آرائه السياسية بشكل رمزى، ودون أن يضطر للاصطدام مع دولة بحجم بريطانيا أو غيرها من القوى العالمية والمحلية.

ملك التفاصيل

«أصدقاء القراءة والاستماع» هو المصطلح الذى أطلقه عبدالقدوس على قرّائه الذين كانوا يطلبون أن يقابلوه فى جلسات خاصة، ومن بين هؤلاء القرّاء كانت «فاطمة» التى زارته لتحكى له قصتها: سيدة مهجّرة من مدن القناة المنكوبة فى ١٩٦٧، وباختصار، فقد اضطرتها الظروف بعد التهجير للسقوط فى بئر الرذيلة، وجعلتها الحاجة تتحول إلى ساقطة، لكى تتمكن من أن تعول نفسها.

«عبدالقدوس» تلقف تلك الحكاية، ثم شذّبها وصاغها على شكل قصة قصيرة عنونها بـ«الهزيمة كان اسمها «فاطمة»، سرد فيها الملابسات التى حوّلت فتاة كان لها بيت وأهل وشرف تحافظ عليه إلى مجرد فتاة ليل.. ويدهشنى إلى اللحظة أن هذا النص الأدبى لم يتحول إلى عمل سينمائى أو درامى.

المهم، نعود إلى جلسات «القراءة والاستماع»، التى أتصور أنها كانت ضمن أهم العوامل التى جعلت من إحسان عبدالقدوس قيمة أدبية كبرى، فالرجل يستطيع ببساطة أن يلتقط الحس الإنسانى، الومضة العاطفية، فى الحكايات.. لا ينشغل أبدًا بالرأى الذى يقول إن «الرواية هى كيف تحكى الحكاية»، فالرواية أو القصة عند عبدالقدوس هى ذلك العمق الإنسانى الموجود فى الحكاية، حتى وإن طرحه الرجل بأبسط طريقة ممكنة، ودون الكثير من الزخرف الأدبى، وبلا تقنيات سردية متحذلقة يتغنى بها النقاد. وربما هذا ما يفسر كونه واحدًا من أكثر أدباء العالم الذين تحولت نصوصهم إلى أعمال سينمائية ودرامية- هذا إن لم يكن الأكثر على الإطلاق- وذلك برصيد يتخطى ٧٠ نصًا جرى تجسيدها سينمائيًا ودراميًا. 

لقد كان لعبدالقدوس قدرة فائقة على التقاط التفاصيل الإنسانية من الحكايات والمواقف المحيطة به، وقصته «زوجة أحمد» نموذج آخر على ذلك، لأن زوجة أحمد هى ببساطة «لواحظ» زوجة عبدالقدوس نفسه.. كما أن رواية «فى بيتنا رجل» هى قصة واقعية حدثت لعبدالقدوس نفسه عندما طلب منه أصدقاؤه أن يستضيف فى بيته حسين توفيق الذى اغتال وزير المالية أمين عثمان فى ١٩٤٦ بدعوى تعاونه مع الإنجليز، وهو الأمر الذى رحب به إحسان عبدالقدوس وكتب على إثره تلك الرواية، طبعًا مع معالجة شخصياتها وأحداثها بشكل فنى، وتحولت إلى أحد أشهر أفلامه.

ويعلق عبدالقدوس على مسألة اقتباس الكثير من شخصيات قصصه من الواقع: «هذا الهمس أعتبره وسام تقدير على صدرى، واعترافًا ضمنيًا بأننى كاتب صادق استطاع أن يأخذ نماذجه من المجتمع»، غير أنه يستدرك: «كتبت٥٠٠ قصة ولا يمكن أن أكون بطلها كلها»، مشيرًا بذلك إلى مجموعة أخرى من قصصه وروايته التى انبنت على الرمزية ولم تكن مستلة من قلب الواقع.

وبسبب تلك اللمسة الإنسانية الجلية فى كتابات عبدالقدوس، كان المنتجون يسارعون إلى شراء حقوق قصصه، وعبدالقدوس نفسه كان قد صرّح بأنه لم يسعَ لتحويل قصصه ورواياته إلى أفلام، كان فقط ينشر القصة أو الرواية، وبعد أيام يتلقى المكالمات من جهات إنتاج مختلفة: «أستاذ إحسان لقد أعجبتنا قصتك الفلانية وسنحولها إلى فيلم.. تعال لتقبض مستحقاتك»! ولم يذكر عبدالقدوس أنه سعى سعيًا لتقديم سيناريو ما سوى فى بدايات زواجه من السيدة لواحظ، وذلك لتحسين دخله، فكتب حينها سيناريوهين، وقرأتهما المنتجة أميرة عزيز ثم أعطته ٨٠ جنيهًا عن كل واحد منهما.

وعلى ذكر السيدة «لواحظ»، يجب أن نحكى عن قصة الحب الكبرى فى حياة عبدالقدوس.

لَولا لُولا ما كان سانو

فى السنة النهائية من دراسته الجامعية، ذهب عبدالقدوس مع أحد أصدقائه لتقديم طبق عاشورة لأسرة المهيلمى بحى مصر الجديدة، وكعادة المصريين فقد أصرت صاحبة البيت على دعوة الشابين للدخول، وفى المنزل رأى إحسان صورة معلقة لفتاة ذات ملامح جميلة، هى لواحظ عبدالمجيد المهيلمى، وأعجب بها، ثم التقاها، وتبادلا أرقام هاتفيهما، ولما عاد لمنزله انتظر مكالمتها لثلاثة أيام، ثم انهارت مقاومته واتصل بها، وسألها: «ماتصلتيش بيا ليه؟». فردت باستنكار: «واتصل بيك بمناسبة إيه؟». هكذا اندلع الحب فى قلب إحسان عبدالقدوس، وأعلن أنه سيتزوج من تلك الفتاة، لكن رغبته تلك قوبلت بالرفض من روز اليوسف ومن أسرة المهيلمى، ليضطر الكاتب الشاب للزواج بمحبوبته رغمًا عن الجميع، والذى حدث أنه قصد محمد التابعى وحكى له عن حبه، وفى ١٩٤٣ استضافهما التابعى فى منزله بالزمالك ورعى حبهما وتبنى زواج الشابين فى بيته ضد إرادة العائلتين. أسماها عبدالقدوس «لولا»، وأسمته هى «سانو»، وعنها قال: «لَوْلا لُولا ما كان سانو». وعلى الرغم من أن عبدالقدوس هو ابن أشهر امرأة عاملة فى مصر، فإنه أصر على أن تتفرغ زوجته له، ربما يكون ذلك من ميراث التربية التى تلقاها فى بيت جده الشيخ أحمد رضوان، وفى المقابل قبلت لواحظ المهيلمى بهذا الدور، وصارت كما قال عبدالقدوس نفسه: «رئيسة مجلس إدارة حياتى».لقد لعبت لواحظ دورًا مهمًا فى حياة عبدالقدوس، ووقفت بجانبه فى أصعب لحظاته، فلما دخل السجن كانت تحرص على زيارته حاملة له الأكل الذى طهته له بيد وفى يدها الأخرى ابنهما حديث الولادة، وهى من قبلت باستضافة مطلوب للعدالة فى بيتها، فقط لأن زوجها وافق على ذلك، كما نظّمت لإحسان وقته وهيأت له كل الظروف ليتفرغ لكتاباته الصحفية والأدبية، وفوق كل ذلك فقد تحملت بصبر حقيقى طبعه المشابه لطبيعة الفنانين، من تقلبات مزاجية وعزلة وعصبية، ثم تحملت أيضًا أن تكون له معجبات، وقالت فى حوار لها مع الصحفية لوتس عبدالكريم: «لقد أحبنى إحسان ويكفينى هذا، وقد كان يسمى كل نزواته (قزقزة لب)».

ولتكتمل الصورة، عن تلك السيدة العظيمة التى ساهمت فى صناعة اسم إحسان عبدالقدوس، تجدر الإشارة لقصة غريبة نوعًا ما عنهما، فقد عرض أحد وزراء الداخلية على الكاتب الراحل أن يخصص له حرسًا، ورفض إحسان، ليقوم ذلك الوزير بترخيص سلاح له، لكن المدهش هنا أن عبدالقدوس لم يحمل ذلك السلاح أبدًا، لأن من كانت تحمله نيابة عنه هى زوجته، بل وراحت تتفنن فى لعب دور الحارس الشخصى، فكانت أثناء ذهابهما إلى السينما مثلًا تقوم بفحص المكان كالمخبرين، متأهبة لاستعمال المسدس فى أى لحظة، لقد تماهت لواحظ مع دورها الجديد، فهى لم تكن فقط «رئيسة مجلس إدارة حياة إحسان عبدالقدوس»، بل كانت بالفعل ملاكه الحارس.