رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

«أحببتها تلميذا واعترفت لي في شيخوختي».. قصة الحب الأول للكاتب أناتول فرانس

أناتول فرانس
أناتول فرانس

حكي الكاتب الفرنسي الكبير أناتول فرانس عن قصة حبه الأول، في مقال ترجمه ونشره بالعربية محمد مفيد الشوباشي، يقول فرانس: عرفت بين صديقات أمي سيدة تاقت نفسي إلى إطالة المكوث معها والتحدث إليها، وكانت هذه السيدة أرملة موسيقار يدعى "أدولف جانس"، وكان اسمها أليس، والحقيقة لم أتبين حتى لون شعرها أو عينيها أو أسنانها، ولكني كنت أجدها أجمل من الأحلام واعتادت أمي أن تقول عنها أن الذي يتفرس في ملامحها يجد حسنا غير عادي.

وأذكر أن أن أبي كان يستقبل أصدقائه في إحدى الليالي، ودخلت علينا أليس غرفة الاستقبال، وكان مرسوما على وجهها أمارات طيبة النفس وكنت أعرفها وهي تلقي الفتيت للعصافير، ولكنها كانت تتبدل فجأة فتظهر تعاليا وزهوا وتحرك منديلها المعطر كأنها تبعد عنها أسباب الاشمئزاز، ولم أستطع تفسير ذلك في حينه، ولكني أستطيع تفسيره الآن بأن أليس غانية ذات دلال.

دخلت أليس قاعة الاستقبال في تلك الليلة ثلاث مرات وقد تعلق بها نظري فلم يتحول، وخيل إلى أنني لمحت في عينيها حزن دفين فاضطرب كياني ذلك لأنني كنت طيب القلب جدا، وقتها طلب منها الحاضرون أن تعزف على البيانو فعزفت مقطوعة لشوبان، ولم تسمع أذناي أحلى مما سمعت ذلك اليوم، وأحسست بأن أصابعها تمس أذني مسا خفيفا.

وبمجرد انتهاءها من العزف توجهت إليها من غير وعي أو تفكير، وقمت وجلست إلى جوارها وملا عطرها أنفي فأغمضت عيني بتلذذ، وسألتني عن مدى حبي للموسيقى فكأن صوت سرى في جسدي مثل الكهرباء، وفتحت عيني فرأيتها تنظر إلى وكانت هذه النظرة كافية للقضاء علي، وأجبتها وأنا أتهدج بانفعال: "نعم يا سيدتي"، ولم تنشق الأرض وتبلعني في تلك اللحظة لأن الطبيعة لا تستجيب لدعوات الناس مهما كان صدقها وحرارتها.

وقضيت ليلتي وأنا أنعت نفسي بالغباء، وأنهال على وجهي لكمًا وضرًا، ورحت أقلب الأمر على أوجهه المختلفة حتى طلع الصباح، ولكني لم أهادن نفسي ورحت أقول لها بكل غيظ "عندما تودين أن تقولي لحسناء جميلة بل أجمل من الجمال تعجزين وترددين كلمتين فقط، نعم يا سيدتي، أنت أنسان خائب وعليك أن تتوارى عن العيون".

ولم أستطع التواري عن العيون، وكان لزامًا علي أن أظهر بين التلاميذ في الفصل وكنت أداري محبتي عن العيون واشعر أني شقي تعس، ولم تكف تلك العبارة عن ملاحقتي، كيف أقول لها نعم يا سيدتي فقط، ومرت الأيام ونجحت في دراستي، وكافأني أبي على اجتهادي فأرسلني لزميل له يمارس الطب في "سان ياونيس"، وهي بلدة صغيرة تقع عل شاطئ نورموند، ووقفت هناك مبهورا أمام البحر، كنت أراه لأول مرة في حياتي، وقضيت أيامي في عزلتي أبكي، وأحسست أن قلبي ينتفخ ويثقل، حتى خيل إلى أنني سأسلم الروح، حتى رجعت.

كنت أحب الشعراء والكتب، وأحفظ الكثير مما كتبوه، وبينما أنا اتصفح كتب للشعراء وجدت عبارة "التجأ أولئك الذين قضى عليهم الحب القاسي وهم يعانون لمحات الحنين الأليم إلى جوف الغاب، وتواروا في مسالكها، ولفتهم فياض الأسى على ظلالها"، آه، أنا أعرف فياض الأسى هذه، فهي ملء قلبي وخاطري وعرفت من وقتها أني محب متيم.

كان شقائي بالغ القسوة، ذلك أنني كنت أرى أليس تلك التي تيمت فؤادي، وأستمع إلى حديثها العذب، هي المرأة التي أحبها دون سائر نساء الأرض، وكنت إذا جلست استمع إلى عزفها وأقلب لها صفحات القطع الموسيقية وأرى خصلات شعرها تداعب رقبتها ناصعة البياض فأحبس لساني حتى لا أقول لها "نعم يا سيدتي"، وقد نويت ألا أنطق بكلمة في حضورها بعد ذلك.

وبعدها بفترة تبدلت الحال وانقطعت أليس عن زيارتنا على أنني حافظت ما عاهدت عليه نفسي، ومرت السنوات تدفع السنوات لم أنس أليس، كانت تظهر أمامي وكأنها لم تغب، وبعد مرور الكثير من الأعوام التقيت "أليس" في نزل يشرف على نبع، وقد وجدت حسنها ينوء تحت عبء السنين، هذا الحسن الذي أثار في نفسي أول اضطراب، وألذ اضطراب ورغم ذلك على عذوبته يعاند الزمن.

ورحت وحييت أليس بقولي “صباح الخير يا سيدتي، وقتها كان الشيب قد خالط رأسي وتبدلت أيام الصبا، وسرعان ما لفتنا الذكريات وساعد كل منا رفيقه بحديثه الطلي على قتل الوقت، ورحت أجلس معها كل صباح تحدثني عن أمراضها وأحدثها عن أمراضي وللحديث شجون، وقلت لها في يوم من الأيام: ”كم كنت جميلة يا سيدتي، وكم كنت محبوبة"، فأجابتني: "هذا حق وأراني استطيع الاعتراف به الآن بعد أن أدركني الشيب، كنت موضع الرعاية والإعجاب وهذا يعزيني في شيخوختي، وكنت أتلقى الكثير من الإطراء، وستندهش إذا قلت لك كان هناك لونا من الإطراء سمعته وكان له في نفسي بالغ الأثر"، فقلت لها: "أود أن اسمع"، فقالت لي: "سأقص عليك الأمر إذا، في ذات ليلة من عهد طويل، اضطرب تلميذ صغير وهو ينظر إلى اضطرابا لم يملك معه إلا أن يجيب على سؤال وجهته إليه بقوله: "نعم يا سيدتي"، ولم يقم شاهد على إعجاب الناس فاستثار زهوي واغتباطي، "نعم يا سيدتي"، كان ارتباك صاحبه وهو يتفوه به ولست أدري ما الذي منعني وقتذاك من تقبيل وجنتي هذا الصعلوك الصغير".