رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

«صاين الكرامة».. أسباب اتخاذ السادات قرار العبور وحرب أكتوبر

السادات
السادات

فى تاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا حتى يرث الله الأرض وما عليها، أيام وأسماء وأحداث وإيجابيات وإنجازات وأبطال وبطولات لا تُنسى ويجب ألا تُنسى، وسيظل دور حاملي الرسالة وناقليها سواء كانت في منصات إعلامية، أو تعليمية أو حتى داخل الاسرة الواحدة، أن نُبعد أمجادنا عن التهام النسيان ونبقيها في دائرة الضوء.

ولعّل أهم إنجاز صُنع في تاريخ مصر المعاصر هو حرب السادس من أكتوبر المجيدة، فبعد مرور نحو 47 عاما على تحقيق أكبر معجزة عسكرية، لم تكن تتحقق لولا ذكاء الرئيس الراحل أنور السادات، فقرار خوض الحرب والعبور حتى بعد كل تلك السنوات ما زال محيرًا، لكل القادة سواء من عاصروها أو من تولوا الحكم في السنوات المتتالية، وكذلك كل الخبراء والمحللين.

في هذه السطور نروي ملابسات اتخاذ قرار العبور والنصر بخوض الحرب وكذلك موعد أخذه، فالبداية كانت مع إصدار "السادات" توجيها استراتيجيا للقوات المسلحة المصرية بإزالة الجمود العسكري، وكسر وقف إطلاق النار، وتكبيد العدو أكبر قدر ممكن من الخسائر في الأفراد والأسلحة والمعدات، والعمل على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب نمو وتطور إمكانيات وقدرات القوات المسلحة، على أن يتم تنفيذ المهام بواسطة القوات المسلحة المصرية منفردة أو بالتعاون مع القوات المسلحة السورية.

هذا القرار الذي كان يعتبر بكل معايير القوى الاقتصادية والعسكرية وحتى الاستراتيجية في هذا الوقت مليء الجنون، كان له عدة أسباب أولها فرض إسرائيل سياسة الأمر الواقع على العرب وتكريس احتلالها للأراضي العربية، وامتناعها عن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي يقضي بانسحابها من الأراضي التي احتلتها في 5 يونيو 1967، ولذلك كان لا بد من تحرير الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل وإزالة آثار العدوان بالقوة، وكذلك حالة اللاحرب واللاسلم" كان التي فرضت على المنطقة في ظل سياسة الوفاق بين القوتين العظميين (أمريكا والاتحاد السوفييتي)، والتي كانت تمثل ضغطا نفسيا على الشارع العربي، ينعكس بدوره على صانع القرار السياسة، كان لا بد أن تنتهي.

وبعد نكسة 1967 وما ترتب عليها من خسائر على مستوى الأرض والأرواح في الجيوش العربية كلها، وجب رد كرامة الجندي المصري والعربي، وتغيير النظرة للجيوش العربية بأنها غير قادرة على الحرب الحديثة، والتأكيد على أن القوات المسلحة المصرية كانت من ضحايا النكسة ولم تكن من أسبابها، وهو ما أكد عليه الرئيس السادات في خطابه أمام مجلس الشعب أثناء الحرب في 14 أكتوبر 1973.

كل ذلك كان مرهونا بالإمدادات الأمريكية للجيش الإسرائيلي بأحدث الأسلحة وفى التوقيتات التي تضمن له التفوق الدائم، لذا وجب كسر حدة التفوق الاستراتيجي العسكري الإسرائيلي الناتج عن اتخاذه حواجز طبيعية كموانع بينه وبين الجيوش العربية عقب حرب 1967، خاصة بعد أن احتل مرتفعات الجولان السورية شمالا، ونهر الأردن شرقا، ووصل للضفة الشرقية لقناة السويس جنوبا.

ويعد من أهم الأسباب التي دفعت السادات للمجازفة وأخذ القرار بالحرب هو فشل محاولات إقناع إسرائيل، بالعدول عن موقفها العنيد بالتمسك بالأراضي التي سلبتها في حرب 1967، رغم ميل مصر إلى الحل السلمي منذ البداية، ولعل الرد الإيجابى المصرى على أسئلة يارنج فى مارس 1969 خير دليل على صدق هذه المقولة.

وقد أعلنت مصر وقتذاك رغم هزيمة 1967 – موافقتها على إنها جميع دواعى العداء وحالاته عندما تنسحب اسرائيل من جميع الأراضى العربية المحتلة فى يونيو 1967، ليس هذا فحسب، بل قبلت مصر فى يوليو 1970 مبادرة روجرز وذلك لإعطاء الفرصة للطرف الأمريكى الأكثر تأثيرًا على إسرائيل لأن يلعب دورًا فى إقرار السلام وتجنيب المنطقة ويلات الحرب.

وكانت مبادرة روجرز قد قضت بإيقاف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل لمدة تسعين يوما، وأن يستأنف السفير يارنج عمله لوضع قرار مجلس الأمن 242 موضع التنفيذ، والتي وافق عليها عبدالناصر فى بدأ سريانها في 8 أغسطس، كما وافقت عليها إسرائيل، منهية بذلك حرب الاستنزاف، لهذا كان من الضروري أن تسترد مصر أرضها بالقوة وإيمانا بأن "ما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة".