رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأربعاء 27 مايو 2020 الموافق 04 شوال 1441

إبراهيم المصري: الشعراء شهود الصرخة الأولى

الأربعاء 08/أبريل/2020 - 10:42 م
الشاعر إبراهيم المصري،
الشاعر إبراهيم المصري،
نضال ممدوح
طباعة
قال الشاعر إبراهيم المصري، إنه لا يمر يوم منذ تفجِّر أزمة فيروس كورونا دون تحليلات ومقالات وتنبؤات عن العالم بعد الأزمة، وكيف أن النظام العالمي الراهن سينهار ويتغير، وكذلك مراكز القوة، لتؤدي مثلًا إلى صعود الصين وهبوط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فيما تتغافل التحليلات عن قوى عالمية كروسيا مثلًا، وكأننا يجب أن ننظر إلى العالم كله من خلال معادلة "الولايات المتحدة ـ الصين".

وأضاف «النصري» في تصريحات خاصة لــ«الدستور»: «يؤسفني القول بإن العالم بشكله الراهن لن يتغير، لكنه سيصبح أكثر انقباضًا وتجهمًا ممَّا هو عليه الآن، وإذ بوسعي أن أحاجج على بقاء العالم على حاله، بأن مراكز القوة والسيطرة لا تزال على حالها في الغرب إجمالًا، وأن الصين وبالرغم من جدارتها الاقتصادية لن تقدم بين عشيةٍ وضحاها نموذجًا ثقافيًا جاذبًا كالنموذج الغربي، فإنه لا يمكن كذلك أن نتصور بالمطابقة مع الماضي أن ما فعله وباء كالطاعون قبل عدة مئات من السنين، يمكن أن يفعله وباء كفيروس كورونا الآن، لأن العلم وهذا من ابتذال البداهة التي يجب أن تكون حاضرة، هو مَن يقود المعركة، وخلف العلم تقف شركات منتجة للأدوية ومختبرات وإرادات شرسة، قد تُقدم اللقاح للفيروس مع الاحتفاظ بكل شيء على حاله أو بتغيير هنا وهناك لا يمس جوهر العلاقات الدولية القائمة، من حيث التبادل السِّلعي والتجاري مثلًا، وهنا تأتي واحدة من أكثر التصورات خِفَّة، إذ يمكن لمستشرف مستقبلي أن يقول "إن كل دولة سيكون عليها من الآن فصاعدًا أن تكتفي ذاتيًا" وهذه العبارة بقدر ما هي ملائمة للطنطنات الوطنية في جميع أنحاء العالم، بقدر ما تبدو فارغة من المغزى الذي يعني في النهاية الانفصال التام بين الدول، وانكفاء المجتمعات البشرية على اقتصادات بدائية، كما لو كنا في التجمعات الصيادية أو الزراعية الأولى للإنسان على الأرض».

وتابع: «يمكن لكل دولة بالفعل في الأزمة الراهنة أن تقوِّى عناصر وجودها ومجتمعها في مواجهة وباء فيروس كورونا أو أي وباء آخر محتمل.. وهذا قد يحدث بالفعل.. فإن التبادل السلعي والإنتاجي والاستهلاكي سيظل قائمًا وإن تغيرت نسبه قليلًا أو كثيرًا، وإن اختلفت مكوناته مثلًا بالتركيز على السلع الغذائية والأدوية ومنتجات التكنولوجيا الرقمية، ومع احتمال فقدان ملايين الناس في العالم كله لوظائفها، بالاستثمار في تجربة العمل عن بعد، أو في دمج وظائف وأدوار، أو في التسريح من العمل وتخفيض الرواتب وثمة مَن يفعل ذلك الآن، فإن المتضرر الحقيقي قد يكون القاعدة البشرية العريضة في العالم لا النظام العالمي ذاته القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبقدر ما أوجع هذا النظام ملايين البشر وخرَّب حياتهم فإنه لا يزال قائمًا حتى الآن وفي المستقبل المنظور».

وقال: «حسنًا إن كانت هذه حال العالم بدوله ونظامه الراهن، فماذا عن المجتمعات ذاتها؟ وهذا السؤال لا يقل الجدل حوله، مع الأمر بالتباعد الاجتماعي للوقاية من فيروس كورونا، وبوصفي أحد الواعين لجائحة الإيدز في الثمانينات من القرن العشرين المنصرم، فإن ثمة نوع من رد الفعل المشابه سوف يحدث، أي الحذر الإنساني في توخي السلامة ثم رويدًا، رويدًا يعود كل شيء إلى سيرته الأولى من التزاحم، ولماذا نذهب بعيدًا عن الصورة في بلد كمصر التي لا يبدو فيها معظم الناس واعين بالفعل لضرورة التباعد الاجتماعي، بل وينتظر الملايين في مصر وفي العالم أن تقول لهم الحكومات لقد انتهت الجائحة فاخرجوا إلى الشوارع، أي إن وباءً كفيروس كورونا لن يجعل البشر أكثر انضباطًا في توخي مصائرهم، إذ ستتغلب العواطف والعناقات والقبلات والمصافحات والحفلات المؤجلة على كل خوف داخل الإنسان، وفي التباعد الاجتماعي هذا، فأنا وبشكل شخصي من الذين لا يشعرون بآثاره القاسية عليهم، إذ إنني وكما يقول المصريون "بيتوتي" أي أميل إلى البقاء فترات أطول في البيت وأرتاح إلى ذلك، ولا شك أن كثيرين مثلي في العالم كله يشعرون بالشعور ذاته، وإن كانوا يأملون أن تنتهي هذه الأزمة وتعود الحياة كما يقولون في عبارة مبتذلة كذلك إلى طبيعتها، وبشكل شخصي كذلك، كنت قد كتبت قبل جائحة وباء فيروس كيرونا كتابًا شعريًا بعنوان "نهاية العالم كما نعرفه" وهو كتاب يقتبس العنوان ذاته لكتابٍ لعالم الاجتماع الأمريكي إيمانويل فالرشتاين "نهاية العالم كما نعرفه" الذي يتحدث في كتابه عن توازنات القوة في العالم خلال الثلاثين عامًا المقبلة، فيما كتابي يقدم ما أدعوه تبصرات شعرية عن علاقة الإنسان بالحياة وبذاته وبالعالم كذلك في ضوء تطور التكنولوجيا الرقمية، وعلاقة الإنسان بالدين وبالقيم التقليدية الناظمة لوجوده، وهو ممَّا يتغير على أية حال منذ الثورة الصناعية وحتى اليوم».

وعن التأثير على الأدب، قال: «كما كل شيء في الحياة، لن تكون الكتابة بعيدة عن فتنة فيروس كورونا الآسرة للخيال، إذ كيف لكائن خفي غير حي في الحقيقة، ويقتات وينمو على حواضن حية من حيوانات وبشر، أن يسبب كل هذا الذعر في العالم، وأن يمسك البشرية من خناقها هكذا، وكأنها تحت مقصلة لم تتحسب لها، وإذ تختلط العواطف بالمعلومات بالحقائق بالتطورات اليومية، فإن ثمة شعراء يكتبون، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الشاعر إبراهيم بجلاتي وهو طبيب أيضًا، أي أدرى من غيره بخطورة جائحة فيروس كورونا، وينشر إبراهيم بجلاتي قصائده عن الجائحة على صفحته في الفيسبوك وهي قصائد متبصرة للغاية، وتضع اليد على الجرح كما يُقال في العلاقة اليومية لإنسان بأزمة فيروس كورونا».
يقول إبراهيم بجلاتي:
"في الإسكندرية رائحة ياسمين
وفِي بركة السبع رائحة الفل تضوع في الهواء
في القطب الجنوبي تحركت الرياح
بعد وقوف كامل دام عشر سنوات
في الأول من أبريل تتنفس الأرض
كما يقول الخبراء
نحن عبءٌ عليها
فمتى نموت
ومتى يعود كل شيء كما كان من قبل
وتدور عجلة الإنتاج."
وكتبت أنا كذلك نصوصًا شعرية في الموضوع ذاته، لمحاولة أن أرى ماذا يخيفنا بالضبط، وماذا لو انتهي الفيروس هذا صباح غدٍ فجأةً وتلاشى، كيف ستكون بالضبط علاقتنا بالحياة، ولا يُحتج هنا بالقاعدة البالية التي تقول إن الكتابة عن حدث لا تكون إلَّا بعد زواله، تقديرًا كما يقولون للعمق والإلمام بالتاريخ والوقائع، وقد يكون هذا ملائمًا أكثر لكاتب روائي، ولكن الشعراء هم شهود الصرخة الأولى، وإن فوَّتوها، فما أهمية أن يكتبوا بعد ذلك عن هذا الألم الإنساني أو ذاك؟ إن ما يعنينا الآن أن تنجو السفينة بركابها، ومَن ينجو بعد ذلك، بوسعه أن يروي ما حدث بالطريقة التي يراها ملائمة، وحتى يحدث ذلك، أرى الواقع كما قلت في نصٍّ لي:
لماذا أصبحَ الزمنُ ثقيلًا هكذا
ولماذا أصبحت البيوتُ قواربَ إنقاذٍ
أُلقيَت لنا على عجلٍ لنمكثَ فيها
ومَن لديه الحقيقةُ أيها السادة
فليخبرنا بها
فقد خزَّنا المُعلَّباتِ وأقراصَ المُنوِّم
ولدينا كذلك الكثيرُ من ورقِ التواليت
والأخبارُ السيئةُ عن جائحةٍ تضربُ العالم
كانت زوجةٌ تسندُ رأسَها على كتفِ زوجِها
وطفلان أحدهما يلعبُ بضفيرتِها
والزوجُ يقلِّبُ القنواتِ التلفزيونية
بحثًا عن معجزة.