رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 23 نوفمبر 2020 الموافق 08 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د. منى حلمى
د. منى حلمى

حديث الهويات والخصوصيات حديث عنصرى متغطرس متعصب

الأحد 08/مارس/2020 - 07:58 م
طباعة
«يجب الحفاظ على هويتنا المصرية».. «ننفتح على التنوع دون المساس بخصوصيتنا».. «لا بد من محاربة طمس الهوية».. «دور الثقافة والفن فى تأكيد الهوية المصرية».. هذه مصطلحات تتكرر دائمًا، نسمعها، ونقرأ عنها، ويدور حولها الجدل.
لكن ما يدهشنى ألا أحد يقول لنا، معنى الهوية.
«الهوية»، كما أراها، هى مزيج من أشياء كثيرة، متنوعة. لا نستطيع أن نفصل عناصرها. إن الهوية الثابتة، النقية، الخالصة، المعقمة، غير ممكنة.
«الهوية»، ليست صفة، أو كتلة ثابتة، نسد بها خانات الأوراق الرسمية. وهى ليست قطعة حجر، محنطة، لإبهار الأفواج السياحية فى المتاحف.
الهوية «عملية» ديناميكية، و«حركة» متجددة، مع تجدد الحياة، ومع تغير الناس.
لا أدرى، ما الهوية، أو الخصوصية، التى نحميها؟.
هل يكون مثلًا، الفول المدمس، أو الفسيخ، أو عصير القصب، هو «هويتنا»؟ هل تحجيب أو إخضاع النساء، هو «خصوصيتنا»؟.
هل عندما أستمع إلى «أم كلثوم»، و«عبدالوهاب»، و«عبدالمطلب» أكون قد حافظت على هويتى المصرية؟ ولكن عندما أستمع إلى «فرانك سيناترا»، و«أديث بياف»، و«شارل أزنافور»، و«إنجل بيرت»، أكون قد تنازلت عن خصوصيتى المصرية؟.
عندما أشرب الكوكاكولا، وأتناول البيتزا، وأعشق أفلام «هيتشكوك»، و«كلود ليلوش»، و«فيللينى»، أكون قد خنت «هويتى» الأصلية.. أو تهاونت فى حق «خصوصيتى»؟.
وهل اهتمامى بالشِّعر، والرقص الإفريقى، وبالأدب فى أمريكا اللاتينية، يشير إلى «ضياع خصوصيتى»، و«ذوبان هويتى»؟.
قال الفيلسوف هيرقليطس، ٥٤٠ ق. م- ٤٨٠ ق. م: «التغير هو الثابت الوحيد».
لكن التغير المستمر، عند غالبية البشر، يقلق، ويفزع، ويهدد. من هنا، يأتى البحث عن هوية «ثابتة»، تعطى الأمان، وخصوصية «محصنة ضد التغير»، تمنح الطمأنينة.
كل حديث عن «الهوية»، و«الخصوصية»، يتضمن شعورًا، بالاستعلاء، والغطرسة، والتعصب.
باسم «الهوية الألمانية»، النقية، وتحت عنوان «خصوصية الجنس الآرى الأرقى»، وتحقيقًا لما سماه «العِرقية النظيفة»، أو التطهير العِرقى، والقومية، وهوية «الانتماء» الأصيل، أشعل «هتلر» ٢٠ أبريل ١٨٨٩- ٣٠ أبريل ١٩٤٥ الحرب، وقتَل الملايين من المدنيين والعسكريين.
وصلت التيارات الإسلامية التكفيرية الجهادية إلى الإرهاب المتوحش نتيجة البكاء على «الهوية الضائعة»، حيث تشكل استعادة الخلافة الإسلامية استعادةً «للهوية المفقودة».
باسم «الهوية» الإثنية العِرقية، و«الخصوصية» الطائفية، والقبلية، تم تقسيم السودان إلى شمال وجنوب.
وباسم «الخوف من ضياع الهوية»، خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، وتحت عنوان «الخصوصية الكتالونية»، تريد كتالونيا الانفصال والاستقلال عن إسبانيا.
«العدالة»، «الحرية»، «المساواة»، «الصدق»، «الكرم»، «التضامن»، «النبل»، هذه هى «المعانى السامية»، التى يجب أن تحل محل الكلام عن الهويات والخصوصيات.
هذه هى «القيم العليا»، التى يجب أن نتشبث بها، ونحميها من محاولات الطمس، ومخططات الإبادة، تحت أسماء براقة، مخادعة.
«الهوية»، التى تغيب عنها العدالة، هوية «باطلة». «الخصوصية»، التى تخاصم الحرية، خصوصية «فاسدة».
من بستان قصائدى
فى هذا الوطن
لا يمنون على الكاتبة والشاعرة
بلقب «الكاتبة الكبيرة والشاعرة الكبيرة»
إلا عندما لا يفصلها عن مثواها الأخير
إلا خطوتان مرتعشتان متهالكتان
تكون قد فقدت البصر وفقدت الشهية
وفقدت الذاكرة وفقدت كل الأحباء
تآكل جسدها والباقى من الأحلام
تساقطت أسنانها مثل حنان الأيام
تعيش مهجورة منسية مع توحش الزمن
تنظر إلى كتبها ودواوين الشِّعر
النائمة على الرفوف
فى أسى تهمس: «إنه مصير كل امرأة
فى هذا الوطن عشقت الكلمات والحروف..
رفضت الانحناء والتصفيق
سارت وحدها على الطريق
واختارت أن تخرج من الطوابير والصفوف».