رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

مصر وأمريكا.. غرام وانتقام


ربما لا يعرف البعض أن العلاقات بين مصر وأمريكا قد بدأت بالفعل بحالة من «الغرام»، رغم صعوبة استخدام هذه الكلمة فى السياسة، التى تعتمد فى الأساس على المصالح، والمصالح وحدها، ولكن فى الحقيقة مشكلة العلاقة بين مصر وأمريكا دخولها أحيانًا فى هذه المنطقة الملتبسة «غرام وانتقام».

لن نعود إلى مراجعة طبيعة العلاقة بين مصر وأمريكا منذ عصر محمد على، ولكن ربما يكون من المفيد تتبعها منذ نهايات الحرب العالمية الأولى لفهم الحالة الحاضرة.

مع نهايات الحرب العالمية الأولى عام 1918 وصل الولع المصرى بأمريكا ذروته، خاصةً مع خروج أمريكا من سياسة العزلة وانخراطها فى السياسة العالمية وإعلان الرئيس الأمريكى حق الشعوب فى تقرير مصيرها. وظن الساسة المصريون آنذاك أن أمريكا بلد الحرية ستقف بجانب ثورة 1919، وتساند استقلال مصر عن بريطانيا، ولكن أمريكا ـ كالمعتاد ـ خيبت آمال المصريين، ووقفت بجانب حليفتها بريطانيا.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية بات من المؤكد أن القوى التقليدية القديمة (إنجلترا وفرنسا) تتراجع لصالح القوى الصاعدة: «أمريكا» التى تزعمت حلف الأطلنطى، و«الاتحاد السوفيتى» بزعامته لحلف وارسو. ودخل العالم عصر الحرب الباردة.

وقفت أمريكا إلى جانب ثورة 23 يوليو 1952، فى البدايات على الأقل، وكان الدافع الأمريكى وراء ذلك أن ثورة يوليو ربما تؤدى إلى استقرار المنطقة والحيلولة دون سقوط المشرق العربى فى أيدى ثورات ذات طابع شيوعى نتيجة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، أو تدخلات سوفيتية مباشرة فى المنطقة. ولكن طلبت أمريكا من ثورة يوليو سداد المقابل، وهو الانضمام إلى سياسة الأحلاف الغربية فى مواجهة الاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية. ورفضت مصر على وجه الخصوص ذلك وأعلنت سياسة عدم الانحياز، ورفض تكوين الأحلاف العسكرية فى المنطقة. من هنا كان الصدام المبكر وانتهاء شهر العسل القصير بين مصر وأمريكا فى بداية الثورة.

وتعتبر حرب يونيو 67 قمة الانتقام الأمريكى من النظام الناصرى، وإعلانًا لطبيعة العلاقة الوثيقة بين أمريكا وإسرائيل. ومنذ ذلك الوقت ستبنى أمريكا استراتيجيتها فى المنطقة على رعاية عملية سلام سواء بمفاوضات غير مباشرة مثل مبادرة روجرز، أو مباشرة بعد حرب أكتوبر.

ومع العبور المجيد ستتدخل أمريكا عسكريًا لصالح إسرائيل، فى محاولة لكبح الانتصار المصرى، وكان السادات صادقًا فى كلمته «إنى هكذا أحارب أمريكا وليس إسرائيل»، لكنه كان مُبالِغًا فى مقولته بعد ذلك أن 99% من أوراق اللعبة فى يد أمريكا، فإسرائيل لم تحترم كثيرًا معاهدة السلام بعد ذلك.

وحاول مبارك طيلة عصره الإبقاء على علاقة الصداقة مع أمريكا، لكن السياسة الأمريكية فى الحقيقة لا تعترف إلا بالمصالح، والمصالح متغيرة.

بنى مبارك سياسته مع أمريكا فى البداية على المقولة التالية «أنا أو الإخوان» على أساس أن وصول الإسلام السياسى للحكم هو الخطر الأكبر على أمريكا والمصالح الغربية فى المنطقة؛ إذ يرفع الإسلام السياسى مقولة إن أمريكا هى الشيطان الأعظم، وإسرائيل واليهود هم أحفاد القردة والخنازير. ونجحت سياسة مبارك فى البداية إلى حد كبير، ولكن أحداث 11 سبتمبر 2001 كانت تحولًا مهمًا فى السياسة الأمريكية والغربية، ازداد ذلك بعد غزو العراق عام 2003، إذ طرحت مراكز البحث الأمريكى أطروحة جديدة مفادها أن الأنظمة الحالية فى المنطقة العربية فشلت فى تطبيق الإصلاح والديمقراطية، وأنها أنظمة شاخت وقاربت على السقوط، والبديل المتاح هو الإسلام السياسى، وأننا إذا وصلنا إلى تفاهمات مع الإسلام السياسى، ربما يكون ذلك فى صالح المصالح الأمريكية البراجماتية بطبعها.

وبعد الربيع العربى بنت أمريكا استراتيجيتها فى المنطقة على هشاشة التيارات المدنية فى الأنظمة الجمهورية، وشيخوخة الأنظمة الملكية وأن ما سمته النموذج السُنى المعتدل «الإخوان المسلمون» هم المهيأون للحكم فى المنطقة، لكن إدارة جماعة غير إدارة دولة، وفشل هذا المشروع سريعًا، وكان لا بُد من تغيير الاستراتيجية الأمريكية، لا سيما مع تصاعد الحضور الروسى فى المنطقة.

لذلك عادت الاستراتيجية الأمريكية إلى القاعدة القديمة وهى ضرورة إيجاد تسوية لأزمة الشرق الأوسط والدخول فى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة لحل «مشكلة فلسطين». وأن ما يهم الآن هو الخطر الإيرانى، والحرب على الإرهاب.

ولكن هل ستحدث تفاهمات أمريكية - روسية - إيرانية على حساب دول المنطقة؟

علينا أن ندرك أن السياسة الأمريكية براجماتية بحتة ومتغيرة حسب بوصلة المصالح الأمريكية.