رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

يعنى إيه عقيدة؟


أنا عندى عقيدة، وانت عندك عقيدة، وحسن عنده عقيدة، ومرقص وكوهين وبهاء ودينا وجمانة ورفيدة ودميانة، كل واحد وواحدة مننا عنده وعندها عقيدة. 

العقيدة هى «اعتقاد» فى إجابات ما عن الأسئلة الكونية: إحنا جينا الدنيا إزاى؟ وليه؟ ومطلوب مننا نعمل خلالها إيه؟ ومصيرنا إيه لما نسيبها؟، بـ المعنى ده الإسلام عقيدة والمسيحية عقيدة واليهودية والبهائية واللادينية واللا أدرية، وحتى الإلحاد، كل دى عقائد.



مش بس كده، ده السنى غير الشيعى غير القرآنى غير الصوفى غير الوسطى، والأرثوذكس غير الكاثوليك غير البروتستانت، غير اللى حاطط الدين فى منطقة الفريند زون، بـ معنى إنه معتقد ومصدق فى حاجة، بس مالهاش أى ظلال فى حياته.

بس تخيل، رغم إن كل واحد فينا عنده عقيدة، فـ أنا وانت وحسن ومرقص وكوهين وبهاء ودينا وجمانة ورفيدة ودميانة «مع بعض»، بـ نشكل جماعة، الجماعة دى قانونًا اسمها دولة، وعرفًا اسمها مجتمع، الجماعة دى مالهاش عقيدة، وما ينفعش يكون ليها عقيدة.

ليه؟

علشان عمرك ما هـ تقدر توحد العقائد، وتجبرنا جميعًا على إننا نعتنق عقيدة واحدة، انسى، ده عمره ما هـ يحصل. عمره.

طيب، نعمل إيه؟

لازم نفرق تمامًا بين المساحة الشخصية، ونظام الحكم، وهى دى الحاجة البسيطة جدًا اللى مش قادرين نوصل لها، مع إن فيها مفتاح كل حاجة.

اللى حاصل سيادتك إن ثقافتنا قايمة على فكرة إنه بـ الضرورة فيه عقيدة واحدة صح، والباقى باطل، فـ إحنا المفروض نعيش علشان نزيح العقائد التانية، ونخلى عقيدتنا «الصحيحة» هى اللى تسيطر، وتحكم، ويبقى كتر خيرنا أوى إننا سامحين لـ أصحاب العقائد التانية إنهم عايشين «فى ضلنا».

هو ده اللى مخلى فيه خناقة على «صحيح الدين» وهوس بـ «تجديد الخطاب الدينى».

تعالى ناخد مثال:

حضرتك مسلم، مؤمن بـ إله ورسول وقرآن، فـ من خلال قرايتك أو اتباعك لـ شيخ ما، توصلت إلى إنه لازم تصلى بـ الطريقة الفلانية، وتصوم بـ الشكل العلانى، وتزكى من مالك، وتحج. كل ده حضرتك يدخل فى نطاق المستوى الشخصى، حقك مليون فى المية تعمله بـ الشكل اللى يتراءى ليك، مش بس كده، الدولة مجبرة تسمح لك بـ أداء عباداتك كما يحلو لك فى نطاق ما تملك، والمجتمع مطالب بـ احترامك، حتى لو كنت المسلم الوحيد فيه.

المشكلة بـ تبدأ، لما حضرتك تكون شايف إنك مسئول عن أداء الآخرين لما تراه «فريضة»، فـ من الناحية القانونية، عايز تطبق عقوبات على تارك الصلاة، البعض بـ يصل بيها إلى حد القتل، زى الشعراوى مثلا. ومن الناحية الاجتماعية، بـ تدى لـ نفسك الحق فى إنك تقول لـ صاحبك مثلا: إنت ما بـ تصليش ليه؟ وتقطمه لو كان مش بـ يصلى، وتشوف نفسك أفضل منه. وده اللى بـ يسموه فى أدبيات الإسلام: «الاستعلاء بالحق».

مش بس كده، ده إنت كمان بـ تطالب المجتمع بـ إنه يديك مزايا خارج نطاق مساحتك الشخصية، كـ مكافأة على صلاتك، زى إنه لو مواطن راح مصلحة عامة، ساعة عمل، وحضرتك المفروض تأدى له خدمة، ممكن تقول له إنك بـ تصلى، فـ يبقى مش من حقه يتكلم، دى الصلاة بتاعة ربنا.

لأ، ده انت كمان بـ تعمل مصلى فى الشغل، وبـ تاخد مساحة، أو تاخد طرقة تحط فيها حصيرة، فـ يبقى الناس المفروض تعدى من حتة تانية، أو تقفل شارع ساعة صلاة التراويح، أو تعمل ميكروفون وتوجهه ناحية بلكونة جارك المسيحى. بـ اختصار بـ تحتل مساحات كتير مش بتاعتك زمانية ومكانية، وكل ده لـ إنك بـ تصلى.

طبعا مش هـ أكلمك عن إنك كمان عايز تنظم لـ أصحاب العقائد الأخرى طريقتهم فى الصلاة، فـ تخضع بناء الكنايس لـ سلطتك، وتمنع من الأساس أى عقيدة تانية من إقامة مكان لـ العبادة.

يعنى إيه؟

نبطل صلاة علشان أصحاب العقائد التانية ترتاح؟

لا يا حبيبى، محدش قال كده خالص.

بس لما نيجى ننظم المساحات العامة، الناس تراعى بعضها.

مثلًا، فى أى شغل فى الدنيا، فيه ساعة راحة، صلى فيها، ما تصليش فى وقت العمل الرسمى، أو من الأصل، ننظم يوم العمل بـ حيث يراعى أوقات الصلاة لـ الجميع، مسلمين وغير مسلمين، وبـ صورة واقعية. ما تروحش تصلى الضهر فى ساعة، والعصر فـ ساعة.

ساعتها بقى مفيش حاجة اسمها تصلى فى طرقة المؤسسة، ساعة الراحة حضرتك تاخد بعضك تروح الجامع القريب، تأدى فريضتك وترجع. مفيش حاجة اسمها مصلى فى مترو الأنفاق، ما تقفلش الشارع علشان تصلى التراويح.

بـ تذيع الأذان فى الميكروفون، بلاش الفجر، علشان دلوقتى حضرتك بقى فيه منبهات تصحى الناس اللى عايزة تصلى، مش عايز أقول لك: مفيش حاجة فى الإسلام اسمها الأذان فى الميكروفون، علشان أنا ماليش دعوة انت شايف الإسلام ازاى، بلاش، ذيعه فى الميكروفون، بس بلاش «تتعمد» إزعاج جيرانك غير المسلمين، ودى الميكروفون الناحية التانية.

وهكذا وهكذا.

خلينا جميعا نبقى حريصين جدًا نساعدك على أداء صلواتك بـ الشكل اللى يرضيك، بس إنت كمان حاول ما تجورش على حق المجتمع وإنت بـ تأديه.

إيه اللى يمنع الكلام ده؟

أقول لـ حضرتك: إنك مش مقتنع من الأساس بـ إن أى حد من حقه ينزعج من طريقتك فى أداء الصلاة، وإلا هـ يبقى نصرانى كافر كفتس، أو ملحد ابن ستين كلب المفروض يموت أصلا، أو على الأقل مسلم ضال مضل متهاون فى حق دينه.

انت مش شايف غير «عقيدتك الصحيحة»، اللى عايز إعلاءها على الأرض، والاستعلاء بيها عن العالمين.

طول ما انت كده، مفيش فايدة فى أى كلام.

على فكرة، حكاية الصلاة دى أسهل حاجة

لسه الكلام جى كتير

تابعونا.