رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

الرعب القادم.. كيف تتحرك إسرائيل فى ملف الاجتياح البرى لغزة؟

تتحرك إسرائيل فى
تتحرك إسرائيل فى الاجتياح البرى لغزة

يواصل الجيش الإسرائيلى حشد قواته استعدادًا لشن هجوم برى ضخم على قطاع غزة المحاصر، حسب التصريحات التى تصدر عن السلطات الإسرائيلية بشكل شبه يومى منذ اندلاع التصعيد الحالى.

ويعمل الجيش الإسرائيلى بالتعاون مع جهاز الأمن العام «الشاباك» فى العديد من العمليات التى تتم خلال التصعيد العسكرى الحالى، بما فيها الغارات الجوية المتزايدة بشكل كبير ضد القطاع المحاصر.

وتواصل وحدات الاحتياط، التى تم استدعاؤها منذ اندلاع التصعيد، الاستعداد للدخول إلى غزة بريًا، وبدأت هيئة الأركان العامة الإسرائيلية فى الموافقة على خطط قادة الوحدات المختلفة، ورغم أن قضية الأسرى الموجودين لدى حركة «حماس» الفلسطينية لا تزال بعيدة عن إيجاد حل، فإن الغزو البرى واجتياح غزة يتصدر المشهد فى إسرائيل، كأحد الخيارات المطلوبة لتصحيح صورتها وتعويض فشلها الاستخباراتى والاستراتيجى فى اكتشاف وصد هجوم «طوفان الأقصى».

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلى إن الأمر استغرق نحو ثلاثة أيام لإخراج عناصر المقاومة الفلسطينية من محيط غزة، وذلك بعد ما تم وصفه بأنه «أكبر فشل استخباراتى وعسكرى فى تاريخ إسرائيل»، حيث إنه لم يتم احتلال مستوطنات إسرائيلية منذ عام ١٩٤٨.

ويستعد الجيش الإسرائيلى إلى المرحلة الثانية من حربه ضد القطاع المحاصر، وذلك بعد المرحلة الأولى التى هدفت لإخراج كل عناصر حماس من المستوطنات، ومن ثم إخلائها، وبعدها يتم الانتقال إلى المرحلة التالية، وهى الحرب داخل أراضى غزة.

 

حشد المزيد من الدعم الدولى للحصول على «ضوء أخضر» بقتال أكثر عنفًا داخل القطاع

استمرت الغارات الجوية لطيران الجيش الإسرائيلى على مدار الأسبوع الماضى، واستهدفت مواقع تابعة لحركات المقاومة الفلسطينية داخل قطاع غزة المحاصر، والمبانى الحكومية، فيما تزايدت حدتها فى استهداف المواطنين الفلسطينيين والمنازل والأبراج السكنية والمستشفيات والمدارس، وأسفرت تلك الغارات عن استشهاد ما يقرب من ٣ آلاف فلسطينى، بينهم أكثر من ٦٠٠ طفل، فيما قضت أسر كاملة تحت الأنقاض.

وتهدف الغارات الإسرائيلية العنيفة والكثيفة ضد غزة إلى تسهيل تنفيذ عملية الدخول البرى بسرعة ودون دفع ثمن باهظ، وتعمل الغارات على تعطيل أنظمة الدفاع والقيادة والسيطرة التابعة لحركات المقاومة الفلسطينية داخل القطاع.

وفى الوقت نفسه، يتواصل النشاط الاستخباراتى الإسرائيلى للعمل على إلحاق ضرر واسع، وربما تدمير حركة «حماس» داخل غزة، عبر استهداف قادتها وتعطيل كل المرافق والخدمات فى القطاع المحاصر. ويحاول الجيش الإسرائيلى، فى الوقت ذاته، الادعاء بأن هجومه يتماشى مع قوانين الحرب الدولية، ويحاول إقناع المجتمع الدولى بأنه يشن حربه ردًا على الهجوم الذى تعرض له، معتبرًا أن ذلك يتيح له أن يوسع من عملياته، وينفذ عملية اجتياح برى للقطاع. وتعمل سلطات الاحتلال على حشد المواقف الدولية لصالحها، ومنحها الضوء الأخضر لاستخدام أساليب ووسائل قتال أكثر عنفًا عند دخول القطاع، وتظهر الصور والفيديوهات على مدار الأسبوع الماضى مدى عنف الضربات التى يتعرض لها المدنيون الفلسطينيون داخل غزة، بالإضافة إلى ما تعلنه المنظمات الدولية من خطورة وتفاقم المعاناة الإنسانية هناك.

وجاءت دعوة الجيش الإسرائيلى للفلسطينيين الموجودين فى شمال غزة بالتوجه إلى الجنوب، فى محاولة لإثبات أنه يتحرك فى إطار قوانين الحرب الدولية، خاصة أمام الإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن، حتى تعمل الإدارة على تخفيف الضغوط الدولية والعربية والإقليمية، مع استهداف زيادة ما تتلقاه إسرائيل من مساعدات عسكرية ومادية من الولايات المتحدة.

مستقبل التطبيع وبديل «حماس» أسئلة غير محسومة تُصعِّب الاجتياح 

حسب تقارير متعددة فى الإعلام العبرى، فإنه فى حال تنفيذ الاجتياح الإسرائيلى والتدخل بريًا فى قطاع غزة فستكون إسرائيل أمام سيناريوهين، كلاهما يكلف تل أبيب ثمنًا باهظًا على مختلف الأصعدة.

السيناريو الأول هو أن تكون عملية الاجتياح البرية محددة بسقف زمنى، على غرار ما حدث خلال حرب غزة عام ٢٠١٤، والتى تعرف إعلاميًا باسم «الجرف الصامد»، حيث دخلت قوات الجيش الإسرائيلى بريًا، واستمرت نحو أقل من ثلاثة أسابيع، ثم انسحبت بعد تدمير البنية التحتية للقطاع. وفى حال اتباع إسرائيل ذلك السيناريو، فإنها ستقوم بعمليات حادة وعنيفة داخل غزة، وسيكون الهدف هو استكمال ما فعلته الغارات الجوية بتدمير البنية التحتية للقطاع المحاصر، وتحويله إلى أنقاض، وجعله فى حالة شلل تمام، وهو ما يعنى أن القوات الإسرائيلية ستسقط آلاف الشهداء والمصابين من الفلسطينيين، ولكنها بعد إتمام أهداف العملية وتنفيذ الانسحاب ستبرر تلك الخطوة بأنها عملت على إنهاء أو إضعاف حكم «حماس» فى غزة، وأنها قامت بعمليات قتل عمد واغتيال لنشطاء وعناصر وقادة الحركة.

أما السيناريو الثانى، فيستهدف إنهاء حكم «حماس» بشكل كامل فى غزة، ولكن حينها ستواجه إسرائيل معضلة حول مَن سيتولى مسئولية القطاع بعد ذلك، لأن الإجابة عن هذا السؤال لها ٣ احتمالات، جميعها يمثل أزمة لإسرائيل.

الشق الأول من الإجابة هو أن تحتل إسرائيل غزة مرة أخرى، ومن ثم تتحمل مسئولية القطاع بالكامل، أى ما يزيد على ٢.٢ مليون فلسطينى، يمثلون تهديدًا كبيرًا لها، ما يعنى أنها ستكون فى حالة تأهب مستمرة لا تنقطع أبدًا، مع استنزاف قواتها، بجانب تحملها أعباء اقتصادية فى المقام الأول، وسياسية واستراتيجية على أكثر من مستوى.

والشق الثانى هو أن تحاول إسرائيل إقناع السلطة الفلسطينية بالعودة مرة أخرى للسيطرة على غزة، وهو أمر ربما يستحيل حدوثه عبر اجتياح برى يدمر الأخضر واليابس فى القطاع المحاصر، وفى ظل الأزمات الاقتصادية الحالية، كما أن إسرائيل فى الأساس تجمد مبالغ مالية للسلطة الفلسطينية، ما يؤثر اقتصاديًا على قدراتها.

وذلك الخيار لا يمكن تنفيذه بشكل سريع أيضًا، بل يستلزم خطوات عدة، مع صعوبة العمل لصالح تقوية السلطة الفلسطينية بعد سنوات من العمل على إضعافها، سواء على المستوى الاقتصادى أو الأمنى أو الشعبى.

أما الشق الثالث فهو الاعتماد على وجود قوة دولية، بالتعاون مع الدول العربية، وهو أمر أقل واقعية من أن يحدث حاليًا، إذ تتمسك الدول العربية، لا سيما مصر التى تمتلك حدودًا مباشرة مع غزة، بموقفها، وترى أن القطاع هو أرض تاريخية فلسطينية لا يجب احتلالها مرة أخرى أو تهجير أهلها منها، أو جعلها خاضعة للقوى الدولية. 

ولذا، فإن مرحلة ما بعد الدخول إلى غزة تمثل خطورة واضحة للولايات المتحدة «حليف إسرائيل الأساسى»، وهو ما قد يدفعها لعدم دعم تل أبيب فى تلك الخطوة، لا سيما أن الغارات الإسرائيلية العنيفة ضد المدنيين الفلسطينيين تسببت فى أزمة إنسانية قاسية وغير مسبوقة داخل القطاع المحاصر، كما أنها كشفت عن انتهاك إسرائيل قوانين الحرب الدولية، التى تتحدث عنها أمريكا بشكل مستمر فى أى صراع دولى.

وكذلك، فإن ما قاله الرئيس الأمريكى «بايدن» يعنى بوضوح أنه قد يدعم دخولًا بريًا جزئيًا إلى غزة، ولكن دون وجود قوات أمريكية، بينما ستكون هناك خسائر إسرائيلية ضخمة بالطبع، خاصةً مع انتشار الأنفاق بشكل مكثف ومشتبك داخل كل أنحاء القطاع.

من جانب آخر، فإن العمليات البرية لإسرائيل فى غزة، وبعد ما نتج عن الغارات الجوية حتى الآن، سيعرض تل أبيب إلى ضغوط هائلة من الدول العربية التى تمتلك علاقات معها، بالإضافة إلى أنها ستعرقل أى سعى لفتح أى قنوات تواصل مع دول جديدة، فى إطار خطة التوسع فى تطبيع العلاقات. وكذلك، فإن كل الدول التى تمتلك حدودًا مع إسرائيل وفلسطين لن تقبل بأى شكل بأن يتم تدمير غزة بالكامل، سواء كان الدخول جزئيًا أو بنية الاحتلال مجددًا، ما يعنى أن مثل تلك الخطوة ستشكل عقبة كبرى تنتج عنها خسائر على المديين القريب والبعيد لإسرائيل.

مخاوف من فتح «حزب الله» جبهة جديدة مع تصاعد وتيرة المناوشات فى الشمال

هناك مخاوف إسرائيلية من تصاعد وتيرة المناوشات التى تحدث على الحدود مع لبنان، والتى يمارسها تنظيم «حزب الله» اللبنانى، سواء بإطلاق نيران المدفعية على مواقع إسرائيلية أو تنفيذ عمليات تسلل ثم العودة مرة أخرى إلى الداخل اللبنانى عبر السياج الأمنى الفاصل.

ويخشى الجيش الإسرائيلى أن تنفتح ضده جبهة جديدة ما يتسبب فى تصعيد عسكرى آخر فى الشمال، والذى قد لا يصل إلى حرب أوسع، لكنه سيشكل جبهة توتر واستنزاف أخرى، بالتزامن مع استمرار عمليات الحرب التى تركز على قطاع غزة فى الجنوب.

وتقول المؤشرات الإسرائيلية إن حركة «حماس» حققت نجاحًا جزئيًا، وإن إيران و«حزب الله» لم يقررا بعد الانضمام للتصعيد بكامل قوتهما، وإنهما يعملان الآن على تنظيم الهجوم من الشمال لتخفيف الضغط الإسرائيلى على الحركات الفلسطينية داخل غزة، وذلك حسبما نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية.

ومن المرجح أن تستمر المناوشات الحالية من «حزب الله» والفصائل الفلسطينية على الحدود الشمالية لإسرائيل مع لبنان، وهى أشبه بعمليات استنزاف وتشتيت للجيش الإسرائيلى.

وتؤكد التقديرات الإسرائيلية، حسب «يديعوت أحرونوت»، أن «حزب الله» يحاول التحقق من جاهزية القوات الإسرائيلية الموجودة على الحدود، لاسيما البرية منها، موضحةً أن الأجسام المجهولة التى اعترضتها قوات الدفاع الجوى الإسرائيلية فى منطقة حيفا كانت مخصصة لهذا الهدف.

ولم تستبعد تلك التقديرات أن يتسبب التصعيد فى دفع إيران و«حزب الله» إلى دخول الحرب بكامل قوتهما، وفى هذا الإطار يحاول الجيش الإسرائيلى الاستعداد لما وصفته الصحف العبرية بأنه «أسوأ الاحتمالات»، والمتمثل فى الحرب على جبهتين على الأقل، فى حال لم تنضم جبهة الضفة الغربية إليهما أيضًا.

تحذيرات من «الفخ الإيرانى» مع صعوبة توفير الميزانية المطلوبة لعمليات التوغل 

على جانب آخر، حذر مسئولون سابقون كبار فى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن دخول غزة بريًا سيكون كبيرًا، لأن الجيش الإسرائيلى سيسير «وفق خطة وضعتها إيران»، حسب ما نشرته مجلة «إسرائيل ديفينس». وقال أحد هؤلاء المسئولين السابقين: «فى تقديرى، نحن نتصرف وفقًا للخطة الإيرانية، والحدث المؤلم الأخير سيجعل إسرائيل ترد بدخول غزة، وبعد ذلك عندما نتدخل بعمق، ستبدأ حرب (حزب الله) وإسرائيل، فغزة هى الفخ الذى نسير فيه حسب الخطة الإيرانية.. لكن القطاع لا يشكل تهديدًا وجوديًا، ويمكن التعامل معه جوًا ووضعه فى ضغوط اقتصادية». ويشير المسئولون الإسرائيليون إلى أن الدخول البرى يمكن أن يكون صحيحًا فى حالة واحدة فقط، وهى الاستعداد الإسرائيلى الكامل لاحتلال غزة مرة أخرى، مع وصف ذلك بأنه سيكون «عقابًا استراتيجيًا» لإسرائيل. وأضافوا: «الدخول والخروج البرى لن تترتب عليه نتائج أكبر مما يتم الحصول عليه من الجو أو من خلال المدفعية، ولكن سيكون هناك الكثير من الضحايا ولا يعرف متى يمكنهم المغادرة». وفى السياق نفسه، نشرت صحيفة «ذى ماركر» الإسرائيلية تقريرًا يفيد بأن الدخول البرى إلى غزة سيتطلب تغييرات بعيدة المدى فى الميزانية، سواء الحالية أو ميزانية عام ٢٠٢٤، التى تمت الموافقة عليها بالفعل من قبل الكنيست.

وقالت: «فى عملية الجرف الصامد، التى استمرت ٥٠ يومًا، وكانت الأطول منذ حرب لبنان الثانية، طالب الجيش الإسرائيلى بتكاليف قدرها ٩ مليارات شيكل- وافقت وزارة المالية على تمويل ٧ مليارات شيكل منها فقط».

تشكك أمريكى فى نتائج العملية البرية رغم الدعم اللا محدود

رغم الدعم العسكرى والسياسى الكامل لإسرائيل من الولايات المتحدة وأوروبا فإن الإدارة الأمريكية لم تتمكن حتى الآن من دعم الاجتياح البرى الإسرائيلى إلى غزة، خاصة أن الرئيس الأمريكى جو بايدن صرح، فجر أمس الإثنين، لشبكة «CBS» الأمريكية، بأن إسرائيل سترتكب خطأ كبيرًا حال احتلت غزة.

وجاء تصريح «بايدن» بعد محادثة هاتفية خامسة خلال أسبوع مع بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلى، ما يؤكد أن واشنطن لديها مخاوف وتساؤلات حول نتائج عملية الدخول البرى إلى غزة، وما يمكن أن تخلفه من تحديات وأزمات جديدة لا يمكن مواجهتها أو حلها.

وكذلك، أكد «بايدن» أن الولايات المتحدة لا ترى ما يدعو بأن تتدخل قوات أمريكية فى الصراع الحالى بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وبناءً على طلب إسرائيل، تحاول الإدارة الأمريكية تعويض الردع الإسرائيلى المفقود من خلال إقامة «ردع أمريكى»، تحديدًا ضد إيران و«حزب الله»، وهو ما تمثل فى حاملة الطائرات التى أرسلتها واشنطن إلى الشرق الأوسط، فى رسالة واضحة بأنها مستعدة لاعتراض الصواريخ والعمليات التى يمكن أن تنطلق من الشمال.

كما أنه من المتوقع أن تلعب القوات الجوية الموجودة على حاملة الطائرات الأمريكية دورًا فى التعامل مع المجموعات التابعة لإيران فى سوريا والعراق أيضًا، مع توسع الاحتمالات بتدخل وكلاء إيران فى المنطقة فى الصراع فى غزة من خلال إطلاق الصواريخ ومهاجمة العمق الإسرائيلى بطائرات دون طيار.

وفى السياق ذاته، تقدم الولايات المتحدة مساعدات عسكرية وتزود الجيش الإسرائيلى بأسلحة جوية متطورة وصواريخ اعتراضية، لتغذية بطاريات القبة الحديدية، والهدف من ذلك هو ضمان عدم وجود نقص فى الذخائر الجوية الدقيقة والصواريخ الاعتراضية وقطع الغيار لدى الجيش الإسرائيلى، حال اضطراره لخوض حرب على جبهتين أو أكثر فى نفس الوقت