رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

شرطتنا.. وقوانا الناعمة

تابعت كمواطن مصري بامتنان وتقدير وقائع احتفالية وزارة الداخلية بعيد الشرطة السنوي بحضور السيد رئيس الجمهورية، والتي تم إعداد فقراتها بشكل أكثر من رائع .. مشاهد تحديث البنية الأساسية لتطوير فعالية أجهزة الشرطة.. بيان ببنية إدارية مؤهلة لإقامة نظام أمني عصري نفاخر به ونأمن للعيش في ظلاله.. شباب وفتيات بجاهزية تدريبية عظيمة.. مشاهد اجتياح بطولية لأوكار الجريمة بكل أنواعها على أرض الواقع .. تحديث شامل لأقسام الشرطة وتجهيزاتها المهنية لأداء دورها بيسر وسرعة وحرفية، فضلًا عن تحديث المباني السابق تخريبها وحرقها وهدم أجزاء منها، وتوحيد التصميم البديع  للواجهات.. إمداد كل وحدات الأجهزة الأمنية وتجهيزها ببنية معلوماتية وتكنولوجية أمنية معاصرة وبتواصل فيما بينها لتيسير تقديم الخدمة للمواطن بشكل غير مسبوق.. بيان لمحصلة العمل اليومي المذهل في تعقب الجريمة بالصوت والصورة عبر تقديم بطولات عظيمة موثقة.. بالإضافة لعرض فني يوجز تلك الجهود عبر إعلام حرفي صادق. 
 

وفي هذا الصدد وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي، الشكر للفنانين المشاركين في العرض الفني، قال: "بشكر المجموعة كلها.. وعايز أقولكم إننا محتاجين اللي إنتوا عملتوه ده .. لو طلع حتى مسلسلات كل مسلسل 5 حلقات لكل شخصية من الشخصيات اللي إنتوا ذكرتوها هتعرفوا الناس أن البلد دي طول عمرها ولادة للأبطال والرجال اللي الظروف قدمتهم، بس الناس ما تعرفش، وإن كانت عرفتهم ساعتها ما تعرفهومش دلوقتي".
 

نعود إلى صباح 25 يناير 1952 عندما قدم 50 رجل شرطة أرواحهم على مذبح الوطنية والفداء فضلًا عن 80 جريحًا سالت دماؤهم أمام قسم شرطة الإسماعيلية في مواجهة حصار قوات الاحتلال البريطاني  لمبنى القسم، ورفضهم  الانصياع لإنذار عدو متغطرس لتسليم أسلحتهم.
وإزاء تلك الملحمة والبطولات التي قدمها عناصر الشرطة المصرية  لم يستطع الجنرال الإنجليزي "إكسهام" أن يخفي إعجابه بشجاعة المصريين، فقال للمقدم شريف العبد ضابط الاتصال وقتئذٍ‏:‏ "لقد قاتل رجال الشرطة المصريون بشرف حتى النهاية، ولذا فإن من واجبنا احترامهم جميعًا ضباطًا وجنودًا".
وقام جنود فصيلة بريطانية بأمر من الجنرال إكسهام بأداء التحية العسكرية لطابور رجال الشرطة المصريين عند خروجهم من دار المحافظة ومرورهم أمامهم تكريمًا لهم وتقديرًا لشجاعتهم‏ النادرة.
وعليه، ومنذ عام 2009 تقرر الاحتفال بسير وحكاوى مواقف أبطالنا في ذلك اليوم المجيد من أيام البطولات المصرية العظيمة.
وفي تاريخ الشرطة المصرية الكثير من البطولات العبقرية التي أرى أنها في احتياج لتوثيق تاريخي ودرامي وتسجيلي يلاحق ويتابع تلك الملاحم التي قدمها ذلك الجهاز وتلك المؤسسة العتيدة وما زالت، وبات يسعدني كمواطن مصري مشاهدة نشرة تليفزيونية دورية للمتابعة بالصوت والصورة لمعارك البوليس المصري لمكافحة الجريمة ومرتكبيها في أوكارهم بكل بسالة ووطنية ونجاح، ولعل أروعها ما تم توثيقه ما كان في مجال مكافحة الإرهاب وتحقيق انتصارات وبطولات تشهد بالتفرد غير المسبوق، وبكل المهنية والبسالة والوطنية.
وقد تم تجسيد تلك البطولات عبر العديد من الأفلام السينمائية المصرية. 
 

فيلم "حياة أو موت " إنتاج 1954، أي بعد ملحمة الإسماعيلية العظيمة بعامين وكأنه رسالة امتنان لتلك المؤسسة العتيدة ــ والفيلم بطولة يوسف وهبى وعماد حمدى ومديحة يسرى وحسين رياض وإخراج كمال الشيخ، وتتناول أحداثه قصة بسيطة حول رجل فقير يرسل ابنته لشراء الدواء، ويكتشف الصيدلي أن الدواء الذي أعطاه للبنت غير المطلوب لعلاج الأب. 

 يسرع على الفور بإبلاغ الشرطة لإنقاذ حياة  أحمد إبراهيم، وهنا يبرز دور حكمدار العاصمة يوسف وهبى الذى يبذل كامل طاقته لإنقاذ حياة الأب بل ويرسل بيانًا للإذاعة حتى ينجح في النهاية في إنقاذ حياة المواطن، ويذكر أن هذه الواقعة قد حدثت بالضبط عام 1954.


فيلم "الرجل الثاني" إنتاج 1958، بطولة رشدي أباظة وصباح وسامية جمال وصلاح ذوالفقار وإخراج عزالدين ذوالفقار، تناول هذا الفيلم الصراع بين البوليس وإحدى عصابات التهريب، وتناولت أحداث الفيلم بيان مدى مهارة وذكاء رجل الشرطة في التعامل مع المجرمين وتعرض حياته لخطر مؤكد ونجاح الشرطة في النهاية في الإيقاع برأس العصابة. 


فيلم "ريا وسكينة" إنتاج 1954 بطولة أنور وجدى وزوزو حمدى الحكيم ونجمة إبراهيم، واستعرض الفيلم جهود رجال الشرطة في الإيقاع بأخطر عصابة تقودها امرأتان وتعرض حياة رجال الشرطة للخطر حتى النجاح في القبض على هذه العصابة التي هزت وجدان الشعب المصري في بدايات القرن العشرين.


بمناسبة الاحتفال بعيد الشرطة وأيضًا الاحتفال بدورة جديدة لمعرض القاهرة للكتاب، يمكن الإشارة في هذا الصدد لإبداع كاتب أكاديمي متميز لتناول الفن السابع للمادة الدرامية لبطولات الشرطة المصرية، وهو أحد أبناء وزارة الثقافة د. ناجي فوزي، خريج كلية الشرطة والحاصل على ليسانس القانون من كلية الحقوق، ودرجة البكالوريوس من المعهد العالي للسينما بأكاديمية الفنون ودرجة الدكتوراه في النقد السينمائي، وهو من صدر له عن المركز القومي للسينما كتاب "نشرات السينما في مصر.. اتجاهات نقدية" سنة 1996 ... فنحن أمام مؤلف ضابط شرطة وحقوقي ومصور سينمائي وناقد أكاديمي ومبدع فاعل في مجتمعه المهني والأكاديمي في غير احتياج لدعم مهني أو معلوماتي وعملي لصياغة عمل ثقافي علمي مكتمل الرؤية.
يذكر "فوزي" في كتابه "الشرطة في عيون السينما المصرية" الذي صدر عن "مكتبة الأسرة 2006" أن العلاقة بين الشرطة والسينما في مصر تعود إلى سنة 1928، أي بعد وقت قليل من بدء إنتاج الأفلام السينمائية الروائية الطويلة وعرضها عرضًا عامًا في مصر، وبالتحديد فإن آخر البحوث العلمية عن تاريخ السينما في مصر يذكر أن بداية عرض الأفلام السينمائية الروائية الطويلة كان سنة 1923، وأن أول فيلم مصري يتصل بشخصية رجل الشرطة وعمله كان فيلم "البحر بيضحك" ( إخراج: استيفان روستي، 1928)، الذي تدور أحداثه في إطار فكاهي حول شخصية رجل شرطة مسن وما يواجهه في حياته المهنية من متاعب، وإذا كان هناك فاصل حوالي خمس سنوات بين عرض فيلم "البحر بيضحك" وبين عرض أول الأفلام الروائية الطويلة في مصر، إلا أن الحقيقة أن هذا الفاصل الزمني هو فاصل طويل من الناحية الظاهرية إذا علمنا أن فيلم "البحر بيضحك" هو الفيلم الخامس في ترتيب الأفلام المصرية الروائية التي عرضت في مصر منذ عام 1923، وفي نفس العام 1928 عرض فيلم "فاجعة فوق الهرم" (إخراج: إبراهيم لاما، 1928) ويتضمن اتهام شخص بريء بجريمة قتل، فيُسجن ثم يهرب من سجنه مع آخر إلى أن تثبت براءته، وبذلك يعد هذا الفيلم أول الأفلام المصرية التي تتعرض لأحوال السجون والمسجونين، ويشهد عام 1929 موقفًا تاريخيًا يدل على عمق العلاقة بين الشرطة والسينما منذ أن بدأ الفن السينمائي يوطد أركانه في الحياة الاجتماعية المصرية. ففي هذا العام اتجهت الشرطة المصرية لإنتاج فيلم تقوم فكرته على محاربة السموم البيضاء الفتاكة وفي مقدمتها مخدر الكوكايين، وقد تم اختيار سيناريو هذا الفيلم من خلال مسابقة نظمها حكمدار القاهرة الإنجليزي في ذلك الوقت بعد أن وافق عليه هذا الحكمدار، ثم وافقت عليه وزارة الداخلية، التي خصصت لإنجاز هذا الفيلم مبلغًا من المال، بل وزاد الاهتمام بإنتاج هذا الفيلم، حتى فكرت الحكومة المصرية في إخراجه ناطقًا، وكان العمل يسير في إنجازه بانتظام إلى درجة أن هناك وصفًا كاملًا لكيفية تصوير أحد مشاهد الفيلم وهو مشهد يتضمن معركة بين رجال الهجانة المصريين وبعض المهربين في صحراء السويس، ومع ذلك فقد اختفى هذا الفيلم ولم يعرض عرضًا عامًا في مصر حتى الآن .


ومن الطريف إنتاج فيلم مصري آخر يشير إلى ما يسمى "بوليس الآخرة" ، ففي فيلم "ممنوع في ليلة الدخلة" (إخراج: حسن الصيفي، 1976) تظهر روح الزوجة المشاكسة بعد وفاتها لتقوم بالتهديد بعدم زواج أرملها من المرأة التي يرغب في الزواج منه، وكذا تمانع في زواج ابنتهما من الرجل الذي تحبه، وينصح أحد محضري الأرواح بضرورة ظهور شخصية أخرى تخشاها هذه المرأة المشاكسة، فيتضح أنها كانت تخشى حماتها أم زوجها فتظهر لها حماتها لتسلمها إلى "بوليس الآخرة" ليهنأ الأحباء بحياتهم، ونرى هنا أن  السينما المصرية وصناع العمل يقررون بخفة ظل في المعالجة الفيلمية أن الشرطة موجودة في حياة المصريين حتى في الآخرة!