رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

حياة مرهونة.. أصحاب الأمراض المزمنة يكافحون قسوة التغيرات المناخية

حياة مرهونة
حياة مرهونة

وقود أحفوري، غازات سامة، حرائق غابات، انبعاثات ضارة، وأنشطة بشرية غير رشيدة.. هذه ليست مشاهد في أفلام سينمائية، وإنما جميعها عوامل تراكمت عبر قرون من الزمن وأخرجت الطبيعة عن صمتها، لتعيش الإنسانية أوقاتًا غير مسبوقة قد تكلفها حياتها، إذ أصبح العيش على كوكب الأرض في خطر جراء التغيرات المناخية.

تكمن الآثار السلبية للتغيرات المناخية، في زيادة معدلات تلوث النظم الايكولوجية، واضطراب إمدادات الموارد وتدمير البنية الأساسية وكذا انعدام الأمن الغذائي والمائي؛ ما يؤدي إلى زيادة معدلات انتشار الأمراض المعدية وغير المعدية، فضلًا عن صعوبة الحصول على الرعاية الصحية اللازمة والمساعدات الإنسانية، ومن ثم تزداد وتيرة الوفيات.

بين عامي 1970-2019، اشتملت 79٪ من الكوارث في جميع أنحاء العالم على مخاطر متعلقة بالطقس والمياه والمناخ، وتسببت تلك الكوارث في 56٪ من الوفيات، و 75٪ من الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الكوارث المرتبطة بالأخطار الطبيعية المبلغ عنها خلال تلك الفترة، وذلك وفق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.

وتبذل مصر جهود حثيثة للتخفيف من وطأة التغيرات المناخية في البلاد، باستضافتها مؤتمر المناخ العالمي كوب 27 بمدينة شرم الشيخ في نوفمبر المقبل، الذي يستهدف الحث على اغتنام فرصة للمناقشة بشكل أعمق حول تأثيرات تغير المناخ، والبحث عن الحلول المتاحة للحد من تلك الآثار، من خلال المشاركة والتعاون بين الدول المتقدمة والنامية في صنع سياسات التعامل مع آثار التغيرات المناخية، على أن يتم الالتزام بها في هذا المجال.

أثبتت "الدستور" من خلال التحقيق التالي وجود علاقة وثيقة بين تداعيات التغيرات المناخية وعواقبها الوخيمة على الصحة العامة، وبالأخص أصحاب الأمراض المزمنة الذين تفاقمت أعراض مرضهم جراء تغير المناخ، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر حياة البشر على كوكب الأرض.


طفل عجوز

35 عامًا مروا على سامح الطحاوي وهو يبحث عن دواءً لعلاج الصدفية، فقد اكتشفها وهو في الخامسة من عمره حينما ظهرت بعض القشور على جسده، وتغير لونه إلى الأسود الداكن، ليبدأ رحلة شاقة من نوعها في إيجاد حلًا لهذا المرض الغريب الذي طرأ على حياته.

داء الصُداف أو الصدفية هو تهيج مزمن يؤثر على الدورة الحياتية لخلايا الجلد، ويتسبب في وجود بقع حمراء بارزة وقشور فضية، وتتراوح أعراضه ما بين البسيطة والشديدة، وترجع إلى وجود خلل بالجهاز المناعي، كما أن الجينات لها دور كبير في الإصابة بالمرض.

يقول سامح الطحاوي، مريض الصدفية والبالغ من العمر 40 عامًا، إن هذا المرض يعتبر لصًا سرق طفولته، وأجبره على زيارة الطبيب بشكل دوري، بدلاً من الخروج والتنزه في الحدائق برفقة ذويه وأصدقائه، كما منعته الصدفية من ممارسة بعض الرياضات والألعاب في المدرسة، ليتطور الأمر معه في فترة الشباب ويظل عازبًا دون الارتباط أو الزواج حتى وقتنا الحالي.

 

ولم يتوقف المرض عند ذلك فقط، فمع زيادة حدة التغيرات المناخية تسوء الحالة الصحية لمرضى الصدفية أكثر، وتزيد من وطأة أعراض المرض عليهم، ويوضح "الطحاوي" أن اختلاف درجات الحرارة في المواسم كهطول الأمطار الغزيرة والبرودة القارصة أو فترات الجفاف الشديدة، يؤثر سلبًا على صحته ويزيد من أعراض الصدفية لديه ومنها زيادة البقع الحمراء والقشور الجلدية، التهاب المفاصل، هشاشة العظام، فضلًا عن آلام المعدة والجهاز الهضمي.

سنوات طوال تمر مذ بدأ "الطحاوي" في البحث عن حلًا للصدفية دون جدوى، فا ها هو أمام مسؤولية جديدة لإيجاد عملًا يناسبه أو يستعب معاناته وما يمر به من وعكات صحية مزمنة تفرضها التغيرات المناخية على جميع مرضى الصدفية، إذ يؤكد على أن سوء حالة الطقس واختلاف درجات الحرارة صيفًا أو شتاءً يجبره على التزام المنزل والمكوث في مكان آمنًا بعيدًا عن التعرض لأجواء غير ملائمة ترهقه صحيًا ونفسيًا، لذا فضل العمل الحر الذي أسسه بنفسه ولنفسه.

كانت حذرت الأمم المتحدة من عواقب الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية على الصحة العامة، منذرة بأهمية خفض الانبعاثات والغازات الضارة بحوالي النصف بحلول عام 2030؛ للحفاظ على الاحترار بأقل من 1.5 درجة مئوية، كذا يجب أن ينخفض إنتاج الوقود الأحفوري بنسبة 6% تقريبًا سنويًا خلال العقد 2020-2030.

إنذار خطر

مايو 2022، نُشرت دراسة علمية بالمجلة الدولية للأمراض الجلدية أكدت أن العالم شهد زيادة في متوسط درجة الحرارة بمقدار 1.2 درجة مئوية مع اشتداد الحرارة على الأرض بشكل غير مسبوق منذ عام 2015 حتى الآن، إذ ارتفعت درجة حرارة هواء سطح الأرض بنحو ضعف متوسط درجة الحرارة العالمية، مما أدى إلى زيادة خطر الضغوطات البيئية الناتجة عن انبعاثات الغازات الدفيئة، الاحتباس الحراري، وتغير درجات الحرارة، وهو الأمر الذي ينذر بوقوع اضطرابات كبيرة في النظم البيئية للأرض ويتسبب حتمًا في انتشار الأمراض. 

عكف باحثو الدراسة الذين يعملون ضمن فريق قسم الأمراض الجلدية بمستشفى سياتل في الولايات المتحدة الأمريكية، على دراسة تفاعل التغيرات المناخية مع الميكروبيوم الجلدي، وهو الذي يُعرف بكونه شبكة معقدة من البكتيريا والفطريات والفيروسات التي تعيش على بشرة الإنسان، وأن تغير المناخ والتلوث المتزايد يؤثران على صحة الجلد ومن ثم على معدل انتشار الأمراض لاسيما الجلدية والمناعية.

وكشف الباحثون أن هناك علاقة وثيقة بين التغيرات المناخية واضطرابات الجلد الالتهابية، بما في ذلك الصدفية، التهاب الجلد التأتبي، وسرطان الجلد، فيما تؤثر التغيرات المناخية على صحة جلد الإنسان وبشرته، وأشاروا إلى زيادة نوبات توهج الصدفية لدى المرضى في فصلي الشتاء وأوائل الربيع مع تراجع أعراض النوبة في أواخر الصيف وأوائل الخريف.

وخلصت الدراسة إلى أنه إذ تم اتخاذ تدابير جذرية للحد من التغيرات المناخية والاحتباس الحراري مع إعطاء الأولوية لخطة التنمية المستدامة، فإنه يمكن تجنب المزيد من الزيادات في متوسط درجة الحرارة العالمية والتلوث، مما يؤدي إلى تحسين الصحة الجلدية والجسدية والمجتمعية.

رابط الدراسة

 

تفاقم الأزمة

بدأ الدكتور أشرف شعلان، مدير مركز التميز العلمي للتغيرات المناخية بالمركز القومي للبحوث، حديثه لـ "الدستور"، مؤكدًا أن التغيرات المناخية هي نتاج السلوكيات البشرية والاستخدامات الصناعية غير الرشيدة، ما أدى إلى ارتفاع معدلات درجات الحرارة وزيادة نسب الغازات الدفيئة، وبالتبعية تهديد حياة البشر.

وأوضح شعلان أن كل هذه العوامل تؤدي حتمًا إلى وقوع أضرارًا بالصحة العامة وزيادة انتشار الأمراض المعدية وغير المعدية، وذلك نتيجة تغير التنوع البيولوجي في البيئة، ومن ثم تغير الخريطة الحشرية التي بدورها تمثل إحدى أسباب ناقلات الأمراض مثل الكوليرا والملاريا.

الدكتور أشرف شعلان

أما عن الأمراض التي ستزداد نتيجة تغير المناخ، فأكد شعلان في حديثه لـ"الدستور"، على تواتر انتشار الأمراض المعدية وغير المعدية ومنها؛ الأمراض الجلدية، التنفسية، القلب والجهاز الهضمي، السرطانات وفشل الأجهزة العضوية بجسم الإنسان. 

تسهم التغيرات المناخية في زيادة معدلات تلوث الأنظمة الايكولوجية ومنها؛ الماء، الهواء، والتربة، هكذا يوضح مدير مركز التميز العلمي للتغيرات المناخية، فإنه في حال تلوث المياه ونقص إمداداتها سيؤدي ذلك إلى زيادة معدل الإصابات بأمراض الفشل الكلوي والجهاز الهضمي، وسينتج عن تلوث الهواء العديد من الأمراض الصدرية والمشاكل التنفسية، وأخيرًا ينتج عن التلوث بشكل عام الأمراض الفيروسية؛ مثل الفيروسات الكبدية.

أيضًا تتسبب التغيرات المناخية في زيادة تداعيات المرض وأعراضه، بحسب مدير مركز التميز العلمي للتغيرات المناخية، مستطردًا: "يؤدي ضعف الأنظمة الصحية في البلدان المتأثرة بالتغير المناخي إلى تفاقم المشكلات الصحية وتدهور الحالة الصحية للمريض".

يشير مدير مركز التميز العلمي للتغيرات المناخية، إلى خطة المركز خلال الفترة القادمة في بذل أقصى الجهود لتطبيق وتعميم مفهوم الصحة الواحدة، وهو ما يعني حماية الإنسان، الحيوان، والنبات كنظامًا بيئيًا واحدًا، فضلًا عن تنظيم الندوات التوعوية حول مدى أهمية قضية البيئة والمناخ.

البحث عن حياة

تعجز مرفت أحمد، القاطنة بمحافظة دمياط، عن تصديق فكرة العيش دون والدتها، حتى أنها أخذت وقتًا طويلًا لاستيعاب فكرة مرض والدتها بالفشل الكلوي المزمن الذي سبق وشخصه الأطباء خلال بضعة شهور ماضية، مؤكدين حتمية خضوع الأم لإجراء 3 جلسات غسيل كلوي أسبوعيًا.

عادةً ما يكون التدهور في أداء الكلى بطيئًا، حيث لا يتم تمييز أية أعراض للمرض في مراحله الأولى، ويزداد ظهور الأعراض مع تفاقم الحالة؛ لذلك فإنه لا يتم اكتشاف المرض إلا في مراحل متأخرة.

"عجز الكُلى عن أداء وظيفتها"، هكذا يُعرف الفشل الكلوي الحاد عندما تفقد الكلى وظيفتها على عملية تنقية الفضلات من الدم، وأبرز الأعراض التي تظهر؛ نقص كميات البول، آلام بالمسالك البولية، غثيان وتقيؤ.

حاول الأطباء تأخير مرحلة الغسيل نسبيًا والاعتماد على الأدوية والفيتامينات التي تعمل على تنشيط الكُلى، بحسب حديث "مرفت"، إلا أن الأمر لم ينجح، فلا مفر من خضوع الأم إلى إجراء جلسات الغسيل الكلوي، فقد تفاقمت حدة الأعراض لديها، لتبدأ السيدة رحلة إتمام خطوات الغسيل على نفقة الدولة، ونجحت بالفعل في استخراج قرار نفقة الدولة، بعدما أقر الأطباء ضرورة إجراء 3 جلسات غسيل كلوي للأم، وهو النظام الصحي الذي يدعم المرضى في مصر، للتكفل بأعباء مصروفات علاج المريض مجانًا.

قرار نفقة الدولة الصادر للمريضة

 

وخلال تلك الفترة كانت تعيش الأم على شرب المياه المعدنية، إذ حافظت "مرفت" على شراء كراتين المياه المعدنية لوالدتها؛ تجنبًا لحدوث أي مضاعفات قد تحدث بسبب ضعف المناعة لدى مرضى الكُلى، وأيضًا تخفيفًا من حدة معاناة الأم مع حالات الإعياء الشديدة وارتفاع درجة حرارة الجسم، وهي الأعراض التي تسببها قصور الكُلى عن أداء وظيفتها.

لم تدم فرحة "مرفت ووالدتها" طويلًا، بسبب عدم تطابق تحليل الفيروسات مع الجهاز المخصص لغسيل الكلى بالمستشفى، فإن تحديد نوع جهاز الغسيل يتطلب تحليل الفيروسات سواءً إيجابيًا أو سلبيًا، ولكن بعد مرور أسابيع وإعادة هذا التحليل جرى توفير جهاز غسيل كلوي يلائم الحالة الصحية للأم.   

تكاليف باهظة

كشفت دراسة علمية أعدها باحثون بجامعة أدليد في أستراليا، عن مدى تأثير تغير المناخ على صحة الكلى، وأنه من المتوقع ارتفاع معدل الإصابة بأمراض الكلى الناجمة عن أسباب معدية وغير معدية على الصعيد العالمي، خاصةً في البلدان المنخفضة ومتوسطة الدخل، نتيجة للاحترار العالمي، كما أن هذه الزيادة يمكن أن تؤدي إلى إثقال كاهل نظم الرعاية الصحية، لذا فإن العمل على تقليل الآثار السلبية لتغير المناخ على صحة الكلى أمر بالغ الأهمية.

أوضحت الدراسة التي نشرت في دورية "نيتشر" في أكتوبر 2020، أنه من المرجح أن تشهد البلدان المنخفضة ومتوسطة الدخل نتائج صحية ضارة وتواتر أمراض الكلى؛ لتغير المناخ نظرا لقدرتها المحدودة على التكيف مع المناخ وتوفير الرعاية الصحية مقارنةً بالمناطق المرتفعة الدخل.

وأكد باحثو الدراسة على أن الأنظمة الصحية تتكبد تكاليف مالية كبيرة بسبب أمراض الكلى، وتنفق البلدان المرتفعة الدخل عادة أكثر من 2% من ميزانيتها السنوية للرعاية الصحية على أمراض الكلى، إذ تلقى ما يقدر بنحو 2.6 مليون مريض غسيل الكلى على مستوى العالم في عام 2010، ويموت ما يقدر بنحو 2 مليون مريض سنويًا حول العالم بسبب عدم الوصول إلى علاج بدائل الكلى، فإنه من المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 9 ملايين بحلول عام 2030، كما يتوقع أن يتضاعف الطلب على غسيل الكلى.

وأشارت الدراسة إلى أكثر الفئات العرضة لتأثيرات المناخ كالحرارة هم؛ كبار السن، الأطفال، وبعض العمال في قطاعي الزراعة والبناء، إذ أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية تؤثر على الاستعداد لأمراض الكلى ونتائج المرض، ويمكن أن يؤثر ضعف صحة الكلى سلبًا أيضا على أنظمة الجسم الأخرى مثل نظام القلب والأوعية الدموية، مما يزيد من الحاجة إلى توفير الرعاية الصحية للأمراض غير الكلوية.

وخلصت الدراسة إلى أن أي زيادة في انتشار أمراض الكلى ستشكل تحديًا لنظم الرعاية الصحية، لذا يجب العمل على تقليل تواتر التغيرات المناخية التي ينتج عنها انخفاض جودة وتوافر مياه الشرب النظيفة عن طريق زيادة موجات الجفاف، وزيادة أحمال الملوثات في هطول الأمطار الغزيرة، وتعطيل عمليات معالجة المياه نتيجة للفيضانات، بما سيؤدي إلى تلوث إمدادات المياه.

رابط الدراسة

تلوث بيئي

ومن جهته، قال الدكتور مصطفى مراد، رئيس قطاع نوعية البيئة، وهو أحد قطاعات وزارة البيئة المعنية برصد التلوث البيئي،  إن تغير المناخ يؤثر على صحة الإنسان بطرق عديدة إلى جانب عوامل الإجهاد الصحية الأخرى، كما لا يتعرض الجميع للخطر بشكل متساوٍ، ويختلف ذلك حسب؛ العمر، والموارد الاقتصادية والموقع الجغرافي، مؤكدًا أن حدة التهديدات الصحية الحالية ستزداد وستظهر تهديدات صحية جديدة في المستقبل.

يوضح مراد في تصريحات خاصة لـ “الدستور”، أنه على الرغم من صعوبة قياس الخسائر الحقيقية لعوامل تغير المناخ، إلا أن هناك صلة قوية بين تلوث الهواء الناتج عن الأنشطة البشرية وحرائق الغابات بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، ويمكن أن يؤدي الطقس شديد الحرارة إلى الإجهاد المائي واضطراب توفير الموارد الطبيعية والاقتصادية، وكلها يمكن أن يكون لها تأثير سلبي عميق على الصحة العامة، بما يشمل مضاعفة أعباء المرض وتفاقم الحواجز القائمة أمام الوصول إلى الخدمات الصحية.

الدكتور مصطفى مراد

"تشمل تأثيرات تغير المناخ ارتفاع الغازات الدفيئة، درجات الحرارة، مستويات سطح البحر وزيادة نسب ملوحة المياه، فضلًا عن زيادة تواتر أو شدة بعض الظواهر الجوية المتطرفة، بما تهدد هذه الآثار على صحتنا من خلال التأثير على الطعام الذي نتناوله، والمياه التي نشربها، والهواء الذي نتنفسه، والطقس الذي نختبره، كما ستعتمد شدة هذه المخاطر الصحية على قدرة أنظمة الصحة والسلامة العامة، ومدى القدرة على مواجهة هذه التهديدات المتغيرة و الاستعداد لها"، بحسب رئيس قطاع نوعية البيئة.

واختتم: "يبذل قطاع نوعية الهواء والبيئة في مصر مجهودات ضخمة لرصد الانبعاثات الضارة والملوثات للوقوف على أسبابها، بهدف العمل على حل المشكلة من جذورها من أجل حماية النظام البيئي الواحد وتجنب العواقب السلبية، فالتأثيرات ليست فورية فقط، بل لها آثار طويلة المدى على الأفراد والسكان".

حالة طوارئ

ساءت حالة محمد المهداوي، الذي يعاني من الحساسية المفرطة والتهاب الجيوب الأنفية المزمن، عندما انتقل من سكنه في مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة إلى إحدى المناطق الزراعية، التي ينتشر فيها حرائق المخلفات الزراعية وحبوب اللقاح.

الحساسية هي ردة فعل الجسم تجاه مؤثر ما قد يكون الملوثات البيئة، العدوى الميكروبية نوعية الغذاء؛ ويسبب مثير الحساسية ردود أفعال متنوعة من الجسم نتيجة لإثارة بعض الهرمونات مثل الهستامين، وتؤثر أعراضها على مجرى الهواء والجيوب الأنفية والممرات الأنفية والجلد والجهاز الهضمي، وتتراوح أعراض الحساسية من خفيفة إلى شديدة، وفي بعض الحالات تشكل نوبات الحساسية "التأق" خطرًا على حياة الشخص المصاب بها.

حالة طوارئ يعيشها "المهداوي" في المنزل والعمل خلال فترات تغيير الفصول ولاسيما الخريف، الذي يعد الفصل الأكثر شراسة في تفاقم الأعراض لدى مرضى الحساسية المفرطة والجيوب الأنفية، ولكن خلال الفترة الأخيرة عانى "المهداوي" من فرط الحساسية التي وصلت إلى الحساسية الجلدية والتهاب الجيوب الأنفية في جميع الفصول وليس الخريف فقط.

لم يكن يعلم في البداية أسباب تفاقم حالته الصحية وازديادها سوءً بسبب العيش في هذه البيئة الجديدة التي تشكل خطرًا على صحته، ويقول: "تشتد عليا الأعراض بمجرد التعرض إلى ظواهر بيئية حادة كموجات الطقس المتقلبة والرياح المحملة بالغبار وغيرها، فقد أصبحت أعراض الحساسية والجيوب الأنفية تلازمني في كل أوقات السنة، وأصبحت أعاني من فرط الحساسية التي وصلت إلى الجلد".

بالزيارة إلى الطبيب التي أصبحت مُلحة مع تفاقم الأعراض على "المهداوي"، وبعد أن قضى أوقاتًا طويلة بين أروقة المستشفيات بحثًا عن سببًا لسوء حالته الصحية، أكد الأطباء له أن العوامل البيئية الجديدة التي طرأت على حياته هي السبب في تدهور الحالة ووصول الحساسية إلى الجلد والجهاز الصدري، ما يشكل خطرًا على حياته. 

ظواهر مناخية متطرفة

في دراسة علمية نشرت بعنوان (تغير المناخ والقضايا العالمية في الحساسية والمناعة)، أعدها مجموعة من الباحثين تحت إشراف الأكاديمية الأمريكية للحساسية والربو والمناعة، عن تداعيات التغير المناخي وتلوث الهواء الخارجي على تدهور صحة الجهاز التنفسي، تّبين أن التغيرات المناخية المعقدة المصحوبة بتلوث الهواء والظواهر الجوية المتطرفة تؤدي إلى آثار صحية ضارة متعددة ومنها تدهور صحة الجهاز التنفسي، كما أن آثار الغازات الدفيئة على حبوب اللقاح تؤدي إلى انتشارها في الغلاف الجوي ومن ثم تواتر وشدة الربو والتهاب الأنف التحسسي.

وكشفت الدراسة التي نشرت على موقع العلوم المباشرة في ديسمبر 2021، أنه منذ بداية الثورة الصناعية وحتى يومنا هذا زاد تركيز ثاني أكسيد الكربون بنسبة 48٪؛ ما أدى إلى زيادة متوسط درجة حرارة السطح العالمي بحوالي 2 درجة فهرنهايت مقارنةً بمستويات ما قبل الصناعة، ومن هنا اشتدت وطأة التغيرات المناخية وزيادة معدلات تلوث الهواء بما يؤثر على صحة الجهاز التنفسي وستستمر الاضطرابات والأمراض الصحية المزمنة في التصاعد إن لم يكن هناك حل رادع.

وقد أدت الأنشطة البشرية والاعتماد على الوقود الأحفوري إلى زيادة تركيزات غازات الدفيئة البشرية المنشأ المسؤولة عن تغير المناخ وغيرها من المنتجات الثانوية التي تشكل مكونات رئيسية لتلوث الهواء. وقد تسهم بعض التغيرات البيئية الناجمة عن تغير المناخ في تدهور نوعية الهواء ، ولا تزال الزيادة المطردة في درجات الحرارة العالمية، الناجمة عن احتراق الوقود الأحفوري وتراكم غازات الدفيئة، تزعزع استقرار جميع النظم الإيكولوجية في جميع أنحاء العالم. 

وخلص باحثو الدراسة إلى أن الظواهر المناخية وموجات الحرارة الكارثية التي شهدتها الأرض في صيف عام 2021 ما هي إلا سوى المستقبل الذي ينتظرنا، مؤكدين على أهمية العمل الفردي والجماعي في الالتزام بتقليل جميع العادات السلبية التي من شأنها الإضرار بالمُناخ العالمي، واتباع الأنشطة النظيفة المتجددة.
رابط دراسة

جهود حثيثة

تعمل الحكومة المصرية بالتعاون مع البنك الدولي على تعزيز الفرص على صعيد العمليات للعمل من أجل دعم كل من المناخ والتنمية الشاملة، وكان لمصر السبق في إصدار أول سند سيادي أخضر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بقيمة 750 مليون دولار، وتساعد السندات الخضراء في تمويل العمل المناخي وتُستخدم في القطاعين العام والخاص، مغتنمة بذلك فرصة اهتمام المستثمرين بالعائدات المالية والبيئية. 

نحو 46% من حصيلة السندات الخضراء لمصر مخصصة لقطاع النقل النظيف "مشروع مونوريل القاهرة"، و54% لإمدادات المياه المستدامة وإدارة مياه الصرف الصحي، وأنجزت أيضًا مصر مشروع الإدارة المستدامة للملوثات العضوية الثابتة، بتكلفة قدرها 8.1 ملايين دولار، والذي ساهم في التخلص الآمن من 1090 طناً من مبيدات الآفات المتقادمة شديدة الخطورة في مختلف المحافظات.

وأخيرًا تسعى الدولة المصرية إلى تنفيذ "الاستراتيجية الوطنية للتغيرات المناخية 2050"، كواحدة من أهم قرارات المجلس الوطني للتغيرات المناخية، كواحدة من أهم سياساته، لرفع مستوى التنسيق بين كافة الوزارات والجهات المعنية في الدولة بشأن مجابهة مخاطر وتهديدات التغيرات المناخية، بما يضمن تحقيق تنمية اقتصادية مُستدامة.