رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

من هنا تبدأ الحرائق.. «الدستور» تخترق عصابات غش الكابلات الكهربائية فى مصانع بير السلم

من هنا تبدأ الحرائق
من هنا تبدأ الحرائق

شهدت الأيام القليلة الماضية العديد من حوادث الحرائق فى أكثر من منطقة على مستوى الجمهورية، خلفت وراءها عشرات القتلى والمصابين، بداية من حريق كنيسة «أبوسيفين» فى إمبابة، ثم حريق كنيسة الأنبا بيشوى فى المنيا الجديدة، مرورًا بحريق سكن الأطباء فى مستشفى البدرشين، وأحد المولات التجارية الشهيرة بالإسكندرية.

وتوصلت تحقيقات النيابة العامة، ونتائج فحص المعمل الجنائى، فى غالبية هذه الحرائق إلى أنه «لا شبهة جنائية أو عمدية»، وأن السبب الرئيسى هو خلل فى التوصيلات الكهربائية.

ونتج حريق كنيسة «أبوسيفين» عن اشتعال مولد كهربائى، بعد تشغيله بسبب انقطاع التيار بها، ومع عودة التيار ووجود خلل فى التوصيلات الكهربائية الخارجة من المولد، التى تم تركيبها منذ ٥ سنوات، وامتدادها بغير انتظام إلى لوحة المفاتيح وزيادة الأحمال عليها- أسفر كل ذلك عن نشوب الحريق.

فيما توصلت تحريات النيابة إلى أن «ماسًا كهربائيًا» وراء حريق سكن الأطباء بمدرسة البدرشين، بسبب عمل أحد الفنيين على صيانة ثلاجة، ما أسفر عن حدوث هذا الماس الكهربائى واشتعال النيران.

حريق 

وتثير هذه الحرائق، ونتائج التحقيقات الأولية بشأنها، إلى وجود مشكلة فى الأسلاك والتوصيلات الكهربائية بمختلف أنواعها، وهو ما بحثت «الدستور» وراءه، وتوصلت إلى إنتاج الكثير من هذه التوصيلات فيما يطلق عليه «مصانع تحت بير السلم»، حيث يتم التلاعب فى المواد الخام اللازمة لإنتاجها، واستبدالها بأخرى أرخص ثمنًا، إلى جانب شراء العلامات المائية «الباركود» الرسمية لشركات الكهرباء الكبرى الموثوق فيها، لإعادة تدويرها مرة أخرى على توصيلات كهربائية «مضروبة»، بتعبير السوق.

استخدام «باركود» منتجات أصلية على أخرى «مضروبة».. والاستيكر بـ20 جنيهًا

البداية مع عمرو محمد، مقاول كهرباء، الذى دلنا على خيط فى غاية الخطورة يتعلق بغش هذه التوصيلات، وهو ما يسمى «الباركود»، الذى تحول من وسيلة لمنع غش وتقليد هذه التوصيلات إلى عكس ذلك تمامًا.

وقال «محمد»، لـ«الدستور»: «الشركات الكبيرة المتخصصة فى صناعة التوصيلات الكهربائية من أسلاك وكابلات تستخدم علامات مائية (باركود) على هذه المنتجات لمنع تقليدها وغشها، لكن مصانع تحت بير السلم تعيد استخدام هذا الباركود الأصلى مع منتجاتها المقلدة لخداع المستهلك وإيهامه بأن منتجاتها أصلية».

وأضاف: «عديمو الضمير يعيدون استخدام استيكر باركود خاص بأسلاك تم تركبيها واستخدامها من قبل، ثم يلفوا على الباركود المستخدم أسلاك وكابلات مغشوشة وغير أصلية، ويبيعونها على أنها أصلية الصنع بالباركود».

باركود 

وكشف عن أن سعر «الباركود» الذى يتم إعادة تدوير استخدامه يتراوح بين ٢٠ و٥٠ جنيهًا لكل «استيكر»، ويباع بهذا السعر إلى تجار «الأسلاك المضروبة» لاستخدامه مرة أخرى عليها.

ووجه المقاول الكهربائى مجموعة من النصائح لاختيار التوصيلات الكهربائية، أهمها اختيار مصدر موثوق للشراء منه، وكذلك التعامل مع فنى أو مهندس متخصص لاختيار حجم وقطر الأسلاك والكابلات المطلوبة، مشددًا على أن اختيار الفنى أو المهندس لا يقل أهمية عن التأكد من نوع ومصدر الأسلاك.

وشرح أهمية هذه النقطة بقوله: «أى جهاز كهربائى مثل التكييفات له قدرة تحمل معينة، يقدرها ويحسبها فنى الكهرباء أو المهندس وفق قياسات حسابية محددة ودقيقة للغاية غير قابلة للخطأ، وعلى أساس قدرة التحمل تلك يختار قطر التوصيلات الكهربائية المطلوبة».

الحبس والغرامة عقوبة الغش التجارى

حدد قانون الغش والتدليس رقم ٤٨ لسنة ١٩٤١، والمعدل بالقانون رقم ٢٨١ لسنة ١٩٩٤، القواعد الخاصة بجريمة الغش التجارى والعقوبات المترتبة على ذلك بالقانون.

ونص القانون على أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تتجاوز عشرين ألف جنيه، أو ما يعادل قيمة السلعة موضوع الجريمة أيهما أكبر أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من خدع أو شرع فى أن يخدع المتعاقد معه بأى طريقة من الطرق.

سجن 

وقررت محكمة النقض فى أحكامها أنه يكفى لتحقق الغش خلط الشىء أو إضافة مادة مغايرة لطبيعته أو من نفس طبيعته ولكن من صنف أقل جودة، بقصد الإيهام بأن المادة المخلوطة خالصة لا شائبة فيها أو بقصد إظهارها فى صورة أحسن مما هى عليه.

اتفاق مع تاجر: «أشترى أى كمية علامات مائية.. وكل حجم بمقابل معين»

استنادًا إلى ما ذكره مقاول الكهرباء، بحثنا على مدار أيام عن أشخاص يشترون «الباركود» الرسمى لشركات الكهرباء الكبرى الموثوق فيها، لإعادة تدويره مرة أخرى على توصيلات كهربائية «مضروبة»، بتعبير السوق. 

وتوصلنا بالفعل إلى تاجر مستلزمات وأدوات كهربائية يرغب فى شراء وحدات العلامة المائية «الباركود» بأى ثمن، وعلى الرغم من أن لديه كميات كبيرة منها بالفعل، أبدى رغبته فى شراء المزيد، لأنه بهذه الطريقة يحقق أرباحًا أكبر.

وأجرت محررة «الدستور» اتفاقًا مع هذا التاجر، ادعت فيه أن لديها ٥٠ «وحدة باركود» خاصة بمقاسات مختلفة من الأسلاك، فعرض التاجر على الفور شراء الكمية كلها مهما كان السعر.

اتفاقية محررة الدستور مع تجار الاسلاك الكهربائية المضروبة 

الغريب أن التاجر بعدها بدا عليه الارتياب الشديد، وسأل مرارًا وتكرارًا عن هوية محررة «الدستور»، مشيرًا إلى أن «هذه المهنة يعمل بها الرجال فقط، ولا توجد فتاة أو سيدة تعمل فى إبرام مثل هذه الاتفاقيات الخطرة»، لكنها اقنعته بأن «العائلة تعمل فى تجارة المواد الكهربية منذ زمن، وتوارثتها عنهم».

اقتنع التاجر بهذه الكلمات، واستكملنا الاتفاق معه، فعرض أن يشترى «وحدة الباركود» بـ٣٥ جنيهًا لأسلاك حجم ٢ ملى، و٢٠ جنيهًا لوحدة الأسلاك مقاسات ٣، ٤، و٦ مللى. جاءت مرحلة التسليم والتسلم، واتفقنا مع التاجر على أن تكون نقطة اللقاء بمحطة مترو «الجيزة»، خلال يومين من وقت إبرام الاتفاقية، وهنا بدأنا فى التراجع بشكل تدريجى، بداعى «العمل على تجهيز أكثر من ٥٠ وحدة باركود»، وهو ما رحب به بشدة، مشيرًا إلى أنه فى الانتظار.

باركود 

وأجرت «الدستور» اتفافًا أخر مع فنى كهرباء بمحافظة القاهرة، يبيع «وحدات الباركود» بكميات وأحجام مختلفة، فعرضنا عليه شراء الكمية المتاحة معه بسعر ٢٠ جنيهًا للوحدة، لكنه اعترض على هذا السعر ورفض الاتفاق، طالبًا ٥٠ جنيهًا مقابل «وحدة الباركود» لمختلف أحجام الأسلاك. ورفض الفنى أى محاولة للتفاوض على السعر، وشدد على أن الـ٥٠ جنيهًا سعر ثابت لأى حجم من الأسلاك الكهربية، وقال إن لديه كمية تصل إلى نحو ٤٠ وربما ٤٥ «وحدة باركود» مختلفة الأحجام والمقاسات.

 واتفقنا معه على شراء ٣٠ «وحدة باركود» بسعر ٥٠ جنيهًا للوحدة، واختار هو بنفسه موقع التسليم، الذى طلب أن يكون فى مدينة نصر بمحافظة القاهرة، خلال أيام، على أن يتم تأكيد الاتفاقية قبل موعد التسليم المتفق عليه.

اتفاقية محررة الدستور مع تجار الاسلاك الكهربائية المضروبة 

نصف مليون حادث حريق خلال عام 

بلغ عـدد حـوادث الحريق على مستوى الجمهورية ٥١٥٣٣ حادثـة عام ٢٠٢١، مقابل ٥١٩٦٣ حادثة عـام ٢٠٢٠ بنسبة انخفاض قدرها ٠٫٨٪، بحسب الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى العام ٢٠٢٢.

ووفقًا للحالة الجنائية، يأتى الإهمال فى المرتبة الأولى لحوادث الحريق بعـدد ٢٦٤٠٠ حـادثة بنسبة ٥١٫٢٪، يليه الحريق العارض بـ٢٥٠٣٧ حادثة بنسبة ٤٨،٦٪، ثــم الحريق العمد بـ٩٦ حادثة بنسبة ٠٫٢٪ خلال عام ٢٠٢١.

حريق 

وتعد أهم المسببات الرئيسية للحريق هى النيران الصناعية «أعقاب السجائر وأعواد الكبريت ومادة مشتعلة وشماريخ، وغيرها» بعدد ٢٧٣٥٦ حادثة بنسبة ٥٣٫١٪، والماس الكهربائى أو الشرر الاحتكاكى بـ١٠٨٦٣ حادثة بنسبة ٢١٫١٪، ثم الاشتعال الذاتى بـ٦٩١٠ حوادث بنسبة ١٣٫٤٪، ثم حرائق الغازات بـ٣٢٣٧ حادثة بنسبة ٦٫٣٪.

وجاءت محافظة القاهرة فى المقدمة بالنسبة لحوادث الحريق، بعدد ٦١٣٢ حادثة بنسبة ١١٫٩٪، تليها الجيزة بـ٣٩٢٥ حادثة بنسبة ٧٫٦٪، وفى المرتبة الأخيرة شمال سيناء بـ٧٦ حادثة وبنسبة ٠٫١٪ من إجمالى حوادث الحريق.

مهندس كهربائى: يستبدلون النحاس بـ«الأنتمونيا» سريعة الاشتعال

قال إسلام سلامة، مهندس كهربائى، إن ضعف الأسلاك والكابلات السبب الرئيسى فى ارتفاع معدلات حوادث الحرائق خلال الفترة الأخيرة، فى ظل انتشار الكابلات والأسلاك غير المطابقة للمواصفات.

وأضاف «سلامة» أن تجار الأدوات الكهربية المغشوشة لا يكتفون ببيع الأسلاك المضروبة فقط، وإنما يغشون فى المادة الخام، لأنها أسهل وأسرع طرق الربح السريع بالنسبة إليهم، إذ يستبدلون مادة النحاس بمواد أخرى أقل سعرًا مثل مادة «الأنتمونيا»، وهى الأخطر على الإطلاق، لأنها تشتعل وتسبب حوادث كارثية بمجرد تعرضها للسخونة. 

ولفت إلى أن «الأنتمونيا» أرخص كثيرًا جدًا من النحاس، وتكمن خطورتها فى قابليتها السريعة للاشتعال، مشيرًا إلى أنه بعد غش المواد الخام وتقليل المواد الغالية السعر فيها مثل النحاس، وتبديلها بالأرخص، تعمل تلك المافيا على تقليد العلامات التجارية الأصلية، ووضعها على الأسلاك المغشوشة، ليتم بيعها فى الأسواق على أنها الأصلية بهدف تحقيق أرباح مادية طائلة.

الأسلاك 

وذكر أن الشركات الكبرى المختصة بتصنيع أسلاك وكابلات الكهرباء بدأت فى تمييز منتجاتها، من خلال وضع العلامة المائية أو «الباركود»، للتصدى لظاهرة النصب ومقلدى وغشاشى أسلاك وأدوات الكهرباء.

وكشف عن أن هناك تجارًا وعصابات يديرون مصانع «بير سلم» ويقلدون «الباركود» والملصقات الخاصة بالشركات الكبرى ويستخدمونها فى تعبئة وتغليف الأسلاك والكابلات، ثم يبيعونها فى الأسواق على أنها منتجات الشركة الأصلية.

اسلاك كهربائية 

فنى: الكابلات الرديئة والعشوائية تحترق بمجرد زيادة الأحمال عليها

أرجع ياسر عاشور، فنى كهرباء، ازدياد معدلات حوادث الحرائق بشكل ملحوظ خلال فصل الصيف إلى إهمال أعمال الصيانة الخاصة بالكهرباء، خاصة فى التوصيلات والكابلات، والتى تجب مراعاة تجديدها بدقة عند الصيانة. وقال: «لا يوجد أكثر من الأسلاك المضروبة فى الأسواق»، مضيفًا: «فى ناس بتعتمد فى مكسبها على التلاعب فى المواد الخام لمستلزمات الكهرباء، من خلال تصنيع السلك أو الكابل بشكل عشوائى بمواد رخيصة الثمن، تشتعل سريعًا بمجرد زيادة الأحمال عليها، ولكن لا يعلمون أن بفعلتهم هذه يتسببون فى ضياع أرواح مواطنين».

اسلاك مضروبة 

وانتقد فكرة البحث عن الأرخص خلال شراء مستلزمات الكهرباء من الأسلاك والكابلات لأن المواد الرديئة تتسبب فى حوادث، موضحًا أن كل نوع من الأجهزة الكهربائية له حجم وسمك وقطر محدد من التوصيلات الكهربية التى يختارها الفنى أو المهندس بدقة بالغة، مشددًا على أن التهاون فى أى أدوات لها علاقة بالتوصيلات يسبب كارثة.