رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

حدوتة لـ«الأسف» مصرية

عندي تليفزيون ماركة معروفة، حصل فيه عطل، كلمت مركز الصيانة الرسمي لـ الشركة، قالوا لي: هـ نبعت لك فني يحدد المشكلة وتتصلح إزاي، ويتفق مع حضرتك على كل حاجة.

جه الفني، العطل في كيت وكيت، تمام، سألته سؤالين بديهيين (أو أظنهم كذلك): كام التكلفة؟ وميعاد التسليم، فـ أجابني الإجابة المصرية العظيمة: التكلفة (س) من الجنيهات، قابلة لـ الزيادة والنقصان. والميعاد أول ما نصلحه على طول هـ نكلم حضرتك.

فـ أنا قلت له بـ منتهى الهدوء: حضرتك بـ تقول أي كلام، أنا آسف يعني، بس "قابلة لـ الزيادة والنقصان" دي، كان أفضل منها تقول لي: هـ نصلحه وربنا يسهل، وجملة "لما نصلحه"كان أفضل منها: حسب ما ربنا يفتح علينا، وساعتها مش هـ أصلحه عندكم، وأشوف حد كلامه محدد أكتر.
فـ الراجل قال لي: خلاص، الرقم اللي قلت لـ حضرتك عليه بـ الظبط، والتسليم بعد أسبوع من دلوقتي.
عظيم!
ما فاتش 48 ساعة ولقيت تليفون: الأستاذ فلان؟ أيون. حضرتك إحنا صلحنا لك شاشة التليفزيون، تكلفتها كذا (أكتر 35% من اللي قاله) وهـ نيجي نسلمها لـ حضرتك النهاردا من 2 – 4.
قلت لها الحوار اللي دار بيني وبين الفني، فـ ردت بـ ميكانيكية من يحفظ الكلمات: مش ممكن يكون قال لـ حضرتك كدا، لـ إننا بـ نقول (قابلة لـ الزيادة والنقصان) وبـ نقول إنه ميعاد التسليم فور التصليح، لـ إنه ما عندناش مخازن، ولو فعلا قال لـ حضرتك، فـ الشركة مش مسئولة عن الحوارات الشخصية مع الفني.
فـ يعني، أنا مش بـأحكي الحكاية دي علشان أشتكي الشركة، أو أقول إني تعرضت لـ ظلم أو ما أشبه، أو حتى بـ أسرد قصة شخصية لـ الفضفضة، إنما دا نموذج مثالي لـ الحياة في مصر.
اللي يطول يهبش حاجة، يهبشها.
الشركة بعتت مندوب، المهم ياخد شاشة التليفزيون، دلوقتي هي (الشاشة) عندهم، عايزها! يبقى بـ شروطهم.
هل فيه جهة ممكن ألجأ لها؟ لأ طبعا. الجهات مشغولة بـ حاجات كتيييير، والحاجات دي أهم فعلا من قصتي بـ مرااااحل، فـ لو لجأت لها هـ أنضر أكتر من الرضوخ لـ الشركة.
هنا بقى، إيه تأثير دا عليّ أنا كـ مواطن؟خسرت فلوس؟ اتزنقت في الوقت؟ يا ريت كانت وقفت لـ حد هنا، إنما فيه حاجتين في منتهى الخطورة هـ يحصلوا. كمان يومين تلاتة، هـ أكون نسيت القصة بـ رمتها، والحاجتين دول هـ يفضلوا:
إحساس إنه مفيش حماية من أي حاجة وأي حد، الإحساس اللي بـ يتولد ويتراكم من قصص شبيهة، ودا يخلي "الحذر" يسود المجتمع، المجتمعات الحذرة لا يمكنها السير لـ الأمام، لا يمكن.
الحاجة التانية أخطر، وهي الإزاحة، إني أنا كمان أتعامل بـ المثل، مش لـ إني بـ أنتقم أو شىء من هذا القبيل، إنما لو حضرتك راكب الأتوبيس، وحد زقك بـ قوة، هـ تلاقي نفسك بـ تزق اللي يليك تلقائيا، وبـ نفس القوة إن تمكنت من ذلك.
هي الشركة نفسها، ما هي أكيد اتلسعت من خمسميت عميل، وعشرميت مستورد، فـ دا يخليها تتصرف كدا، اللي تطوله، خده، وهكذا وهكذا.
بـ المناسبة، دا سائد في كل المجالات تقريبا، بل إنه حاجات خطيرة، زي التحرش الجنسي مثلا، ممكن تفسيرها كدا (ولو في جانب منها)، طالما تقدر تعتدي على حد، ليه لأ؟
طالما تقدر تركن صف تاني وتالت؟ليه لأ؟
طالما تقدر تمشي عكس، ليه لأ؟
طالما تقدري تاخدي رضيعك معاكي الشغل، ليه لا؟
طالما تقدر تشتم حد على الإنترنت، ليه لأ؟
طالما طالما طالما طالما، ليه لأ؟
طب وآخرتها؟
مفيش، نزلت جبت الفلوس وهـ أستلم شاشة التليفزيون، وكمان يومين تلاتة، هـ أنسى الحكاية