رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أنقذوا مكتبته الفريدة وآلاف التسجيلات النادرة التى أهداها له جلال معوض

كنز سمير صبري المهدد بالضياع

فى صباح اليوم الثالث من شهر رمضان الفائت استيقظت على تليفون من الفنان الكبير سمير صبرى، كان يحدثنى من غرفته بمستشفى المعادى العسكرى، حيث يتلقى العلاج، كانت فى صوته نبرة غضب ورنة انزعاج، ولم يمهلنى للسؤال عن صحته وسألنى: قريت الأهرام النهارده؟ ولم ينتظر إجابتى، وواصل كلامه: فيه خبر عنى فى الصفحة الأخيرة عامل لى مشكلة من الصبح مع إدارة المستشفى.

وقبل أن أستفسر شرح هو: الخبر يقول إننى سجلت برنامجى الإذاعى الرمضانى فى المستشفى وهذا غير صحيح، ده برنامج قديم سجلته من سنتين وركنوه فى الإذاعة لغاية لما نجيب له رعاة من المعلنين، الخبر بصياغته يدل على إن صحتى كويسة وقاعد أسجل برامج، يبقى إيه لزمتها قعدتى فى المستشفى؟ والحقيقة غير كده خالص، من فضلك وصلنى بمسئول فى الجريدة ممكن أكلمه لتصحيح الخبر!

واتصلت بزميلنا العزيز علاء ثابت، رئيس تحرير الأهرام، ونقلت له طلب سمير صبرى فتفضل مشكورًا بالاتصال به بنفسه وجرى عمل اللازم، وعاد سمير صبرى يتصل بى وكان صوته هذه المرة مبهجًا كعادته، وسألنى معاتبًا: مش ح تيجى تزورنى فى المستشفى؟ مواعيد الزيارة من ٨ إلى ١٢ صباحًا ثم من ١ إلى ٤ عصرًا، كلمنى قبلها عشان أعمل لك تصريح زيارة.. تعالى عايزين نبدأ مشروعنا مفيش وقت!

 وأما المشروع الذى أشار إليه فله قصة، فعندما أصدر سمير صبرى مذكراته «حكايات العمر كله» أهدانى نسخة منها، لم تكن فى حقيقتها هدية، بل مكافأة منه على «اسمى بولا» الكتاب الذى أصدرته حينها حاملًا مذكرات صديقتنا المشتركة الفنانة الكبيرة نادية لطفى، وشملت مكافأته مشاركتى فى ندوة عن بولا ومذكراتها فى مكتبة ديوان مصر الجديدة، وكانت علاقتنا قد بدأت فى بيتها، خاصة فى حفلات عيد ميلادها «٣ يناير» التى كان حريصًا على حضورها مهما كانت مشاغله، وفى كل مرة كنت أستمتع بحكايتهما المشتركة عن حفلة نادى الزمالك يحكيانها معًا وبأداء مسرحى ممتع لا تمل من سماعها مهما تكررت.

والحكاية باختصار أن نادى الزمالك فاز بالكأس فى نهاية الستينيات، فقرر النادى إقامة حفل غنائى كبير يشارك فيه نجوم الغناء والطرب، ويتولى نجوم السينما تقديم فقراته، وكان مشرفًا عليه الإذاعى الكبير والزملكاوى العتيد جلال معوض، وكانت نادية لطفى وسمير صبرى من النجوم المشاركين، وحدث أن اشترت نادية فستانًا أحمر اللون لتقدم به الحفل، ولأن علاقتها بالكرة تكاد تكون معدومة لم تدرك المأزق إلا يوم الحفل من الصدمة التى رأتها على وجه سمير وهو يسألها بدهشة عارمة: عايزة تطلعى بفستان أحمر قدام جمهور الزمالك.. أنت اتجننتى؟!

وبعد أن استعاد هدوءه اقترح سمير حلًا ذكيًا وهو أن تخرج نادية بفستانها وكأنها متعمدة ارتداءه ثم تقول برقة: مساء الخير عليكم.. أنا أهلاوية بس جاية الليلة أهنى نادى الزمالك من كل قلبى، ثم تقدم فقرتها.. ولكنها عندما دخلت إلى خشبة المسرح نسيت الكلام ما عدا «أنا أهلاوية».

ففوجئت بصفافير وهتافات كادت تصل إلى شتائم مباشرة، فى حين وقفت مرتبكة لا تفهم ما يجرى، ولا تعرف كيف تتصرف، كان سمير يقف فى الكواليس يصرخ: يا نادية كملى الجملة.. أنا أهلاوية وجاية أهنى الزملكاوية.. لكن سهم الله نزل عليها فلم يفتح عليها بكلمة، بل نسيت أن تقدم الفقرة التى يظهر فيها الثنائى الخواجة بيجو وأبولمعة، ولما تذكرت قالت: والآن مع بيجو والخواجة!

وبعد أسابيع سألنى سمير صبرى عن رأيى فى مذكراته، فصارحته بأنها رغم ما فيها من حكايات وقصص مثيرة فإنها «خفيفة» ولا تليق بتاريخه الثرى والمتنوع، فلا يصح اختصار تاريخ سمير صبرى فى شوية حكايات، وقلت له: أنت عندك ما هو أهم من الحكايات؟ فسألنى بفضول: إيه؟ وشرحت له أنه من أبرز المحاورين فى تاريخ الإعلام المصرى، وأجرى حوارات مهمة مع نجوم الفن والثقافة والسياسة والرياضة، وكل حوار منها له كواليس مثيرة بالتأكيد، كحواره الذى أجراه على سلم الطائرة مع أم كلثوم قبل سفرها للعلاج وكان هو حوارها الأخير.. وحواره الأخير مع المرجع الشيعى الشهير السيد موسى الصدر قبل يومين من اختفائه، وحواره مع الأسير الإسرائيلى الشهير عساف ياجورى، وحواراته مع عبدالحليم حافظ وعبدالوهاب وشادية ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وجيهان السادات وعشرات من النجوم والأساطير.

وقلت له: اختر ٢٥ من هذه الحوارات المميزة وأنا متطوع لتفريغها وصياغتها وإعدادها كحوارات مكتوبة، وليكن عنوانها «حوارات العمر كله»، ولتعتبرها الجزء الثانى من مذكراتك، ولكن أحتاج لمحاورتك عن هذه الحوارات وكواليسها وظروفها، لتكون مقدمة للكتاب.

وسكت سمير صبرى وطال سكوته، ثم قال وكأنه يُحدث نفسه: والله فكرة!

فى ذكرى بليغ حمدى الأخيرة «١٣ سبتمبر» طلب سمير صبرى أن يجرى معى حوارًا عن بليغ لبرنامجه الأسبوعى فى إذاعة الأغانى، واستغربت من الطلب، لأن سمير صبرى كان من أقرب أصدقاء بليغ ويعرف عنه ما لا نعرفه جميعًا، ولكنه أصر وسجلنا الحلقة، ومساء يوم إذاعتها كلمنى سعيدًا من أصداء الحلقة وعزمنى على العشاء فى مطعم «فايف بيلز» بالزمالك فى العاشرة من يوم السبت ١٨ سبتمبر.

وفى تلك السهرة جاء سمير صبرى بقائمة جديدة من حواراته القديمة راح يحكى عنها ويستعيد ذكرياته معها، وكشف لى عن أنه عاد إلى مكتبة الشرائط فى بيته، وأعاد ترتيبها، وفوجئ بكنوز كان قد نسيها.

وكشف لى عن الكنوز التى تحويها مكتبته الإذاعية والتليفزيونية، والمفاجأة أن من بينها مكتبة الإذاعى الشهير جلال معوض، وكان قد اختار سمير ليهديها له قبل رحيله فى مارس ١٩٩٧، مكتبة جلال معوض لوحدها «حكاية» إذ كانت تحتوى على آلاف من التسجيلات النادرة، وبينها تسجيلات شخصية لحفلات وسهرات كان يجمع فيها نجوم الغناء فى بيته، والمؤكد أنها لا تقدر بثمن.

حكى لى سمير صبرى أنه حضر سهرة منها غنى فيها عبدالوهاب على عوده وتجلى وحكى أسرارًا مذهلة من حياته، وذكّرته السهرة بحواره مع عبدالوهاب بعد رحيل أم كلثوم، فقد طلب عبدالوهاب تأجيل التسجيل ولم يفهم سمير السبب، حيث كان الجميع يتسابق للحديث عن كوكب الشرق، وقبل ذكرى الأربعين فوجئ بتليفون من عبدالوهاب: أنا جاهز يا سمير.. هات الكاميرا وتعالى!، وهنا أدرك سمير السر فقد انتظر عبدالوهاب حتى انفض «المولد» ثم قرر الظهور منفردًا لينصت الجميع له ويستحوذ على الكاميرا وحده ويحظى بدعاية خاصة «عبدالوهاب يخرج عن صمته ويتحدث عن سيدة الغناء الراحلة.. ذكاء يدعو للإعجاب والتصفيق».

كانت شهية سمير صبرى مفتوحة للحكايات والذكريات فى تلك السهرة التى شاركتنا فيها سيدة قدمها لى سمير بأنها مديرة أعماله، وفى نفس الوقت ابنة خالته، وعرفت منها أنها بدأت حياتها راقصة فى فرقة رضا، كما انضمت لنا صديقة سعودية لسمير ومهندس بترول من أصدقائه المقربين.

وبدأنا نختار الحوارات المميزة، وتوالت اتصالاتنا إلى أن دخل سمير صبرى فى دوامة المرض، ولما دخل مستشفى المعادى لم أستطع زيارته لسبب نفسى بحت، إذ إنه المستشفى الذى ترددت على زيارته لسنوات أربع بلا انقطاع بعد أن أصبح العنوان الدائم لنادية لطفى، وفيه ماتت، ومن مسجده شيعناها ولم أدخله من حينها.

ولذلك فضلت الانتظار حتى يخرج منه سمير صبرى معافى من مرضه، ونبدأ بعدها جلساتنا فى مكتبته العامرة، لنسمع ونبدأ فى «حوارات العمر كله».. وخرج سمير من المستشفى بالفعل لكنه رحل بعد خروجه منه بأيام.

والآن ما مصير هذه الكنوز القابعة فى مكتبة سمير صبرى؟

مَن الذى يضمن ألا تتسرب وتطير إلى دول وجهات نعرفها ومستعدة لدفع أى ثمن فيها فتضيع منا وعلينا تلك التسجيلات الفريدة؟

ولذلك أطالب الإذاعة المصرية ومسئوليها بسرعة الاتصال بعائلة سمير صبرى للحصول على تلك التسجيلات أو حتى نسخة منها، بما فيها مكتبة جلال معوض، فهى الجهة الأحق بها ويمكن من خلالها تخليد ذكرى سمير صبرى بأن تفرد له برنامجًا أسبوعيًا لإذاعة هذه الكنوز يحمل عنوان «من مكتبة سمير صبرى».

من فضلكم أنقذوا هذا الكنز وتحركوا قبل فوات الأوان.