رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

فى رحلة العمر بمسرح روابط

جوستاف فلوبير مصرى أسمر

جريدة الدستور

 

فى مشهد افتتاحى تخيل فيه الممثلون أنهم على رصيف الميناء فى فرنسا يحملون حقائبهم كبيرة الحجم ويلوحون بمناديلهم البيضاء لمودّعيهم، اجتمع صديقان شابان فى مقتبل العمر والأحلام، بقلبين يملأهما الحماس، كما تدفع الريح الباخرة المتجهة بهما صوب «الشرق»، مصر وبلاد الشام، بغرض استكشافه. 

كان أحدهما ممسكًا بدفتر وقلم، بينما يحمل الآخر كاميرا فوتوغرافيا خشبية ضخمة. القلم والكاميرا كانا أداتى غزو قبل الآلة العسكرية التقليدية. لم يكن يتصور أىّ منهما فى تلك اللحظة من عام ١٨٤٩ أن تلك الرحلة التى نتجت عنها أعمال أدبية خالدة وكتب مصورة سوف تسهم لقرون مقبلة فى صياغة مفهوم الغرب الاستعمارى عن الشرق، وسوف تدعم مقولات المستعمر الرجل الأبيض المتفوق عن الشرق الساحر المختلف فى بدائيته وغرائبية عالمه عن الغرب المتقدم الأكثر تقدمًا وتحضرًا وتعقيدًا. 

تلك النظرة المحكومة بتصورات مسبقة محمّلة بانحيازات استشراقية فوقية لا تعبر عن الشرق كما هو، بل كما أرادوا هم أن يفهموه معرفيًا وثقافيًا، وأن يستعمروه فعليًا بهدف إخضاعه واستغلاله اقتصاديًا. إن مفهوم «الشرق» فى ذاته لهو اختراع غربى خالص، معتمدًا على المركزية الأوروبية التى تميز تلك البقعة من العالم «كشرق» بالنسبة لها. 

هذا التمييز الوجودى والجغرافى والمعرفى الذى عبّر عنه الأكاديمى والناقد اللامع إدوارد سعيد فى كتابه الأشهر «الاستشراق»، الذى دشّن لدراسات ما بعد الاستعمار كحقل معرفى فى الأكاديمية الغربية، ترسخ معه وازداد رسوخًا بتلامذته وناقديه. 

فى إطار الاحتفاء بمرور المئوية الثانية على ميلاد الروائى الفرنسى الشهير جوستاف فلوبير، عُرض على خشبة مسرح ساحة روابط للفنون العرض المسرحى الموسيقى ثنائى اللغة «رحلة العمر»، من إنتاج فرنسى مصرى مشترك وإخراج دانيال سان بدرو.

العرض مستوحى من كتاب «رحلة إلى الشرق»، الرحلة التى قام بها الأديب الفرنسى الشهير وصديقه المصور والرحّالة ماكسيمدو كامب إلى مصر عندما كان فلوبير شابًا لم يتجاوز عمره ٢٨ عامًا، متمردًا على الحياة الفرنسية البورجوازية وتقاليدها الرجعية، مفتونًا بالشرق من قبل أن يراه، الذى تمثّله فى تخيلاته وقرأ عنه فى نصوص «ألف ليلة وليلة»، وتأثرت به نصوصه الأولى أهمها «إغواء القديس أنطونيوس»، التى تسرد يومًا فى حياة قديس عاش معزولًا على قمة جبل فى الصحراء المصرية.

كما ذكر فى مقدمة كتاب «فلوبير فى مصر» فى طبعته الإنجليزية أن فلوبير كان شهوانيًا عاشقًا للنساء مترددًا على بيوت البغاء، وقد كان الجنس وأحلامه عن نساء الشرق- بخاصة كليوباترا- أحد أهم دوافعه فى تلك الزيارة التى سجّل فى هذا الكتاب مشاهداته ويومياته عنها.

ركز العرض على صفحات من وصف فلوبير، مشاعره، حول كل ما شاهده وقابله فى مصر منذ أن وطأت قدماه رصيف الميناء فى الإسكندرية ثم زيارته الأهرامات ومرورًا بالرحلة النيلية إلى صعيد مصر، حيث التقى الراقصة والغانية «كوتشوك هانم» التى يروى أن الوالى محمد على قد نفاها إلى إسنا جنوبًا عقابًا على ارتكابها الفحشاء، والتى استفاض فلوبير فى وصفه الحسى عنها مستوحيًا إيّاها فى نصوصه وخطاباته، كما كانت موضوعًا لشعر لويس بويه وآخرين، مما أعطاها مركزية فى الخطاب الاستشراقى كمرادف للجسد الأنثوى الشرقى كما اختبره هؤلاء.

وحسب المؤرخة والأكاديمية مارى آن فاى، فى كتابها «إزاحة الستار عن الحريم فى الشرق»، فإن الهيمنة الذكورية على النساء فى الشرق أعاد إنتاجها فى روايته الأشهر عالميًا «مدام بوفارى» بعد عودته من رحلته إلى مصر، التى سوف تغيّر مسار الرواية الأوروبية نحو الواقعية فى القرن التاسع عشر.

من المثير للذهن أن اتّبع المخرج أسلوب المرآة ليخلق من كل شخصية زوجًا لها، أحدهما يلقى النص بالفرنسية ثم يعيد الآخر تلاوته بالعربية، وقد كان لافتًا لانتباهى أن فلوبير المصرى الذى أدّى دوره الممثل المصرى الموهوب محمد حاتم بملامحه المصرية الخالصة، فهو أسمر الوجه، أجعد الشعر، بينما المعادل الفرنسى له شاب أشقر ملون بشرته بيضاء وأنفه دقيق أقرب للوصف الشفاهى لجمال فلوبير الحقيقى، بينما الممثل الفرنسى الذى أدّى دور دو كامب ملامحه محايدة لا تصرخ بأوروبيتها بينما الممثل المصرى مرآته فى العرض بشرته بيضاء، وعيونه ملونة، وكان محدقًا طوال العرض فى دهشة طفولية عندما يرى الأهرامات لأول مرة أو يشير إلى شىء «شرقى» غريب قد رآه عابرًا أمامه، فجسّد هذا الممثل استبطان النظرة الاستشراقية أو الـEuropean gaze «النظرة الأوروبية» بحق دون أن يدرى.

أخذت أتأمل تلك المقابلة وهل كان يقصدها المخرج؟ أن تذوب الملامح ويسقط جدار الاختلاف الذى شيّده المستعمر الأوروبى، محتقرًا كل ذوى البشرة السمراء متخذًا منهم عبيدًا وموضوعًا للعرض، كما أشار المؤرخ الإنجليزى تيموثى ميتشل إلى رؤية الأوروبى العالم «بوصفه معرضًا» فى كتابه الشهير «استعمار مصر»، الذى يعد نصًا مؤسسًا لإعادة قراءة تاريخ استعمار الشرق باستخدام مفاهيم فلسفية والتى كانت مفاهيم ثورية فى حينها.. كل ما أسعدنى فى هذا العرض السطحى أنه بعد كل تلك القرون من الاستعمار الأوروبى الغربى الكلاسيكى لبلادنا، يصير فلوبير الرجل الأوروبى الأبيض مصريًا أسمر.