رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

كانت معركة العلمين وراء هذه الظاهرة

عندما عرضت الأسلحة والذخيرة بالأسواق بجانب الخبز في زمن «خط الصعيد»

أفيون وبنادق
أفيون وبنادق

يعد محمد منصور أو “خط الصعيد”، من أشهر عتاة المجرمين الذين شهدتهم مصر في عشرينيات القرن المنصرم.

وفي كتابه “أفيون وبنادق.. سيرة سياسية واجتماعية لخط الصعيد الذي دوخ ثلاث حكومات"، والصادر عن مركز المحروسة للنشر، يقدم مؤلفه الكاتب الصحفي الراحل صلاح عيسي، سرد وتوثيق للبيئة الحاضنة لخط الصعيد، والمناخ العام الذي ساعد على ظهور هذا المجرم وغيره، ولا سيما الحرب العالمية الثانية، وما تمخض عنها من ظواهر سياسية واجتماعية ألمت بالشعب المصري، والذي لم يكن له ناقة ولا جمل في هذه الحرب.

يقارن “عيسى” بين أسلحة البوليس المصري خلال هذه الفترة، والأسلحة التي تزود بها عتاة المجرمين، وكيف أن معركة “العلمين” كان لها دور كبير في هذا الأمر، أي تغلب المجرمين على قوات البوليس خاصة في تسليحهم وأسلحتهم التي حصلوا عليها من الجنود الألمان عقب معركة العلمين. يقول “عيسي”: وبهزيمة الألمان في المعركة “العلمين” وانسحابهم أمام الجيش الثامن الإنجليزي، تركوا خلفهم تلالا من البنادق والمدافع الرشاشة والطلقات النارية مكدسة في الصحراء، وكان طبيعيا أن يحترف بعض الأعراب عملية تهريب الأسلحة، وتكونت منهم عصابات ثلاثية تعمل بتنسيق متكامل، الأولى تحمل الأسلحة إلى الحدود، والثانية تعبر بها مجري النيل، ثم تسلمها إلى مجموعة ثالثة تضم غالبا أفرادا من “عرب المشارقة”، الذين كانوا يتولون بيع السلاح داخل البلاد.

ــ عندما عرضت الأسلحة والذخيرة في الأسواق بجانب الخبز

ويضيف “عيسي”: وزاد الطين بلة بعد الحرب أن شرعت قوات الاحتلال وحلفاؤها في تقصير خطوط انتشارها، فراحت هذه القوات تتخفف من الأحمال الثقيلة التي تملأ مخازنها ولم تكن في حاجة إليها، فبدأت تبيعها في المزاد العلني، وعلى رؤوس الأشهاد، وبينها كمية لا تحصي من المدافع والبنادق والمسدسات والطلقات من مختلف الأحجام والأنواع، ونتج عن هذا كله أن أصبح السلاح أرخص السلع في مصر.

ويلفت “عيسي” إلى أنه وفي الوقت الذي كانت أسعار الطعام ترتفع إلى درجة اختفى فيها الخبز يوما من أسواق  القاهرة، كانت الأسواق تعج بالأسلحة، وكانت الطلقات النارية تباع بالكوم. بسعر خمسة قروش للكوم الواحد (تل صغير)، ووصل ثمن البندقية إلي مائة وثمانين قرشا، فإذا كانت من نوع جيد ارتفع ثمنها إلي جنيهين. أيامها كانت القنبلة اليدوية تباع بمليم واحد، وكان المسدس الكبير بعيد المدى بثلاثين قرشا، وكانت المواد الناسفة المتفجرة ــ كأصابع الديناميت ــ مثلا تباع في صناديق، لا يكلف الصندوق الواحد من يشتريه أكثر من خمسين قرشا، وكانت الصحراء الغربية ــ فوق هذا ــ مليئة بكل هذه الأنواع، يعثر عليها المرء فوق الرمال، تنتظر من يجمعها ومن يستولي عليها.

ــ أسلحة البوليس المصري VS العصابات والمجرمين

ويشدد “عيسى” على أن المقارنة بين تسليح قوات البوليس المصري والعصابات في ذلك الوقت كانت في صالح الأخيرة: والشئ الغريب والمضح؛ أيضا أنه في الوجه المقابل فإن السلطة كانت منهارة انهيارا غريبا، فقد تحولت عصابات الأشقياء إلى حكومات فعلية في بعض المناطق، تفرض الإتاوات علي الأغنياء وتجبيها منهم وتصدر الأحكام على الممتنعين عن الأداء، ثم تنفذ الأحكام في وضح النهار، وبلغت قوتها الدرجة التي جعلت الأعيان وأصحاب النفوذ وأعضاء البرلمان يتحالفون معها ويحمونها، وتحميهم.

ويضيف “عيسي”: وكانت أسلحة البوليس ــ كما وصفتها صحيفة معاصرة لهذا التاريخ ــ لا تصلح إلا للزينة، كانت من طرز عتيقة، يرجع تاريخ أحدث أنواعها إلى أوائل القرن، فالبنادق من النوع القديم تعبأ طلقة بطلقة، وإذا فرض وانطلقت الرصاصة ولم تنحشر في الماسورة، فإنها لا بتعد أكثر من أمتار معدودة، وقد أدي هذا ــ مع عوامل أخرى ــ إلى زيادة إحساس أولاد الليل بتفوقهم على رجال البوليس باستمرار، فالأشقياء مزودون بالــ “تومي جن” والــ “لي أنفيلد”، وغيرها من الأنواع التي تصيب على بعد ألف متر.