رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

«أنفاس القاهرة».. كاتبة ألمانية ترصد أفراح وأحزان أبناء المحروسة الشقيانين: يعملون بكرامة وشغف

جريدة الدستور

تجذب مدينة القاهرة الساحرة الكثيرين من المؤلفين والرسامين والأثريين حول العالم، لاستكشاف المزيد من سحرها وتاريخها وما عاصرته من أحداث منذ أن أسسها جوهر الصقلى عام ٩٦٩ ميلاديًا، لتصبح عاصمة الحكم للدولة الفاطمية، لكن ماريانه ماندا، الكاتبة الألمانية، اختارتها لتكون وطنها الثانى. سجلت «ماندا» ما رأته فى مصر فى كتاب، أعطته عنوان «أنفاس القاهرة» أصدرته دار النشر «Tandem» أواخر العام الماضى فى ٤٩١ صفحة، وصدر بنسختين باللغتين الألمانية والعربية، وترجمته للنسخة العربية المترجمة ماى هوبر.

ووفق مراجعة عن الكتاب للناقد الألمانى، فولكر كامينسكى، نشرها من خلال موقع «قنطرة»، فإن «ماندا» ولدت عام ١٩٤٣ فى مدينة كيمبتن فى ألمانيا، حيث عملت مهندسة لتخطيط الحدائق والمناظر الطبيعية، ودرست الرسم منذ عام ١٩٧٨ إلى ١٩٨٢، فى أكاديمية الفنون الجميلة فى ميونخ، وفى ١٩٨٤ حصلت على دبلوم فى الرسم الحر والجرافيك من أكاديمية الفنون.

وقال إن تأثرها بالفن يبدو ملحوظًا بشكل واضح فى كتابها عن القاهرة، لأنها «صورت أبطال الحياة اليومية فى القاهرة بطريقة هندسية، حيث قدمت فى الكتاب المُطعم بالصور والنصوص، وجهة نظرها الفريدة عن القاهرة الكبرى، فى أكثر من خمسين صورة، أعطت نظرة ثاقبة مؤثرة على حياة أولئك الذين يعيشون فى هذه المدينة الكبيرة التى يبلغ عدد سكانها الملايين». 

وأضاف «كامينسكى»: «قدمت ماريانه نماذج كثيرة للمصريين البسطاء الذين يعيشون فى القاهرة وأيضًا الأكاديميين الذين يعملون بكرامة وشغف، ومنهم ملمعو أحذية فى شوارع القاهرة، قدِموا إلى العاصمة بعد أن هجروا قراهم الصغيرة فى صعيد مصر فى سن صغيرة».

يضطلع أبطال «ماندا» المصريون بأعمال وحرف متواضعة وقديمة توارثوها عن الآباء والأجداد، مثل البقالين، والخبازين، والخياطين، وبائعى الزهور، ونوادل المقاهى، وبائعى الإكسسوارات، ونجارى إطارات الصور.

وأبرزت الكاتبة فى مؤلفها العديد من المهن التقليدية مثل «المكوجية» المنتشرين فى شوارع القاهرة، الذين يفردون ألواح الكى الخاصة بهم، ومنهم رضا حميد سعيد صقر الذى يقف على الرصيف كل يوم ويمرر مكواة ساخنة على القمصان والسراويل.

كانت نقطة البداية لكتاب «ماندا» هى الاختيار الواعى، حيث ركزت على مكان إقامتها فى وسط القاهرة فى شارع تجارى مزدحم، حيث تمكنت من التعرف على معظم أصحاب المحلات، الذين تمر عليهم يوميًا فى طريق ذهابها وعودتها.

كما أجرت مقابلات والتقطت صورًا للعديد من سكان منزلها، وهو مجمع سكنى كبير عمره ١٠٠ عام، ومن بين الصور هناك قصة مميزة لراقصة الباليه الشهيرة دكتورة مايا سليم، أو كما تطلق عليها ماريانه «أسطورة باليه القاهرة».

ووفق «كامينسكى» اختارت «ماندا» الشارع الذى تسكن فيه النابض بالحياة الذى يربط شارع طلعت حرب بشارع قصر النيل، وهو الشريان الرئيسى للحركة التجارية فى وسط البلد، التى رأت فيه شجاعة المصريين فى مواجهة الحياة، وتقواهم، وتواضعهم. 

كتبت «ماندا» عن القاهرة والمشاهد التى لا تضاهى فى أى مدينة أخرى فى العالم، وبإحساس شديد باللهجات غير العادية، ترافق ماندا أبطالها خلال مواقف الحياة اليومية، على سبيل المثال ذكرت قصة حياة سائق سيارة أجرة كان موظفًا ثم بلغ سن التقاعد، وأصبح خبيرًا فى القيادة يجوب الطرق وسط زحام القاهرة الشهير.

بوعى شديد تحدثت الكاتبة عن مهنة «سائق التاكسى» الذى لم تذكر اسمه، قائلة إنه يستقبل الضيوف الدوليين من المطار وينقلهم بأمان إلى وجهات فى جميع أنحاء المدينة، مضيفة أن لديه حلمًا أخيرًا حاليًا هو الحج إلى مكة، حيث سينضم إلى أفواج من الحجاج من مختلف دول العالم، ليطوفوا حول الكعبة.

وقال «كامينسكى» إن أحد الجوانب الأكثر سحرًا فى الكتاب هو الملاحظات التى دونتها الكاتبة عن الحياة الاجتماعية والتاريخ، على سبيل المثال، تحت عنوان «الخبز»، تشرح كيف يجرى صنعه بطريقة تقليدية منذ آلاف السنين، وتقول إن الخبز هو الغذاء الرئيسى للمصريين منذ زمن بعيد.

وأضاف: «من المثير للاهتمام أيضًا ملاحظتها تفاصيل العمل فى الصيدليات، حيث عادة ما يكون هناك طبيب ممارس داخل أى صيدلية لفحص المرضى، وفى زيارة إلى حديقة حيوانات الجيزة، لم تبدأ (ماندا) بمدير حديقة الحيوان، ولكنها تحدثت أولًا عن أسطورة الخلق وحكت قصة عن آدم وحواء فى جنة مليئة بالحيوانات».

وتابع «كامينسكى»: «أصبحت ماريانه مثل المؤلفين العرب، حيث تعلمت فن الاستطراد من رواة القصص فى الشرق الأوسط، على الرغم من هذا، فإنها لا تفقد روحها كمؤلفة فى زحام المدينة، ولكن فى كل مرة تستقر بذكاء على الشخص الذى اختارته».

وأشار إلى أن «ماندا» ترصد أيضًا جانبًا آخر من القاهرة وهو التنوع فى الجنسيات التى تعيش وتعمل فيها، فمن بين أفرادها المميزين صحفى ألمانى، وقائد قطار يونانى أمريكى، وسفير ألمانى، وفيلسوف نمساوى محب للصوفية.

واستكمل: «ترى فى الكتاب ملاحظات ماريانه ماندا المحببة لأبطالها فى الحياة اليومية فى القاهرة، حيث تجدها تطرح سؤالًا فلسفيًا مثل: «لماذا ينبض قلب الإنسان؟»، ثم تسوق إجابة بسيط للغاية هى: «أن تكون قادرًا على التنفس!».

ورأى «كامينسكى» أن الكاتبة نجحت فى الدخول إلى عالم قلب القاهرة ببراعة مثيرة للدهشة والإعجاب، واصفًا قصصها بأنها «بوابة إلى الحياة اليومية والتقاليد فى مصر».

وتحكى «ماندا» قصصًا عن أشياء تستحق المعرفة، وأشياء سعيدة ومحزنة، وأشياء مدهشة، وأفراح الناس وأحزانهم، وهى نفسها فى جميع أنحاء العالم. 

وقسمت الكتاب لجزأين، للذين يعيشون فى الغرب ولا يعرفون عن الشرق شيئًا، وأيضًا لأشخاص يعيشون فى الشرق، ولديهم دراية بالثقافة العربية، لهذا السبب نشرته بلغتين الألمانية والعربية، حيث تتكون كل لوحة من نص ألمانى وعربى مع الصور، وبالتالى، فإن كتاب «أنفاس القاهرة» مناسب أيضًا ككتاب مدرسى يخدم التآلف بين الثقافات، فى ٥٣ فصلًا، تتناول أكثر من ٧٠ شخصية لكل منها عالمها الخاص.

واختتم «كامينسكى» بقوله «إنه من النادر أن يقربنا كتاب من مدينة ضخمة مثل القاهرة بطريقة سهلة وغنية بالمعلومات، ففى كل صفحة، يشعر القارئ بعشق ماندا لهذه المدينة وسكانها، وكانت النتيجة مجلدًا سحريًا مصورًا يدعو القارئ إلى الانطلاق فى رحلة خيالية عبر مدينة حيوية ومبهمة تفيض بمصائر البشر وأبطال الحياة اليومية.