رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

مهاجمة الإسلام السياسي في الغرب، هل هو استهداف للجاليات المسلمة أم للإخوان المسلمين؟

جريدة الدستور

أورد موقع "المجهر الأوروبي لقضايا الشرق الأوسط" وهو مؤسسة أوروبية، تعنى برصد تفاعلات قضايا الشرق الأوسط في أوروبا مقالًا متجنيًا فيه وخالطًا فيه بين الإسلام السياسي التي تمثله حركة الإخوان المسلمين والإسلام كدين عبادة، بعنوان "بميزانية مالية ضخمة.. الإمارات تطلق موقعًا إلكترونيًا لتشويه عمل الجاليات المسلمة في أوروبا".

حيث أسهب الموقع في فكرة غير متماسكة تشوبها ضعف البراهين، بأن موقع (عين أوروبية على التطرف) هو موقع يهدف
إلى تشويه صورة وعمل الجاليات المسلمة في أوروبا، وكذلك أنشطة منظمات الإسلام السياسي". وذلك من خلال موازنة ضخمة لذلك، تمكنه على استقطاب اساتذة أوربيين يقمون بكتابة مقالات ودراسات موجهة لتحقيق الاهداف الغير معلنة المتمثلة بعملية تشويه الجالية الإسلامية.

في الحقيقة أن ما أورده ذلك التقرير يشوبه الكثير من المغالطات والخلط بين المفاهيم، إذ خلط بين مفهوم "الإسلام السياسي" ممثل بتنظيم الاخوان المسلمين، وبين الدين الإسلامي كدين سمح؛ والحقيقة أن الهجوم ينصب فقط على "الإسلام السياسي" متمثلًا بالإخوان المسلمين.

وقد خبرت الشعوب العربية فشل منظومة "الإسلام السياسي" التي اجتاحت العالم العربي إبان الثورات 2011 والتي كانت عوامل فنائها وفشلها بداخلها، بعد أن تكشفت مسالك الإخوان المسلمين وأهدافهم بإنهاء الدولة الوطنية، وكذبوا وقالو أنهم أردوا الإسلام دين دولة، حتى لم يكن لديهم مخطط لدولة إسلامية مدنية، بل أرادو السلطة وعملوا من أجلها استمرارها في أيديهم، وبدأوا يأسسوا لفقه دولة لم يرد في القرآن.. واستغلوا بعض الآيات ليبرروا فعلتهم.. واستحضروا الفقه القديم ويكفرون من ينكرهم!!

وظلموا أشد ممن ظلم قبلهم.. وكانوا نموذج غاية في السوء. هذا هو النموذج الاسلامي المقصود من الهجوم، وليس" الجاليات الإسلامية"، فأوربا كانت من الأوائل في استقبال المسلمين وشملتهم بالحماية والرعاية والمساوة بالمواطنين الأوربيين، إذ يعيش فيها حوالي مليون سوري كلاجئين بعد نشوب الصراع في منطقة الشرق الأوسط إبان ثورات الربيع العربي عام2011. وبالتالي هناك ضرورة كبيرة لتفيد ما يثار على مواقع الأخبار والانترنت حول تلك القضية وايجاد أليات لعدم الخلط بين بين "تنظيم الإخوان المسلمين" الذي خرجت من عباءته معظم التنظيمات الإرهابية، وبين المسلمين الأخلاقيين الرافضين لمنطق أدلجة الدين وتدنيسه في حلبة الصراع السياسي!!؟؟"

أوربا تعيد النظر في تواجد تنظيم الإخوان على أرضها بعد عام 2011
يعتبر ما أفضت له ثورات الربيع من فوضى في المنطقة العربية، مرحلة مفصلية لجميع الدول العربية والغربية بالنظر الى تنظيم "الإخوان" بعد فشله في الحكم، وانتهاجه أساليب مختلفة للعودة الى الحكم تدرجت من العنف الرمزي وعدم قبول الآخر الى مستويات عالية حتى المسلح منه.

وقد مثلت أوروبا حاضنة وملاذ آمن لجماعة "الإخوان المسلمين" منذ خمسينيات القرن الماضي، للإخوان الذين هربوا إبان الحكم الناصري والبعثي من سوريا، وصلوا أوربا بشكل متتابع وأسسوا مع الوقت بشكل متزايد شبكة واسعة من المراكز والجمعيات بداية من "المركز الإسلامي" في جينيف عام ١٩٦١، علي يد سيعد رمضان السكرتير الشخصي لمؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، وليس انتهاءًا بمجموعة كبيرة وحسنة التنظيم من المساجد والمنظمات الإسلامية التي حملت فكر الإخوان المسلمين، وإن لم تكن كلها بالضرورة خاضعة لتوجيهات تنظيم الإخوان الدولي. واستمرت مرحلة بناء المؤسسات ومد الجسور مع المؤسسات الأوروبية لتثبيت وتقوية وضع المسلمين سياسيًّا واجتماعيًّا، فحتى عام 1989 كان هناك ما لا يقل عن 1000 مؤسسة تعمل في مختلف المجالات.

في البدايات كانت أهداف تلك الجمعيات مرتبطة بالظروف التي خلقتها، وهي مساعدة الهاربين من الاضطهاد في العالم العربي، لكن تطورت تلك الأهداف تدريجيا بشكل نوعي، وبحسب ريم تولتش الصحافية بالمعهد الفرنسي للشرق الأدنى: "أن إخوان أوروبا انتقلوا من مرحلة فقدان الهوية إلى مرحلة الشعور بها والحاجة إلى إبرازها، وتحولت أوروبا من منفى مؤقت إلى موطن استقرار، ونتج عن هذا تغيير في المفاهيم الشرعية المؤصّلة لحالة المسلمين في الغرب، وانتشار مفهوم (فقه الأقليات) الذي يبحث ويُصدر الفتاوى الخاصة بالمسلمين في خارج بلاد الإسلام".

وقد عمل تنظيم الإخوان بعد أن اطمأن على استقراره في أوربا وفقا لرؤية خاصة كانت قد كشف عنه محضر اجتماع "لجنة الدعوة والجاليات" في بريطانيا بتاريخ ١٩٨٤٥٢٦، ونقله موقع اخوان ويكي، وتمثل في: "خلق تيار بين المسلمين المقيمين في بريطانيا للضغط على الحكومة البريطانية للاعتراف بالإسلام كدين رسمي في هذا البلد، وعمل إحصائية تفصيلية عن المسلمين في بريطانيا، والتركيز في الدعوة على الأبناء أكثر من الآباء، نشر الفقه الإسلامي بين الجاليات، إيجاد نوادٍ للشباب، واستحداث أنشطة تواكب تطورات العصر لجذبهم إليها".

وهذا يعني أن الإخوان سعوا في أوروبا إلى عزلة المسلمين عن الدولة الوطنية، وزرع فكرة أن المسلمين يجب أن يكونوا ضمن مجتمع متماسك اسلاميا حسب رؤية الإخوان؛ مما يعطيهم المجال في كسب هؤلاء المسلمين كاتباع لهم وايهامهم بأن الدولة لا تعطيهم جميع حقوقهم وأن الجماعة هي القادرة على جلب حقوقهم كمواطنين أوروبيين، لذلك انشأت المؤسسات الموازية ضمن إطار تشكيلات المجتمع المدني كالمدارس والمراكز الثقافية والجمعيات الخيرية.

وهو ما يعتبر احدى المعيقات التي تحد من إمكانية المجتمع الاسلامي المصغر داخل دولة الحريات من الاندماج بالمجتمع.

وهو ما قد يكون شكل خطرا مزدوجًا فيما بعد، ضد المجتمع الأوربي، في أن يقابل احد المتطرفين من ذلك المجتمع المصغر، أو المجتمع الإسلامي نفسه، بعدما ارتفعت الإسلام فوبيا، وهو ما يعنى خلق طائفية خافتة.

وفي الواقع أن القوانين الأوربية كانت تسمح بكل أشكال الممارسات الدينية والدعوية، حتى أن الحكومات والمراكز البحثية الأوربية لم تكن لتلتف لذلك، لم يتواتر لها بشكل خاص إفراد تقارير مخصوصة عدا الجهود الفردية، لبحث ظاهرة الإسلام السياسي، لترصد الخارطة الأيديولوجية للإسلاميين على اختلاف مكوناتهم، وكذا بنيتهم التنظيمية، وعلاقتهم بالسلطة والغرب.

لكن ما كان مفصليا هو دور الإخوان المسلمين في المشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط، والذي كان بمثابة ناقوس أوربا لمرحلة ما يمكن تسميتها "إدراك مخاطر الإسلام السياسي"، وهو ما حذر منه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشكل دقيق وماهر، حيث وجه انتقاده للإسلام السياسي وليس "المسلمين العاديين"، قائلًا: "إن الإسلام السياسي يمثل تهديدا ويسعى للانعزال عن الجمهورية الفرنسية".

وقد تعززت هذه المدركات لطبيعة الانتشار لمؤسسات الإخوان في أوربا، بعد عمليات التفجيرات الإرهابية التي اجتاحت أوربا، ولا سيما فرنسا، وكذلك بعدما سلطت العيد من المؤتمرات الضوء على تلك المؤسسات ودعمها للفكر المتطرف، مثل مؤتمر "الاستثمارات القطرية في أوروبا بين السياسة والإرهاب - فرنسا نموذجًا" في يوليو 2017، الذي عقد في باريس، وأوضخ "أن هناك 242 جمعية إخوانية تمولها قطر في فرنسا فقط، بدعوى مساعدة مسلمي فرنسا، لكنها في الحقيقة تستهدف من وراء ذلك الدعم نشر الفكر المتطرف وتقديم الإخوان للغرب كجماعة دينية تتقبل العمل بمبادئ الديمقراطية، على الرغم من وجود وثائق إخوانية تثبت رفض الجماعة النموذج العلماني الفرنسي".

وكان تقرير فرنسي يرصد ظاهرة "تصاعد الإسلاميين" في أوروبا بعنوان "صناعة الإسلاميين" الذي أصدره معهد "lamontaigne" في سبتمبر 2018، حذر فيه من "الأيديولوجية التي يحملها أولئك الإسلاميون واعتبرها تمثل خطرا على المجتمعات الغربية، إذ تقدم رؤية مختلفة للعالم، وتؤسس لقيم متعارضة مع قيم المجتمع الغربي، فهي تؤسس لمنطق الجماعة ضد الفرد، ومنطق المعايير الدينية ضد الفردية الليبرالية، ومبدأ اللامساواة بين الرجل والمرأة ضد الطموح نحو المساواة".

وأوصي المركز بضرورة، الانتباه لتلك الظاهرة، ودفعها نحو التكيف والملاءمة مع السياق الثقافي الفرنسي، ودفعها نحو الاعتدال أو الاندماج في النسق الثقافي والسياسي، وذلك من خلال تفكيك الأيديولوجية، ومحاصرة مجال امتدادها، بكل الأدوات الثقافية والتربوية والإعلامية، والأمنية والاستخباراتية والقانونية والتشريعية والدبلوماسية إذا لزم ذلك.

واضح من ذلك الاستعراض أن هناك تميزًا واضحًا من الأوربيين بين "الإسلام السياسي" كرافد للفكر المتطرف، وبين المسلمين المتسامحين العاديين، رافض تعبئة وتحريض المجتمع ضد المسلمين بشكل عام.