رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

«قاعدة الانغماس في العدو» لابن تيمية.. كيف شوه المتطرفون نصوص الشرع؟

عملية انتحارية
عملية انتحارية

من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في التراث الإسلامي، شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي دائما ما تستشهد الجماعات الإرهابية بأقواله وفتاويه في عملياتها الإجرامية، خاصة المتعلقة منها بالجهاد، ومن هذه الفتاوى "قاعدة الانغماس في العدو" ضمن كتابه مجموع الفتاوى في الجزء 28، وقد تمت طباعة القاعدة في كتاب منفضل أكثر من مرة، ونالت عشرات التحقيقات والشروح.

ورغم أن القاعدة كتبت في ظرف تاريخي مباين لما نحن فيه اليوم، وجاءت في إطار محاربة جيوش التتار في ظل الخلافة الإسلامية حينها، إلا أن هذه القاعدة تعتبر أحد أهم المراجع الفقهية التي يستند إليها المتطرفون والجماعات الإرهابية، في عملياتهم الانتحارية، يستشهدون بها ويجعلونها شعارا لهم مثلما يستخدمون آيات القتال في القرآن الكريم وينزلونها في غير مواضعها، السطور التالية تكشف كيف يحرف الجماعات الإرهابية آيات الجهاد لتنفيذ عملياتهم الإجرامية، وقاعدة الانغماس في العدو لابن تيمية نموذجا.

العمليات الانتحارية

يطلق عليها حاليا العمليات الاستشهادية، أو الانتحارية وjلجأ إليها الجماعات المسلحة عن طريق تفخيخ أحد عناصرها أو بعضهم بالأحزمة الناسفة والمتفجرات، ثم يدخلون بها في تجمعات معارضيهم سواء كانوا من قوات الأمن أو غيرهم من الأهداف التي تسعى هذه الجماعات لتدميرها، وهذه الصورة يعتبرها أصحابها ترجمة واقعية للانغماس في العدو وآيات الجهاد ومنها قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) [التوبة: 111]، رغم عدم وجود أثر لها في كتب الفقهاء المتقدمين حتى في قاعدة الانغماس في العدو لابن تيمية التي يجعلونها عمدتهم في هذا النوع.

مفاجأة

المفاجأة الأولى التي تواجهك عند مطالعة قاعدة ابن تيمية أنه يركز على الجانب "العددي" في مواجهة الأعداء أثناء الجهاد المسلح، وليس التخلص المباشر من النفس على الصورة التي نراها حاليا في العمليات الانتحارية، ويركز ابن تيمية كغيره من الفقهاء المتقدمين ومنهم الأئمة الأربعة على أن الموت في حالة الانغماس يكون على يد الأعداء، وليس قتل النفس، والتخلص منها بالتفجير ونحوه.

ويستند الفقهاء في الجانب العددي، ومنهم ابن تيمية- إلى الأصل التشريعي الذي يحدد متى يمكن للمسلمين الدخول في قتال العدو ونسبة أعدادهم بأعداد جيوش العدو في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ. الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال:65-66].

والواضح من هذه الحالة أنه لا مجال هنا لمسألة التفخيخ أو التفجير، وإنما الحديث كله يتحدث عن الكفاءة من ناحية العدد والقوة.

صور الانغماس

يحدد ابن تيمية 3 صور للانغماس ليس من بينها العمليات الانتحارية فيقول:

"عنوان المسألة وصور لها:
وهذه المسألة هي في: "الرجل أو الطائفة يقاتل منهم أكثر من ضعفيهم إذا كان في قتالهم منفعة للدين، وقد غلب على ظنهم أنهم يقتلون".
الصورة الأولى:
كالرجل: يحمل وحده على صف الكفار ويدخل فيهم.
ويسمي العلماء ذلك: "الانغماس في العدو"؛ فإنه يغيب فيهم كالشيء ينغمس فيه فيما يغمره.
الصورة الثانية:
وكذلك الرجل: يقتل بعض رؤساء الكفار بين أصحابه.
مثل أن يثب عليه جهرة إذا اختلسه، ويرى أنه يقتله ويغتفل بعد ذلك.
الصورة الثالثة:
والرجل: ينهزم أصحابه فيقاتل وحده أو هو وطائفة معه العدو وفي ذلك نكاية في العدو، ولكن يظنون أنهم يقتلون.
فهذا كله جائز عند عامة علماء الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم".

ويؤكد ابن تيمية أن هذا الحال يكون وقت القتال مع الأعداء، وينقل اتفاق المذاهب الأربعة على ذلك، فيقولك

"اتفاق المذاهب الأربعة على جواز هذه الصورة
وليس في ذلك إلا خلافا شاذا وأما الأئمة المتَّبعون كـالشافعي وأحمد وغيرهما فقد نصوا على جواز ذلك ، وكذلك هو مذهب أبي حنيفة، ومالك وغيرهما .
ودليل ذلك: الكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة".

أحوال القتال

يفرق الفقهاء بين القتال والقتل، فالقتال يكون بين فئتين وقت الحرب، أما القتل فيكون من طرف واحد، وتسير جميع آيات القتال في القرآن الكريم على هذا النحو ولا تفرق الجماعات الإرهابية بين هذه وتلك ولذلك ينزلون هذه الآيات في غير مواضعها ويستشهدون بأقوال الفقهاء التي تتحدث عن الجهاد وفقا لما نص عليه الشرع بما يوافق هواهم.

ويفرق ابن تيمية بين نوعين من الجهاد وقت الحرب، كما كان في عصره خلال محاربة التتار، فيقول:

" وهذا الذي يقاتل العدو مع غلبة ظنه أنه يُقتل قسمان:
أحدهما: أن يكون هو الطالب للعدو؛ فهذا الذي ذكرناه .
والثاني: أن يكون العدو قد طَلَبَه، وقتالُه قتال اضطرار؛ فهذا أولى وأوكد.
ويكون قتال هذا: إما دفعًا عن نفسه وماله وأهله ودينه.كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون حُرمته فهو شهيد" .
قال الترمذي : "حديث حسن صحيح" . ويكون قتاله دفعًا للأمر عن نفسه أو عن حرمته ، وإن غلب على ظنه أنه يقتل إذا كان القتال يُحَصِّل المقصود، وإما فعلا لما يقدر عليه من الجهاد، كما ذكرناه عن عاصم بن ثابت وأصحابه".

فهم مغلوط وتشويه متعمد

وبالمقارنة بين تعريف الانغماس في العدو الذي ذكره الفقهاء، وبين العمليات الانتحارية التي يعمد فيها الشخص إلى تفجير نفسه بين جموع العدو، نجد أن هناك فرقا كبيرا بين الاثنين، فالانغماس يعتمد على الكفاءة العددية والاضطرار، ويكون فيه الموت بيد العدو على جبهات القتال، مثل حال العمليات الفدائية التي ينفذها الجنود خلف خطوط العدو، وأبرز مثال عليها حرب الاستنزاف التي خاضها الجيش المصري ضد الاحتلال الصهيوني في سيناء، ولا يقتل فيها الجندي نفسه، بل يقتله الأعداء، أو يغلب الظن على قتله خلال ذلك أكثر من عودته.
أما العمليات الانتحارية، فهي أن يتعمد الجندي أو غيره وضع متفجرات حول نفسه ويلقي بنفسه بين الأعداء ويفجرها بينهم، والموت في هذا الحالة يكون مؤكدا وبيده وليس بيد العدو، وقد اختلف العلماء في مشروعية ذلك وقت الحرب، فمنهم من أيد هذه العمليات ومنهم من جعلها انتحارا يوشك صاحبه أن تورد بصاحبها المهالك في الآخرة وهو ما ذهب إليه الشيخ الألباني فقال: "أن هذا النوع من التفجيرات ليست من الجهاد، ويخشى على من قتل نفسه بهذه الطريقة أن يكون خالدا مخلد في النار". (موقع الألباني في الإنترنت).

وهذا الخلاف بين العلماء جاء حول من يجوز لهم الجهاد في الجيوش النظامية، فماذا يكون الحال مع الجماعات الإرهابية التي تكفر المسلمين، وتستخدم العمليات الانتحارية التي يسمونها انغماسية ضد الآمنين؟ إنهم الإرهابيون.