رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

عبد المنعم العدوي لـ«أمان»: الأوقاف تتعرض لمذبحة منذ عهد «عبد الناصر» - حوار

جريدة الدستور

تيار الفساد أقوي من تيار الإصلاح في إدارة الأوقاف
يتوجب على الدولة أن تصلح ما بيدها من أوقاف لا أن تهدمها
عبد الناصر ضرب الأوقاف الإسلامية في مقتل والسادات أحياها بإنشاء هيئة الأوقاف سنة 1970م
مجمع البحوث الإسلامية تصدى مرتين للهجوم علي الأوقاف مرة أثناء قانون عام 2008م، والأخرى ضد مزاعم الخارجية الامريكية بخصوص أوقاف المسيحيين
المرحوم الشيخ الذهبي تصدي لكل القوانين والمحاولات التي تنال من هيبة الأوقاف
عبد المنعم النمر كشف ما أصاب الأوقاف من ضرر فى مجلس الشعب


مؤخرًا رفضت هيئة كبار العلماء مشروع مقدم من اللجنة الدينية بمجلس الشعب يخص تعديل بعد مصارف الأوقاف لصالح ميزانية الدولة العمومية، معتبرة أنه ذلك يخالف شرط الواقف وهو المشروع الذي عرف بمشروع "محلب" رئيس الوزراء الأسبق.

أحيا قرار جبهة العلماء صراع القديم بين الدولة وهيئة الأوقاف، مما جعلنا نستدعي ذاكرة التاريخ لمعرفة تاريخ هذا الصراع من بدأه وكيف انتهي.

الدكتور عبدالمنعم العدوى هو أحد المتخصصين في تاريخ الوقف الإسلامي، له خبرة كبيرة في التعامل مع وثائقها من خلال دار الوثائق القومية وإدارة ذاكرة الأزهر باعتباره أحد القائمين عليها، وتحدث في حوار خاص لـ"أمان".

إلى نص الحوار...

◄ لماذا خرج رأي هيئة كبار العلماء برفض مشروع تعديل قانون الوقف وهل هذه تعد فتوي ام ماذا؟

الحقيقة أن رأي هيئة كبار العلماء لا يعد فتوى أورأيًا فقهيًا جديدًا بل هو وكما ورد في قرار هيئة كبار العلماء ومن قبلها مجمع البحوث الإسلامية والذي جاء فيه أنه (لا يجوز شرعًا تغيير شرط الواقف، فشرط الواقف كنص الشارع) وعلى ذلك اتفقت كلمة الفقهاء قديمًا وحديثًا، ومن ثم لا يجوز بأي ذريعة مخالفة شرط الواقف، أو التصرف في الوقف على غير ما شرطه.
وعلى هذه الأسس جرى تأسيس الأوقاف والتقاضي حولها لدى علماء المسلمين وأمام المحاكم الشرعية عبر مختلف العصور، والتي ضمت صفوة من علماء الإسلام.
ومن ثم فإن مجمع البحوث الإسلامية وهيئة كبار العلماء قاما بالدور المنوط بهما وهو بيان الحكم الشرعي في الموضوع على الوجه الأكمل، ودون تجاوز بل كانت عباراتهما أقل حدة من آراء بعض العلماء، وهو الدور الذي قصرت فيه لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب.

◄ هل للحاكم أو الهيئة المنوبة عنه شرعا أن تحول شرط الواقف لصالح العام مثل كثير من الحدود التي أوقفها الشارع علي الحاكم للصالح العام؟

علينا أن نتوقف هنا أمام عبارة (الصالح العام) والمقصود منها، ويقتضي هذا الأمر إبراز عدد من النقاط:
أولًا: تنوع مصارف الأوقاف الخيرية الإسلامية، وهو تنوع ثري ربما لا يوجد له مثيل في تاريخ أي أمة من الأمم؛ حيث شملت هذه المصارف المؤسسات الدينية والتعليمية والاجتماعية والصحية وتشجيع البحث العلمي والابتكار، بل إن أكبر المؤسسات التعليمية المصرية في العصر الحديث قامت على أكتاف الوقف الخيري، وربما كانت جامعة القاهرة وأوقاف الأميرة فاطمة هانم إسماعيل نموذجًا يحتذى لأهم هذه المؤسسات، وقد حفلت وثائق الأوقاف بنماذج كثيرة جدًا توضح مرونة الأوقاف، وتوافقها مع مجريات العصر الحاضر.

ثانيًا: شمول المؤسسات الوقفية وتنوعها واستيعابها جميع عناصر ومكونات المجتمع المصري؛ حيث عكست كثير من الأوقاف روح الوحدة الوطنية، فنرى بعض الأقباط يقومون بإنشاء أوقافهم على مؤسسات دينية وعلمية إسلامية، وفي المقابل قام كثير من المسلمين بإنشاء أوقافهم على مؤسسات تعليمية وصحية واجتماعية لتقدم خدماتها لجميع المصريين دون تمييز، ولعل وقف أحمد باشا المنشاوي يعد نموذجا واضحًا على ذلك حيث ضمت مصارف وقفه مرتبات للحرمين الشريفين ولمدارس صناعية وأزهرية ولمؤسسات صحية وجمعيات خيرية إسلامية ومسيحية ويهودية.

ثالثًا: التأكيد على نزاهة إدارة الأوقاف، وحسن رعايتها؛ بهدف الحفاظ على أصولها وتنميتها، ومنع أي انحراف من قبل النظار يخرج بها عن الغرض السامي الذي أنشئت من أجله، ولذلك كانت شروط مؤسسي الأوقاف جزءًا رئيسيًا في نهاية كل وقفية يحدد الأساس الذي يسير عليه الناظر في إدارة الوقف، ويحول دون استغلال مقدرات الوقف لمصلحته الخاصة، مع مراعاة الظروف والمستجدات الاجتماعية والسياسية والإدارية، وهو ما يفسره وجود شروط في بعض الأوقاف تمنع تولي نظارتها ممن يحمل جنسية أجنبية إلى جانب الجنسية المصرية وغيرها من الشروط.

◄ "شرط الواقف كنص الشارع" حكم ثابت أم متغير؟
كلمة (حكم) تدل على الثبات، ولم تتجاهل شروط الواقفين مسألة حالة تعذر تنفيذ الحكم فكل الأوقاف نص في شروطها أنه عند تعذر الصرف على جهة ما فيحق للناظر أو من ينوب عنه توجيهه إلى مصارف أخرى محددة أيضًا في الوقف، وهذه المصارف لا تتعارض مع (المصلحة العامة).

◄ هل وقف أملاك المواطنيين لصالح الأعمال الخيرية يقف في باب الصالح العام الذي يجب أن تتدخل الدولة في توجييه إذا لزم الأمر ذلك؟

مسؤولية الدولة هي ضمان تنفيذ شروط الواقفين، والتصدي للمخالفات التي تحول دون تنفيذها، والضرب بيد من حديد على ناهبي أموال الأوقاف، وفيما يخص مبدأ (المصلحة العامة) فهل يذكر لنا معدو القانون أوقافًا تتعارض مع هذه المصلحة، وهل اكتفت الجهات الموقوف عليها من ريع الأوقاف حتى يوجه إلى غيرها؟
يجب أن نعلم شروط الأوقاف في الغالب تضمنت بنودًا لصرف (ما زاد عن الريع)- فالواقع يؤكد أن هناك مشكلات تواجه الدولة في توفير الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم، والعجز الشديد في مواردها رغم وجود الأوقاف (والأزهر وأوقافه خير دليل على ذلك)، فما بالنا إذا تم تغيير مصارف هذه الأوقاف إلى غير ما خصصت له، كما أن المجتمع في الظروف الراهنة يحتاج إلى نشر ثقافة العمل الخيري والوقف كجزء من الواجب الوطني في المرحلة الراهنة، وتحتاج الحكومة لكسب ثقة المجتمع، وإلا فإنها بإصرارها على القانون تفقد هذه الثقة.


◄ هل لو ثبت للدولة أن القائمين علي الأوقاف الإسلامية فاسدون.. فماذا تفعل؟
عندما يقوم شخص ما بعمل خير ثم يقوم شخص آخر باستغلاله بطريقة غير سليمة فهل العيب هنا فيمن قام بالخير أم في الشخص الآخر؟ الواجب على الدولة هنا التصدي للفساد المستشري في إدارة الأوقاف، والذي يمنع من الاستفادة منها على الوجه الأكمل، وتطبيق القوانين التي تحفظ كيانها، وتنمي مواردها.
فما معنى أن تؤجر الأوقاف أراضي مميزة في قلب العاصمة بجنيهات معدودة لمؤسسات ونوادي مشهورة ثم نفاجأ بأن هذه النوادي تقوم ببيع هذه الأمتار بملايين الجنيهات؟ وما معنى أن تقوم وزارة الأوقاف ببناء وحدات سكنية لمحدودي الدخل للمساهمة في حل أزمة الإسكان كجزء من دورها الوطني ثم تتحول أمام الجميع إلى محلات وكافيهات تباع بملايين الجنيهات؟ وغيرها من الأمثلة (داخل الوزارة وخارجها) التي توجب على الدولة أن تصلح ما بيدها من أوقاف.


◄ هل هناك سابقة تاريخية لتصدي هيئة كبار العلماء أو دار الإفتاء أو لجنة الفتوي لسيطرة الدولة علي الأوقاف وضم أملاكها لأي وزارة أو هيئة حكومية؟

فيما يخص الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية بالتحديد فنذكر له تصديه في سنة 1429هـ 2008م لقانون الوقف المصري لما تضمنه من مخالفات شرعية ودستورية، وقد قامت لجنة البحوث الفقهية بعمل مذكرة حول هذه المخالفات عرضت على مجلس المجمع في الجلسة الثانية من الدورة الخامسة والأربعين بتاريخ 1من ذي القعدة 1429ﻫ الموافق 30 من أكتوبر 2008م، وفي الجلسة الثالثة من الدورة السادسة والأربعين بتاريخ 13 من ذي القعدة 1430ﻫ الموافق 31 من أكتوبر 2009م عرض على مجلس المجمع بحث من الدكتور محمد شوقي الفنجري عن القانون ومخالفاته الشرعية والدستورية.

كما تصدى مجمع البحوث في بيان أصدره عقب جلسته بتاريــخ 30 من ذي الحجة 1432هـ الموافق 6 من ديسمبر 2010م لمناقشة ما ورد في تقرير الخارجية الأمريكية حول الحريات الدينية في مصر، وقد جاء في هذا البيان: " ومنذ عام 1952م ضمت الحكومة الأوقاف الإسلامية، بينما ظلت الأوقاف المسيحية قائمة، تديرها الكنيسة، وتحقق الحرية والاستقلال المالي للكنائس والأديرة والأنشطة الدينية المسيحية".

وجاء فيه أيضًا: "- أما إنفاق وزارة الأوقاف المصرية على المساجد دون الكنائس، فليس فيه أي تمييز سلبي.. ذلك أن وزارة الأوقاف إنما تنفق على المساجد من عائدات الأوقاف الإسلامية التي تم ضمها للدولة، والتي أصبحت الوزارة ناظرة عليها.. بينما ظلت أوقاف الكنائس والأديرة والمؤسسات الدينية المسيحية قائمة تديرها الكنيسة، وتنفق من عائداتها، وتحقق لها الاستقلال المالي عن الدولة".

◄ هل تري أن موقف الشيخ الذهبي قبل وفاته وتصديه لمثل هذه الواقعة مثل يحتذي به لوقوف أمام بعض توجهات البعض ضد قوانين الأوقاف؟

الحقيقة أن هذه الفترة شهدت يقظة في استرداد أموال الأوقاف الخيرية بعد ما أصابها من ضربات قاصمة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وقد بدأت هذه اليقظة بقرار الرئيس الراحل محمد أنور السادات بإنشاء هيئة الأوقاف المصرية في سنة 1970م، وهي خطوة رغم أنها كانت قوية إلا أنه من الواضح أن تيار الفساد كان اقوى منها، وقد ذكر الشيخ الشعراوي رحمه الله ما عاناه من فساد في الوزارة إبان هذه الفترة، وقد عرف عن الشيخ الذهبي رحمه الله تصديه لكل القوانين والمحاولات التي تنال من الأوقاف، وتمنع من عودتها إلى مصارفها الأصلية.

كما لا يمكننا أن نغفل الجهود الجبارة التي قام بها الدكتور عبد المنعم النمر في كشف ما أصاب الأوقاف الخيرية الإسلامية في مصر، وكتابه القيم (قصة الأوقاف) الذي ضمنه أهم ما حل بهذه الأوقاف في ظل قوانين عبد الناصر الاشتراكية، ولعل أوجز عبارة تلخص هذه الحالة ما ذكره رحمه الله في مجلس الشعب في جلسة 19 فبراير 1980م: "بأنه مذبحة ومأساة لفت الأوقاف في لفائفها السود".