رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

فى مديح سمير صبرى.. الذى كذب على عبدالحليم حافظ فصار بطلًا سينمائيًا

سمير صبرى - عبدالحليم
سمير صبرى - عبدالحليم

فى أسانسير عمارة السعوديين المطلة على كورنيش النيل بحى العجوزة، التقى العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ طفلًا أمريكيًا يُدعى بيتر، وقد فرح العندليب الأسمر عندما وجد هذا الطفل الذى لا يجيد إلا اللغة الإنجليزية، معجبًا بأغانيه وموسيقاه، وهذا ما أكده بيتر لجاره لعبدالحليم حافظ. 

من هذا الإعجاب نشأت صداقة بين مطرب مصر الأول والطفل الأمريكى الذى لم يكن قد تجاوز أعوامه العشرة، وأسفرت تلك الصداقة عن الكثير من الهدايا التى منحها عبدالحليم لـ«بيتر» على شكل أسطوانات وصور موقعة من عبدالحليم إلى بيتر.

 

لكن، بعد عام كامل، وفى نفس الأسانسير، رأى عبدالحليم حافظ جاره الطفل بيتر، وهو يقف إلى جانب جارهما اللواء جلال صبرى، وفوجئ عبدالحليم بأن الطفل يتحدث العربية بطلاقة، وينادى على اللواء جلال صبرى بكلمة «بابا». 

لقد انكشفت الخدعة التى استمرت عامًا كاملًا، واكتشف عبدالحليم حافظ أن هذا الطفل هو «سمير» ابن جاره اللواء جلال صبرى. وربما يكون ذلك الموقف هو الكذبة الأطول التى عاشها العندليب الأسمر. 

غير أنه، وأمام براعة الكذبة الصغيرة وإحكامها، وإتقان الطفل دوره وتقمصه شخصية الفتى الأمريكى، غفر له كذبته. لما رآه فيه من ذكاء وموهبة. وبالتالى لم تنهر الصداقة الناشئة بين عبدالحليم حافظ والطفل الصغير سمير صبرى. بل توطدت أكثر، لدرجة أن بيتر، أو سمير، طلب من عبدالحليم أن يصحبه إلى موقع تصوير مشهد من فيلم «حكاية حب»، وبكل مودة لبى عبدالحليم طلب الطفل، وتصادف أن ذلك المشهد كان خاصًا بأغنية «بحلم بيك» التى أداها عبدالحليم أمام الإعلامية آمال فهمى، وهنا طلب الطفل سمير من عبدالحليم أن يكون ضمن الحشد الذى يغنى أمامه العندليب تلك الأغنية. وهكذا، وبعد كذبة استمرت عامًا، وصداقة غريبة بين العندليب والطفل، جاء الظهور الأول لسمير صبرى أمام الكاميرا.

وُلِد الفنان الشامل سمير صبرى فى الإسكندرية بتاريخ ٢٧ ديسمبر ١٩٣٦، وعاش سنواته الأولى فى عروس المتوسط، وقد أثرت المدينة الساحلية فى تشكيل التكوين الثقافى لهذا الفنان الكبير، وقد كتب صبرى عن ذلك فى كتابه «حكايات العمر كله» الصادر عن الدار المصرية اللبنانية عام ٢٠٢٠: «أنا إسكندرانى وعاشق للإسكندرية التى شكلت وجدانى، وعشقت السينما والفن والمسرح من العروض التى كنت أحضرها مع عائلتى فى الإسكندرية، لكل الفرق الكبيرة التى كانت تزور المدينة الساحلية التى عاشت فيها أكثر من جالية أجنبية، وكان كل من يعيش فيها إسكندرانيًا مهما كانت جنسيته أو ديانته».

وفى صباه التحق صبرى بمدرسة كلية فيكتوريا العريقة، التى أسهمت بدورها فى إثراء ثقافته، على مستوى تعلم اللغات، وأيضًا على مستوى الاحتكاك بالآخر، إذ كانت المدرسة تحرص على جعل طلابها يقضون أسابيع من الإجازة الصيفية كل عام فى إنجلترا، ضمن برنامج دراسات صيفية فى جامعة أكسفورد، وتتضمن الزيارة الصيفية السنوية حضور طلاب فيكتوريا كوليج مهرجان وليم شكسبير الفنى فى بلدة سترانفورد، وقد أسهم هذا الأمر فى رعاية بذرة عشق الفن والمسرح والتمثيل التى زرعتها الإسكندرية فى قلب سمير صبرى.

لاحقًا، انتقل سمير صبرى رفقة والده إلى القاهرة، وهناك التقى عبدالحليم حافظ الذى مهد للفتى الموهوب طريقه للالتحاق بعالم الفن، وذلك بعد الكذبة البيضاء التى حبكها صبرى عندما تقمص شخصية الطفل الأمريكى «بيتر»، ومن ثم ظهوره ضمن المجاميع فى فيلم «حكاية حب»، وبعدها رافق عبدالحليم الطفل سمير صبرى إلى الإذاعة، وقدمه إلى لبنى عبدالعزيز بطلة فيلمه الأخير «الوسادة الخالية»، التى كانت فى تلك الفترة تقدم برنامج «ركن الطفل» باسم «العمة لولو»، فى إذاعة «البرنامج الأوروبى»، ومن هنا بدأت مسيرة سمير صبرى مع الإذاعة بداية من «ركن الطفل» ثم إذاعة «الشرق الأوسط» ليصل بعدها سمير صبرى لتقديم برامج «النادى الدولى»، و«هذا المساء»، و«كان زمان»، و«مشوار».

وهكذا، كان لعبدالحليم حافظ دور كبير فى تقديم موهبة سمير صبرى، الفنية، والإعلامية، إلى الجمهور، وإيصاله إلى المنصات الملائمة للانطلاق. إلا أن الأمر لا يتوقف على مسألة وجود عبدالحليم حافظ كجسر أوصل صبرى إلى قلب الوسط الفنى، لأن موهبة صبرى فرضت نفسها فى كل مكان وطأته قدماه.

لعب حسن الطالع أيضًا، والحظ، دورًا فى رسم مسيرة سمير صبرى، فمن الصدف الغريبة، أنه ذهب فى مرة وبعدما كان قد تواجد بشكل جيد على المستوى الإعلامى، لزيارة صديقته الفنانة لبنى عبدالعزيز فى الاستديو، وكان ذلك الاستديو يشهد تصوير فيلم «اللص والكلاب»، وتصادف أن أحد الممثلين من أصحاب الأدوار الصغيرة قد تغيب، فاقتنص سمير صبرى الفرصة وطلب من لبنى عبدالعزيز أن تتوسط له لدى المخرج كمال الشيخ، ليقوم هو بتأدية ذلك الدور، ووافق الشيخ، وقام سمير صبرى بتجسيد الدور من المرة الأولى وبتوفيق كبير، لدرجة أن كمال الشيخ نفسه وصفه بأنه «اكتشاف رائع». ليكون ذلك الدور الصغير البداية الحقيقية لسمير صبرى مع التمثيل.

ولم تكن تلك الصدفة الوحيدة التى خدمت سمير صبرى، إذ أسهمت صدفة أخرى فى تطوير مسيرته على المستوى الإعلامى هذه المرة، فقد جرى اختياره مرافقًا للضيوف الأجانب لمهرجان التليفزيون الدولى الأول فى الإسكندرية، وحدث فى ذلك اليوم، أن قدمت الإعلامية ليلى رستم النجوم الأجانب الذين حلوا ضيوفًا على المهرجان، ثم غادرت وقد نسيت أن تقوم بتقديم النجوم المصريين، وكادت تلك الغلطة أن تتسبب فى كارثة انسحاب النجوم المصريين من المسرح، وساد الهرج والمرج والفوضى فى الكواليس، وهنا سأل أحد منظمى الحفل إن كان هناك أى شخص من الإذاعة والتليفزيون يستطيع أن يقوم بتلك المهمة الطارئة، أى تقديم النجوم المصريين، ليقتنص سمير صبرى تلك الفرصة، التى قال عنها: فُتحت الستائر أمامى بالأضواء المبهرة لأول مرة. ناديت على نجومنا المصريين ورحبت بالنجوم الأجانب، وصعد الجميع على المسرح، ورائى أكثر من ٢٠ نجمًا، أعتقد أن القدر خدمنى وشجعنى على اختراع مواقف مؤثرة بين النجوم متأثرًا ببرامج الإذاعة التى كنت أعشقها «مطبات على الهواء»، بدأت بـ«جاردنر مكاى» بطل حلقات «مغامرات فى البحار»، ومعه سعاد حسنى، وقالت سعاد حسنى للنجم الأجنبى I love you فإذا به يأخذها بين ذراعيه ويقبلها، وصفق الجمهور طويلًا، فتشجعت وجمعت كل نجمين معًا فى مواقف مختلفة، ونجحت الفقرة نجاحًا كبيرًا.

هكذا، وبعد أن أوجد سمير صبرى لنفسه موطئ قدم فى المجالين الفنى والإعلامى، راح يطور بدأب مسيرته المهنية، خاصة فى مجال التمثيل، إذ راح يتدرج فى الأدوار الصغيرة ويتعلم من النجوم الذين عمل معهم، وعن ذلك يقول: فى السينما أديت سلسلة من الأدوار الصغيرة، التى تعلمت منها فن التعامل مع الكاميرا، ومع المهنة نفسها، حتى جاءت الفرصة الذهبية عام ١٩٧٤، فى فيلم «بمبة كشر»، مع أستاذى مخرج الروائع حسن الإمام، ونقلتنى الصدفة مرة أخرى إلى البطولة المطلقة، بعدما رفض كل النجوم الوقوف أمام البطلة الجديدة فى ذلك الوقت نادية الجندى، والمغامرة بأسمائهم فى فيلم من إنتاج زوجها الفنان الكبير عماد حمدى، ففزت ببطولة الفيلم بعد ترشيح الوزير يوسف السباعى لى، وحقق الفيلم نجاحًا كبيرًا، وتجاوز كل انتقادات النقاد وهجومهم على التهافت الجماهيرى عليه، حتى إنه ظل فى دور العرض عامًا كاملًا.

قاد نجاح فيلم «بمبة كشر» سمير صبرى لارتقاء السلم المهنى، فلقد أثبت جدارته فى القيام بأدوار البطولة المطلقة، لدرجة أن العروض انهالت عليه وبات مطالبًا بالمفاضلة بينها، وفى نفس عام عرض فيلم «بمبة كشر»، قام سمير صبرى ببطولة ٣ أفلام أخرى دفعة واحدة وهى: «البحث عن فضيحة»، و«الأحضان الدافئة»، و«فى الصيف لازم نحب»، وحققت جميعها نجاحًا ساحقًا، واستمر عرضها أكثر من ٢٠ أسبوعًا.

لقد كان العام ١٩٧٤ عام الحظ بالنسبة لسمير صبرى، ففيه كان انفجاره وإثباته لنفسه كممثل أمام الكاميرا، وذلك بعد أول ظهور له أمام الكاميرا كفرد ضمن المجاميع فى فيلم «حكاية حب» فى ١٩٥٩، أو ظهوره الأول بدور صغير فى فيلم «اللص والكلاب» عام ١٩٦٢، بمعنى أن الرجل احتاج إلى مسيرة مهنية تقدر بـ١٥ عامًا كاملة ليصل إلى منصة «البطولة».

وبعد عام الحظ ذلك راح سمير صبرى يوالى أعماله، بأدوار تتراوح بين البطولة أو الصف الثانى مثل: «بنت من البنات»، «لست مستهترة»، «امتثال»، «حب وكبرياء»، «حكايتى مع الزمان»، «بالوالدين إحسانًا»، وهو الفيلم الذى نال عن دوره فيه «جائزة عيد الفن» من الرئيس أنور السادات، ومن الأفلام الأخرى التى شارك فيها سمير صبرى أو قام ببطولتها: «رحلة الأيام»، «دقة قلب»، «التوت والنبوت»، «العيال الطيبين»، «القضية المشهورة»، «الحلوة عزيزة»، «عالم عيال عيال».. قبل أن يدخل فى مرحلة جديدة، وهى مرحلة الإنتاج لنفسه، عبر مجموعة أفلام مثل: «السلخانة»، «جحيم تحت الماء»، «دموع صاحبة الجلالة»، «أهلًا يا كابتن»، «منزل العائلة المسمومة»، و«نشاطركم الأحزان». ليصل بذلك مجموع الأفلام التى شارك فيها هذا النجم الكبير إلى ١٣٢ فيلمًا، تمكن من خلالها من تخليد اسمه فى تاريخ السينما المصرية، مثلما خلّد اسمه فى تاريخ الإعلام والإذاعة فى مصر.

سفير الحب

تمتع سمير صبرى طوال تاريخه بعلاقة متميزة مع الجميع، فلقد كان، وما زال، أحد أصحاب أعلى أرصدة «الذكاء الاجتماعى» فى الوسطين الفنى والإعلامى، وكان مثقفًا حقيقيًا، ولذلك نجده متشعبًا فى مختلف المجالات والحقول الفنية والإعلامية.

لكن تبقى علاقة سمير صبرى بمجتمع الأدباء مميزة وفريدة، إذ يندر أن تجد أديبًا يحرص على وصف ممثل أو إعلامى ومدحه، وهذا فى الأغلب بسبب انكفاء هؤلاء الأدباء على عوالمهم.

إلا أن سمير صبرى حظى بمجموعة من الألقاب التى أطلقها عليه عظماء الأدب فى مصر، فقد سماه يوسف إدريس «أمير البهجة»، وأطلق عليه خيرى شلبى لقب «صديق الكاميرا»، بينما سماه أنيس منصور «سفير الحب».