رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

في تعليم أولادكم.. اتركوا العيش لخبازه



(شكلك حافظ يا نُصة).. عبارة شعبية، تتردد عندما يكون المتحث مردداً لأشياء لا يفهم معناها ولا مغزاها.. ولكنها انطبقت كثيراً على طبيعة التعليم في مصر، خلال عهود سابقة، أفرزت جيلاً يردد ما تلقاه في المدارس دون فهم، لأنه اتخذ من الحفظ وسيلة للنجاح، وكان التلقي غير المفهوم وسيلة التعليم في مدارسنا، حتى وجدنا من لا يستطيع كتابة اسمه بشكل صحيح، وتلقينا خريجين لا يصلحون لسوق العمل في شيئ، لأن ما بين مناهج الدراسة التي تلقوها وبين ما يتطلبه المجتمع والعمل، كما بين السماء والأرض.. ولذا، كان لزاماً من تفجر ثورة في التعليم تحقق أهداف الجمهورية الجديدة التي يؤسسها الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي تقوم أساساً على العلم والتكنولوجيا.. وحسناً فعلت الدولة المصرية، متمثلة في وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، عندما وضعت مناهجاً، قال عنها الوزير المختص، الدكتور طارق شوقي، (سيكون التدريس بأفضل المناهج التي يتم تدريسها على مستوى العالم).. وأكد أن تلك المناهج خاصة ببلدنا، وتم إعدادها بعد الاطلاع على الكثير من مناهج الدول المتقدمة.. موضحاً أن مركز تطوير المناهج هو الجهة القائمة على هذه المناهج، من خلال التعاون مع كبرى المؤسسات التعليمية.. وقد تم وضع أفكار عن المناهج الجديدة، والتي تتماشى مع اختيارات العصر للمهارات المستهدفة.. وتم الاستعانة مسبقاً بخبراء دوليين، لكي يتم بناء هذه المناهج الجديدة وفقاً للخطط الذي قامت الوزارة بوضعها، مع العمل من خلال مؤسسات كبرى في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.. حتى جاءت المناهج الجديدة متحدثة عن الهوية المصرية، بالتوافق مع المعايير العالمية، وهذا هو استثمار مصر على مدار أعوام كثيرة قادمة، من خلال نظام جديد، الهدف منه الارتقاء بالعملية التعليمية، باستخدام التكنولوجيا الحديثة، للارتقاء بمستوى الطلاب، حتى يكون العلم، سلاحهم القوي في المستقبل.
يوسف، طفل في أسرتنا الصغيرة، التحق بالمدرسة لتوه، في مرحلة الـ KG1، أجلس إليه في مراجعة دروسه.. ما أثار انتباهي، هذه المناهج التي يُذاكرها، والتي لم نطلع عليها، عندما كنا صغاراً، إلا في سنوات متقدمة من المرحلة الابتدائية، أو بواكير مرحلة الإعدادية.. تُسابق فيها الكلمات الصور، وتستبق تشكيلاتها الإملائية مرحلتهم السنية.. تعليم يعتمد على الفهم، ويتبنى حالة من (التواصل) مع المجتمع الذي يعيشه الطفل.. وبقدر ما أشفقت على هذا الصغير من كم العلوم التي يتلقاها، وهو لايزال في سني تعليمه الأولى، بقدر ما تفاءلت بأن مستقبل هؤلاء الأولاد سيكون أفضل من سابقيهم.. لأنهم يتلقون مناهجاً تُحفز فيهم تخطي العمر، وتكون سبيلهم نحو تعليم حقيقي، يصنع من أبنائنا جيلاً حقيقياً، تحتاجه مصر في سنواتها القادمة.. ولذلك، بقدر ما تفهمت تلك الفورة التي أثارها أولياء الأمور، على مناهج السنة الرابعة الابتدائية، بقدر ما أيقنت أن هؤلاء الأولياء لا يملكون الصبر على التغيير، ولا يتفهمون أن طريق العلم شاق، ولكن ثماره وفيرة، إن هم أدركوا المرامي والأهداف التي تنتهجها الوزارة، وتصبو إلى تحقيقيها.
لا يدرك الكثيرون في مجتمعاتنا، أن التعليم سلوك اجتماعي، يحتاج سنوات حتى نرى أثار أي تغير يطرأ عليه، وأنه ليس كتجارب المعامل، التي تتحقق نتائجها فور توفير شروط تفاعلها.. سلوك ترسخت سلبياته على مدى سنوات طويله، ويحتاج إلى ما يقرب من هذه السنوات حتى تتغير ملامحه، ويستقر شكله ونظامه الجديدين.. لكننا في دولة تستعجل الزمن للوصول إلى أهدافها، دون التفريط في استخدام الوسائل والإمكانيات الكفيلة بتحقيق الهدف المنشود.. لكننا أيضاً بإزاء مواطن استراح لنظام التعليم القديم، القائم على الحفظ والتلقين، دون أن يُخرّج لنا من بين أبنائنا مبدعين مجددين.. مع أن هذه النظام القديم، أثقل كاهلهم، وحمّلهم بأعباء ضخمة، فاقت قدراتهم المالية، استنفذوها في دروس خصوصية، لأنه لم تكن هناك مدرسة حقيقية، ولم يكن هناك نظام تعليمي جاد.
أعود فأكرر.. أن ماليزيا، في العهد الأول لمهاتير محمد، قامت على البدء في نهضتها الحديثة بالتعليم، وشكلت لجنة من علماء دوليين، لوضع خطة لمناهج هذا التعليم، الذي ارتقى بها إلى ما وصلت إليه.. وكان من بين أعضاء اللجنة، العالم الراحل، د. أحمد زويل، وعالم الفضاء الأبرز، د. فاروق الباز.. ووضع الجميع مدة زمنية قدروها بين ثمانية إلى تسعة أعوام، يمكن للتجربة خلالها، أن تُبيّن ملامح التغيير المنشودة.. لكنها، ومع التطبيق الفعلي لمناهجها، استغرقت إثنتي عشرة سنة، حتى أبانت عن عبقرية النظام التعليمي الذي وضعه متخصصون في جميع المجالات، وحتى رأينا ماليزيا التي أبهرت العالم بتقدمها وحداثتها.. إذن فنحن في حاجة للوقت المحسزب والمدروس بدقة، وعلى الجميع أن يتفهموا ذلك.
وهكذا يفعل الرئيس عبد الفتاح السيسي وحكومته.. لكننا لا نجد المواطن الصبور، الذي ينتظر نتائج التغيير وهي تحدث في زمنه الطبيعي.. مواطن استسهل ما كان قديماً، حتى ولو حرج أبناؤه إلى سوق العمل، بعد إكمال مراحلهم الدراسية، وكانوا غير قادرين على مواجهته، لأنهم غير متسلحين بالعلم الذي يحتاجه هذا السوق.. وجدنا هذا المواطن يتدخل في أمور من المفروض أنه لا يناقشها، ولا يُثير بشأنها جدلاً، وكأنه أصبح خبيراً في نظم التعليم، مع أن هذه الأمور هي الشأن الخالص لمن يتولون مسئولية التعليم في مصر، حتى باتوا كالناعقين في الفرح.. وهنا أذكر، ونحن في مراحل التعليم، وقد كنا لانزال مع بقايا المعلمين العظماء والمدارس ذات الأنظمة الإدارية الصارمة، والأهداف التربوية القويمة، قبل أن يُصاب التعليم في مصر بالترهل والكساد.. أذكر كيف كان أهلنا يثقون في أهل التعليم، لا يناقشون اسلوب مناهج ولا نُظم امتحانات، لأن (أهل مكة أدرى بشعابها).
ومع هذا.. لا يمكننا المرور ـ رغم ما قلناه سلفاً ـ على دور المُعلم مرور الكرام.. فدور المعلم في توصيل المعلومة، أكبر من دور الطالب في تلقي المعلومة وفهمها.. المعلم يكون أسعد شخص عندما يتلقى طلابه المعلومات بدون مواجهة أي مشاكل، ومكافأة المعلم الحقيقية، عندما يجد طلابه متفوقين.. المعلم الكفء هو الذي يمارس جميع الأساليب الحديثة التي تسهل على الطالب الفهم، ولا يعامل جميع طلابه بالمثل، وإنما لكل طالب اسلوبه وطريقته في استقبال المعلومة وفهمها.. يستخدم المعلم الماهر الأدوات الحديثة، مثل الإنترنت وغيرها، لكي يعلم طلابه البحث عن المعلومات المختلفة، وألا يعتمدوا فقط على المعلومات التي يتلقونها منه.. ولا يقتصر دور المعلم على العملية التعليمية فقط، وإنما يصل دوره إلى المجتمع في شتى المجالات، فالمعلم هو أفضل قدوة لطلابه.. لذلك من أهم الأمور التي يجب أن يتحلى بها المعلم، النشاط والتفاعل في المجتمع ككل، وألا يقتصر دوره على العملية التعليمية، بل عليه أن يُفهم الطلاب أهمية المشاركة المجتمعية، سواء لأنفسهم أو للمجتمع، وأفضل طريقة لتعليمهم، أن يكون معلمهم أفضل مثال على المشاركة المجتمعية.. يعمل على تشجيع طلابه في الأنشطة المجتمعية والطلابية المختلفة، للاستمرار والسعي في مساعدة غيرهم، لأن العالم لن يرتقي إلا بمساعدة الآخرين.. المعلم هو الصورة المصغرة للمجتمع بالنسبة للطالب، وهو القدوة والمثل الأعلى له.. لذلك يجب عليه أن يكون حريصاً على ما يتعلمه الطلاب منه.. حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.