رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

وفى مزاحمة الفقراء لذة للمترفين

تعوّد المتابعون لصيحات الموضة فى العقود السابقة على قبول الصيحات المستحدثة تتسلل إلى سوق الملابس مع تغيير طفيف عن الأعوام السابقة، وكان التغيير لا يطال إلا اللون السائد أو التصميم المعتاد للملابس مع تغيير فى الجيوب أو الياقات، وفى الحقيقة كانت كلها ضمن الذوق المستساغ للعامة وكان من الممكن تقبلها بلا انزعاج، ولكن تلاحظ فى الآونة الأخيرة أن أسواق الملابس باتت تزخر بملابس غالية الثمن بعدما خرج علينا مصممو الأزياء بما سموها «موضة الفقراء»، وهى ملابس رثة مهترئة بين بنطال ممزق وتم ترقيع بعض فتحاته، وقميص مخرم وسترة تناسلت خيوطها، حتى البقع المفتعلة والمصطنعة باتت تزين ما تبقى من السترة.

هذه الظاهرة السلوكية، التى توجد ميلًا لدى الأثرياء بالتسلل لحياة الفقراء واقتباس أيقونات الفقر بل منافسة الفقراء فى تقليد أحوالهم- وُضعت تحت المجهر وبحثها علماء السلوك والمتخصصون فى العلوم الإنسانية والنفسية، وكانت النتيجة هى تفوق جوانب الإثارة فى حياة الفقراء على جوانب الهدوء والوتيرة الناعمة فى حياة الأثرياء، ولعل التاريخ الغنائى المصرى يذكرنا بالتغزل فى حياة الفقراء ومديح حياتهم فى قصيدة كتبها بيرم التونسى وهى «محلاها عيشة الفلاح»، التى تغنى بها خمسة مطربين عبر تاريخ الفن بدءًا من الموسيقار محمد عبدالوهاب وانتهاءً بالفنانة نجاة الصغيرة.

مَن يتمتع بجذور ريفية ربما يتذكر الخبز الأسمر، وهو إما مصنوعًا من طحين الشعير ويحتوى على نسبة عالية من الألياف الشوكية الظاهرة فى تركيبته، أو مصنوعًا من دقيق الذرة العوجاء وهى سلالة الذرة التى توشك على الانقراض، وربما أنها قد آلت إلى قائمة العلف الحيوانى، وكان هذا النوع من الخبز من نصيب الفلاح الفقير المعدم الذى لا يملك طينًا ويعمل أجيرًا باليومية، والغريب أن هذين النوعين من الخبز الأسمر الفقير يحتويان على نسبة بروتين أضعاف ما يحتويه خبز الذرة أو الخبز الأبيض الفاخر المعروف بـ«الفينو» الذى يكاد يخلو من البروتين.

تمر الأيام، ويصبح النوع الأخير من أغلى المخبوزات الصحية لنظام الحمية، وأصبح يُباع على شكل قوالب مقطعة إلى شرائح لطالبى الرشاقة والحمية الصحية وكذلك لمرضى القولون ويُباع فى عبوات بأسماء فرنسية وبأسعار تفوق البروتين وأندر أنواع الفاكهة. 

إذن التنازع حول توزيع الحصص وفق الفقر والثراء ليس هو الشاغل الأكبر لمجتمع الأغنياء، بل هو الاعتراف بما تقسمه الطبيعة من خيراتها وإعادة فهمه واستيعابه، فأبسط المأكولات وأرخصها كان من نصيب الفقراء بات فى حيازة الأغنياء تحت مبررات الحفاظ على الصحة تارة، ولأجل العودة للطبيعة مجددًا، وهو منهج الإقرار بحلاوة التوزيع الطبيعى لخيرات الحياة.

نظرة سريعة إلى المنتجعات السكنية التى تُسوق للأغنياء من حيث التخطيط والخضرة وإثرائها بأدوات الجذب مثل البحيرات والقنوات المائية التى تشبه الترع والمصارف الريفية، تؤكد حب النفس البشرية للعودة للطبيعة وشراء متعة الريف وإنفاق الأموال الباهظة لابتياع الهدوء والنقاء.

وحتى سلة الغذاء الريفى التى كان يقتات منها الريفيون والفقراء مثل الدواجن والبيض ومنتجات الألبان باتت هى الأخرى مطمعًا لأهل المدن، وأصبح لفظ «بلدى» المصاحب للبيض والسمن والطيور واللحوم والأسماء يحمل فى ذاته القيمة الأرقى والفائدة الأعظم.

المثير للدهشة فى هذا السياق أن لفظ «بلدى» الذى كثيرًا ما جاء على ألسنة النبلاء وجمهور الطبقة الراقية كما عهدناه فى سينما الأبيض والأسود كان يشير إلى الجودة الأقل وانعدام الرفاهية، بل أحيانًا خلو الموصوف من القيمة، ولكن تأتى الأيام لتجعل هذا المسمى «البلدى» يعتلى كل عناصر الجودة والرقى.

شهدت مصر منذ بداية السبعينيات تحولًا غريبًا فى نمط التوزيع السكانى غير المرشد، وهو ما يعرفه علماء الاجتماع بتمدن الريف وترَيف المدن، وهى الطفرة التى أتت بها الهجرة من الريف إلى المدن من ناحية، ومن ناحية أخرى تحويل الامتداد العمرانى فى المدن من المعمار الرأسى أى العمارات الشاهقة إلى المعمار الأفقى وهو المتمثل فى الزحف الأفقى بارتفاع طابق أو طابقين كما نشاهده فى المنتجعات المغلقة.

قد يظن البعض أنه لا ضرر من هذا التحول فى النمط السكانى، وهو مبادلة التريف بالتمدن، ولكن الحسابات العلمية فى مجال الاقتصاد تنذر بخطورة انحسار الإنتاج الريفى وتقلص سلة الغذاء الأخضر والحيوانى والداجنى جراء التهام المعمار الأسمنتى فى الريف الرقعة الزراعية الخضراء من ناحية، وتقلص الفلاحة والأداء الريفى فى الزراعة وتربية الحيوانات من ناحية أخرى، وهو الأمر الذى جاء بالتعاسة على أهل الريف وأهل المدن على حد سواء لأن سلة الغذاء هى الوعاء القومى لكل المصريين، كل هذا بعيدًا عن التحول السلوكى وتبعات تمدن الريف بعد إضافة أجهزة تكييف الهواء للبيوت، بما يستحيل معه تربية الطيور والاحتفاظ بفرن المخبوزات فى نفس المسكن.

نظرة عابرة لوصف الريف ومفهوم الفلاحة وقواعد الحياة المدنية وتوزيع النمط السكانى فى إنجلترا أو الولايات المتحدة الأمريكية، تضعك أمام الحسابات الصحية لإدارة الحياة ورفاهية السكان فى القطاع الريفى والمدن فيهما أو فى بقية البلاد الأوروبية التى احترمت معادلة البقاء بسهولة، ويسر الحصول على كل الخدمات فى الريف مثل خدمات التعليم والثقافة وأنشطة الوزارات والسفارات، وتحقق هذا الأمر بما نعرفه اليوم بالحكومة الإلكترونية وهى طفرة تقنية تتيح لقاطنى الريف الاستمتاع بكل الخدمات التى يحظى بها سكان المدن حتى وإن كانت حفلات الأوبرا.

إن لم نتدارك الأمر مبكرًا، فسوف تنطلق الثورات القادمة من قصور الأثرياء لنهب أكواخ الفقراء.