رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

شهادة حية على سنوات حاسمة

أغلب الظن أن الكاتب الصحفى الكبير ياسر رزق لم يضع نصب عينيه، وهو يرسم خطوط كتابه «سنوات الخماسين.. بين يناير الغضب ويونيو الخلاص»، تلك القاعدة التى وضعها الأستاذ محمد حسنين هيكل لمن يريد من بعده أن يقف فى المسافة ما بين الصحافة والأدب، وبين السياسة والسلطة وإدارة الحكم، وهى القاعدة التى ذكرها هيكل فى لقاءات خاصة وعامة كثيرة، ومفادها أن ما يكتبه الصحفى لا يزيد على عشرة بالمائة مما يعرف، فليس كل ما يعرف يقال، أو ربما لا يصلح كمادة للكتابة فى وقت حدوثه.

كان هيكل يدخر الكثير مما لديه من معلومات للكتب، أو لحين يأتى وقتها، فكانت له ذخيرة لا تنفد، ساعدت فى تكوين أسطورته الشخصية، والصحفية، ومكّنته من الاقتراب من دوائر الحكم، ليس فى مصر وحدها، بل وصولًا إلى دوائر صنع القرارات الدولية فى مختلف جهات الأرض، وعواصمها الكبرى.

وياسر رزق، حسب كتابه الجديد، وكتابات سابقة، لم يتوقف عن زيارة هيكل لسنوات طويلة، وكانت له زيارة أسبوعية ثابتة خلال سنوات الأستاذ الأخيرة، سواء لمحاورته، أو الاستماع إليه، أو لطلب المشورة، أو أيًا كانت الأسباب، كما أنه عمل طوال ما يقرب من ربع القرن إلا قليلًا، كمحرر عسكرى لمؤسسة «أخبار اليوم»، ما سمح له بالقرب من عدد كبير من صناع القرار، وقادة القوات المسلحة المصرية، والاطلاع على رؤيتهم لمجريات الأمور فى مصر.. ولهذا تكتسب شهادته، التى وصفها بأنها مجرد زاوية للرؤية لما جرى فى مصر من أحداث خلال سنوات ما بعد ثورة يناير وحتى ثورة يونيو، أهمية كبيرة، ربما حان وقت روايتها، وكشف ما كان يدور فى كواليسها، وملابساتها، لكنه قال كل ما عرف عن قرب، دون انتظار، ودون ادّخار.

فى هذه الوثيقة التاريخية التى كتبها ياسر رزق عن سنوات تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحكم فى مصر، وسنة انتقال السلطة إلى جماعة الإخوان، يبدو وكأنه يعرف جيدًا أين يقف، وما حدود خطوته المقبلة، يعرف جيدًا ما ينبغى كشفه وشرح تفاصيله الكاملة، وما يجب تجاوزه إلى حين، فلم يكتب إلا عمّا شاهده رأى العين، وما توثق من صدقيته، ومن حقيقة حدوثه مستندًا إلى روايات مؤكدة، مدعومة بأسماء رواتها، ومواقعهم من الأحداث، وكلهم من الأحياء الذين يستطيعون الرد أو النفى أو حتى التكذيب.

ربما تردد قليلًا قبل الشروع فى تدوينها تحت وطأة السؤال عن التوقيت، وهل تأخر فى الكتابة، أم أنه كان ينبغى الانتظار ولو قليلًا حتى تكتمل ملامح الصورة؟ لكن أغلب الظن أن ما حسم أمره هو بالضبط ما عبّر عنه فى الندوة التى أقيمت مساء الأحد بالمسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، من أنه: «إذا لم نكتب نحن ما عايشناه وشاهدناه بأعيننا، سوف يأتى أتباع الإخوان وموالوهم بعد عشر سنوات ليكتبوا هم تاريخًا مزورًا، يحترفون ترويجه ويخدعون به أجيالنا المقبلة».

ولهذا لم يتجاوز الكتاب حقيقة ما جاء على غلافه الخلفى من أنه «ليس سردًا غيبيًا لأحداثٍ جرت، وإنما شهادة من قلب المشهد عن حقبة زلزال ٢٥ يناير وتوابعه، وبركان ٣٠ يونيو وثوراته.. يعرض الكاتب تفاصيل وقائع عاشها، وخبايا مواقف شاهدها، وأبعاد تحولات عاينها رأى العين، وتقصى جوانبها، من صناعها وأبطالها، وما زال معظمهم حاضرين».

ولهذا لم يخرج الكاتب عن المسار الذى حدده لنفسه فى مقدمة كتابه، التى يقول فيها: «أحاول فى هذا الجزء من ثلاثية (الجمهورية الثانية) أن أرصد وقائع مرحلة الانتقال الأولى، حين تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة دولة كانت تترنح بفعل رياح ثورة، وعواصف إقليم، ومخططات قوى كبرى أرادت تغيير خريطة المنطقة بحراب أبنائها.

أقدم شهادتى عن تلك المرحلة الحرجة التى انتهت بتسليم السلطة إلى رئيس منتخب كانت عصمة أمره بيد جماعة اختزل فيها الشعب، فاقتاد البلاد نحو طريق الهلاك.

أكتب عن وقائع عشتها، وكنت شاهدًا عليها، أثناء عام حكم الإخوان لمصر، وربما أتاحت لى الظروف أن أراقب عن كثب شرر الغضب الشعبى منذ بدأ يبرق، حتى تحول إلى حريق هائل، قوض نظام المرشد فى ثورة كبرى لم يعرف التاريخ العالمى المعاصر لها مثيلًا».

ولا حين يقول: «لست أزعم أننى أحتكر الحقيقة، أو أننى أمتلك كل جوانب الوقائع، فقط أكتب من زاوية رؤية خاصة.. أكتب برأى العين عما شاهدته بناظرى من غير خائنة أعين، وأرصد بسماع أذن دون اختلاط أصوات، وأسطر تفاصيل وقائع وحادثات، بل وأسرار مواقف وأبعاد قرارات، ما زال صناعها أحياء، ويملكون الرد والإيضاح، ولم أجنح أبدًا إلى الحديث عن أشياء شهودها كلهم رحلوا لا يقدرون على التعقيب».

ولهذا فلا مفر لقارئ هذا الكتاب الوثيقة من أن يصدق كاتبه، وهو الذى يختم مقدمته بالتأكيد على حقيقة مهمة: «لست أدّعى حيادًا فيما أكتب، لكننى أزعم أننى كنت أتوخى الموضوعية قدر ما أستطيع.. وقناعتى دائمًا أنه لا حياد بين حرية وطغيان، ولا بين حق وباطل، ولا بين جمهورية أمل تقوم على أكتاف الجماهير، وجمهورية سراب روّج لها الأهل والعشيرة.. هذه هى زاوية رؤيتى لتلك الحقبة.. أرجو أن تكون عونًا لجيل قادم، يجمع زوايا الرؤية كلها من منظور واحد، تطل منه الأجيال الآتية على مرحلة فاصلة من عمر بلادها، عندما يأتى زمان كتابة التاريخ».