رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

خطر نائم بجوارنا.. الدفايات الصناعية تخطف أرواح الهاربين من «البرد القارس»

الدفايات
الدفايات

في اللحظة التي يدق فيها ناقوس الصقيع، يتسارع المواطنون على تحضير وسائل التدفئة الخاصة بهم للحماية من البرد القارس، ويتزاحمون أمام محال الأدوات الكهربائية لشراء الدفايات، هروبًا من الشعور بالبرودة الشديدة، دون وضع أي احتمالية للخطر الذي يمكن أن تحدثه.

وخلال السنوات الأخيرة، شاهدنا العديد من حوادث الماس الكهربائي، التي اندلعت داخل منازل المواطنين بسبب ترك المدفأة مشتعلة طوال الليل، أو استخدام وسائل تدفئة مغشوشة يُمنع استخدامها بشكل نهائي.
حققت «الدستور» في مصدر ترويج الدفايات مجهولة الهوية، والتي تُعد أحد الأسباب الرئيسية في خطف أرواح المواطنين خلال فترة الطقس البارد، من خلال اقتحام المحال التي تبيعها رغم خطورتها، والحديث مع ضحاياها الذين وقعوا في فخ التدفئة المؤقتة.

خاطفة الأنفاس
قرب الساعة الثالثة من فجر أحد أيام فبراير الماضي، كان يستلقي الحاج خالد منير على فراشه، تاركًا أمام جبهته مباشرة مدفأة كهربائية، ليحمي جسده من لسعات البرد القارس، ويمنع ارتجاف أطرافه من قسوة آلام الصقيع، لكنه نَسِي الاستعلام عن ماهية الجهاز الملعون الذي يرقد بجاوره.

اعتاد الرجل الخمسيني طوال فترة الشتاء على وضع المدفأة أمامه أثناء النوم، ورغم استخدامه لها على مدار ثلاث سنوات، إلا أن باله لم ينشغل بتغيير الجهاز الكهربائي، حتى في لحظات العٌطل التي انتابته على فترات مختلفة، كان يعمل على تصليحه وإعادته إلى مكانه المفضل للنوم.

وفي الليلة الأخيرة التي اشتعلت فيها مدفأة كهربائية داخل المنزل، كادت أن تخطف أرواحًا من عز نومها، بعد أن تسرب منها كمية عالية من غاز الثاني أكسيد كربون، ودّمرت الجهاز التنفسي لدى الحاج خالد، كونه يعاني من حساسية الصدر المزمنة.

الغاز المسّرب توغل لغرفة الابن البالغ من العمر 25 عامًا، ليقفز من فراشه إثر الخنقة التي أصابته فور استنشاق الرائحة السامة، ويتجه مسرعًا لوالده المنغمس في نومه الممزوج بأكسيد الكربون القاتل، وبالفعل عندما اقترب “عمر” من والده، اتضحت علامات الاختناق، وبدت ملامح الخطورة عليه.

يروي الابن معاناة والده مع المدفأة، مشيرًا إلى نوبات ضيق التنفس التي كانت تراوده من حين لآخر، وكانوا يعتقدون وقتها أن ما يحدث سببه مرض الرجل، حتى اكتشفوا حقيقة الأمر داخل المستشفى، التي عالجت حالة الأب يوم الكارثة، ووضعته على الجهاز التنفسي لمدة 5 أيام، تعويضًا لما فقده من أكسجين.

تأخر حالة المريض وتفاقمت إصابته بأمراض الصدر كان سببها الرئيسي هو النوم بجانب الجهاز الكهربائي المشع للنور الأحمر، والمُصدر الأول للسموم داخل أروقة المنازل، فالواقعة تلك لم تكن الوحيدة من نوعها، بل هناك ما هو أكثر كارثية وخطورة نسردها في السطور التالية.
تاريخ مشبوه
بالعودة إلى ذكريات الحوادث القاسية بسبب استخدام الدفايات الصناعية، كان من أبرز ضحاياها الدكتور إبراهيم الفقي، خبير التنمية البشرية، الذي لقي حتفه في  10 فبراير 2012، بعد نشوب حريق كبير بمنزله، لم تتغلب عليه 4 سيارات إطفاء بسهولة، لكن بعد إخمادها لم يتبق سوى جثمان "الفقي" وشقيقته وأحد أقاربه والمربية، وتبين أن الوفاة سببها الاختناقات الناتجة عن عطل فى الدفاية.

وفي 9 يناير 2020، نشب حريق آخر فى مدينة نصر، داخل منزل الفنان إيهاب توفيق، أسفر عن مصرع والده الحاج أحمد توفيق، فضلًا عن تفحم الفيلا، الذي اكتشف المعمل الجنائي سبب حدوثه، إثر عطل فى الدفاية أدى إلى الاختناق واحتراق نباتات زينة بلاستيك نتج عنها كمية دخان كثيفة.

الحادث الأخير الذي شهده مركز صدفا في محافظة أسيوط، يوم الجمعة الماضي، بسبب اختناقات المدفأة الكهربائية، راح ضحيته ثلاث أشخاص، وأصيب ثلاث آخرين، ما يجعلنا نقف للحظة أمام هذه المأساة المتكررة منذ أعوام عدة، ولم يسع أحد لحلها.

مرّوجي السموم

وفي الوقت الذي تتسلل فيه الدفايات إلى المنازل، يقف آخرون للمتاجرة بأرواح المصريين، ويبيعون لهم أجهزة مغشوشة تسهل عليهم رحلة الموت، وبالأخص المدفأة المستخدمة من قبل، والتي تُباع داخل محال الأدوات المستعملة، كونها تشكل خطورة كبيرة بعد استخدامها لفترات كبيرة.
الأمر الذي جعلنا نتجه إلى أحد مروجي "الدفايات القاتلة" في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة، والذي تخصص عمله في بيع الأدوات الكهربائية بأسعار رخيصة للغاية، وبمجرد أن سألناه عن إمكانية شراء مدفأة مستعملة رخيصة الثمن، سرعان ما أشار إلى العديد من الأنواع والأشكال المطروحة داخل المحل.
لم يتجاوز سعر المدفأة الواحدة 100 جنيهًا، بل ووصل بعضها إلى 50 جنيهًا فقط، ما جعلها واسعة الانتشار ولها زبونها الخاص، دون أي دراية بهاوية مصدرها أو الضرر الذي يمكن أن تلحقه بمستخدميها فيما بعد، فضلًا عن عدم حملها لأي علامة تجارية.
هل بات الأمر طبيعيًا أن تلعب محال الأدوات الكهربائية بأرواح المواطنين؟، هذا ما تأكدنا من إجابته حين وجدنا محل آخر في نفس المنطقة، يبيع أجهزة جديدة لكنها لا تختلف كثيرًا عن المستعملة منها، ورغم التفاوت الشديد في الأسعار بينها وبين الشركات المعروفة التي تتاجر في الدفايات، إلا أن الطلب عليها خلال فترة الشتاء يكون كبيرًا للغاية.
ينصح البائع من يقبل على شراء المدفأة الكهربائية ويسأل عن خطورتها أولًا، كما فعلنا في جولتنا داخل المحل، بعد تشغيلها طوال اليوم، وتركها بعيدًا عن مكان النوم حتى لا تتسبب في حدوث أي مكروه، وذلك يؤكد معرفته الواسعة بمدى خطورة الدفايات المُباعة.
استفسرنا أيضًا من أحد العاملين في محال الأدوات الكهربائية عن الدفايات رديئة الصنع، والذي أفصح لنا عن طريقة تصنيعها: “المصانع تستخدم الأدوات البلاستيكية في تنصيع الجهاز، وتهتم أكثر بشكله الخارجي حتى يلفت الأنظار، رغم معرفتهم بخطورة تعرض البلاستيك إلى درجة الحرارة الشديدة، وإمكانيته المحتملة بشكل كبير في نشوب حريق”.
وأشار إلى أن الدفايات ذات العلامات التجارية الشهيرة أيضًا، تتسبب في حدوث أزمات، ويكون السبب هنا هو الإهمال في استخدامها، وتشغيلها في المنزل لفترات طويلة دون توقف؛ ما يحدث على إثره  مشكلات في الوصلات الكهربائية، ويصل في النهاية إلى ماس كهربائي يصعب السيطرة عليه.

أحضرت الخطر إلى بيتي

لم تقتصر رحلتنا على المحال فقط، بل وجدنا أيضًا تجارة إلكترونية للدفايات المغشوشة، والتي يتم طلبها بمجرد النظر إلى صورتها وقراءة الخدمات التي تقدمها فقط، دون التأكد من حقيقة ما ذُكر خلال المنشور الترويجي لها، لكن بعد الاستخدام يتضح كل شئ، وحين يُطالب صاحبها بإرجاعها مرة أخرى، يكون الرد عليه: "البضاعة المُباعة لا تُرد ولا تستبدل".
سها عماد، كانت إحدى ضحايا الدفايات الكهربائية المُباعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي اتطلعنا من خلالها على حقيقة تعمد الصفحات الإلكترونية في ترويج منتجات مجهولة المصدر، تسبب أضرارًا بالغة لمستخدميها، وتجني من وراء ضياع أرواحهم أموالًا عدة.
في إحدى ليال البرد، رأت "سها" ابنتها ترتجف بشدة بسبب الصقيع، لم تتردد حينها في الدخول إلى صفحات الأدوات الكهربائية عبر موقع "فيسبوك"، وتقوم بشراء مدفأة كهربائية لإنقاذ ابنتها من آلام البرودة، حتى وصلتها المدفأة بعد يومين من طلبها، ولم تدم فترة بقائها في المنزل سوى أسبوعين فقط، لما سببته من مشهد كارثي كاد أن يقضِ على حياتهم.

تصف “سها” خلال حديثها مع “الدستور”، المشهد الذي أوقف قلبها للحظات، وجعلها تفقد الشعور بالحركة نهائيًا، حتى تداركت خطورة ما يحدث، لتنقذ الطفلة البالغة من عمر 7 أعوام، حين تعرض المنزل لماس كهربائي أسفر عن إشعال النيران في أثاث غرفة النوم، وأصاب الفتاة بجرحين في ذراعيها.
التشغيل المتواصل للمدفأة ضعيفة الصُنع سبب أزمة كبيرة في كهرباء المنزل، لم تلتفت لها الأم في البداية رغم تكرارها مرات عديدة، لكن الواقعة التي تعرضن لها أثناء النوم، جعلتهن يعيشن يومًا لن يمحى من ذاكرتهن، وسيمنعهن من استخدام هذا الجهاز الملعون بشكل نهائي.

سكان الريف “في وش المدفع”

وللوصول إلى سبب المشكلة، تحدثنا مع الدكتور محمود محمد عمرو، مؤسس المركز القومى للسموم، والذي أوضح أن الدفايات تكمن خطورتها في تصدير غاز أول أكسيد الكربون القاتل، فهو ليس غازًا سامًا فقط ويمكن علاجه، بل يؤدي إلى الموت مباشرة، ولا يمكن إنقاذ ضحاياه.
وقال أستاذ الطب المهنى والبيئي بكلية الطب بقصر العيني: “أكثر من يتأثر به هم السيدات الحوامل والأطفال، كونه يؤثر بشكل مباشر على الجنين فيحدث إجهاضًا،وإن وُلد سيؤثر أول أكسيد الكربون على خلايا المخ، فيتعرض للمعاناة من التأخر العقلي”.
شرح "عمرو" مخاطر غاز أول أكسيد الكربون وعلاقته بخنق الأنسجة، واتحاده مع الهيموجلوبين ومنع انتقال الأكسجين فى الجسم؛ ما يخنق المريض ويعرضه للإصابة بالأمراض المناعية المختلفة، وتتوقف الأجهزة بجسده نتيجة منع خلايا الجسم من الاستفادة بالأكسجين، وخاصة أصحاب أمراض الجيوب الأنفية وحساسية الصدر المزمنة.
أما عن الفئات الأكثر عرضة للدفايات القاتلة: "أهالي الريف يستخدمون أنواعًا من الدفايات أكثر خطورة، والتي تعرض حياتهم للموت مباشرة في أقبل من دقائق، كونهم يعتمدون على المنقد المكون من قوالح الذرة، ويتم توليعه والتدفئة من خلاله عن طريق الدخان المتسبب في هذه القوالح؛ ما تسبب أمراض صدرية خطيرة على صحة مستخدميه.
أشار أيضًا إلى جهود مبادرة "حياة كريمة"، التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي من أجل إنقاذ حياة أهالي القرى من خطر الموت بسبب مشكلات المياه والكهرباء، ما سيجعلهم يعتمدون على أجهزة كهربائية جيدة الصُنع أفضل من استخدام الدفايات البدائية.
14 ألف علامة تجارية مزيفة في السوق المصرية

حجم كارثة العلامات التجارية المزيفة، يتضح أكثر في الأرقام الرسمية المُعلنة من قبل الجهات المعنية. والتي أعلن عنها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في يونيو عام 2018، بوجود نحو 500 ألف علامة تجارية مسجلة في مصر، قرابة 14 ألف منها مضروبة وتم سرقتها وطرحها في السوق المصري.

الإحصاء أشار أيضًا إلى أن حجم التجارة في الأسواق العشوائية بمصر يبلغ 20 مليار جنيه سنويًا، وهي تمثل نحو 45% من حجم التجارة الرسمية للدولة، وتتكلف الإعلانات المضللة التي تستخدم علامات تجارية مزيفة نحو 800 مليار دولار، بما يوازي 8٪ من حجم التجارة الدولية.

وبحسب نص المادة 113، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهرين وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز عشرين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين في حال القيام بهذه المخالفات، تزوير علامة تجارية مسجلة طبقاً للقانون أو قلدها بطريقة تدعو إلى تضليل الجمهور، أو استخدام  بسوء قصد علامة تجارية مزورة أو مقلدة، أو وضع بسوء قصد على منتجاته علامة تجارية مملوكة لغيره، أو باع أو عرض للبيع أو للتداول أو حاز بقصد البيع أو التداول منتجات عليها علامة تجارية مزورة أو مقلدة أو موضوعة بغير حق مع علمه بذلك.