رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

تعليم البنات.. والخروج من «قفص الحريم»

لا أجدنى بحاجة إلى تذكيرك باهتمام محمد على بالتعليم وإرسال البعثات إلى الخارج، فقد عرفت مصر المدارس النظامية أول ما عرفتها على يده، لكن التعليم كان حكرًا على الذكور دون الإناث، فلم يكن مسموحًا للبنات بالالتحاق بالمدارس أو الانضمام إلى البعثات طبعًا، لم يكن الدين يحرم التعليم على الفتيات، ومؤكد أن كثيرًا من المصريين فى ذلك الوقت كانوا يعلمون الحديث الذى يقول «خذوا نصف دينكم عن عائشة»، ويلقبون السيدة نفيسة التى يتلمسون البركة عند أعتابها بـ«نفيسة العلم»، ويتردد على مسامعهم أن النبى، صلى الله عليه وسلم، لم يحرم المرأة من مجالس العلم.

المصريون أواخر القرن التاسع عشر كانوا يتحفظون على تعليم البنات، لأسباب اجتماعية بالأساس، لم يكن هناك من يسمح للمرأة بالخروج فى ذلك الوقت إلا فى أطر محددة، وذلك فى الزيارات العائلية أو فى زيارة القبور، وبالتالى كان من الصعوبة بمكان أن يسمح للمرأة «المحجوبة» بأن تتحرك يوميًا وتذهب إلى مدرسة، أو حتى أسبوعيًا أو شهريًا أو فصليًا إذا كانت المدرسة داخلية، وكان معظم المدارس فى ذلك الوقت «داخلية».

لم تكن الأسباب الاجتماعية وحدها العائق دون حصول المرأة على التعليم، بل كانت هناك أسباب مصاحبة أخرى ذات وجه دينى أحيانًا ما تحول بين المرأة والتعليم، فالمجتمع الذكورى بطبيعته يخشى من تفتح عقل المرأة، بصورة تؤدى إلى إخراجها من الصندوق الذى وضعها فيه الرجل، الصندوق المحكوم بمفاهيم الطاعة والاستسلام للسلطة الأبوية ولسلطة الزوج بعد ذلك.

على أى حال تعثرت تجربة التعليم التى ابتدعها محمد على نوعًا ما فى عهد الواليين عباس وسعيد، وكلاهما كان منغلقًا إلى حد كبير، ولم يكن يتمتع بالعقلية المنفتحة المؤمنة بالعلم والتعليم، كما كان حال الوالى المؤسس، يمكن القول بأن الحفيد إسماعيل بن إبراهيم بن محمد على الوحيد الذى كانت تجرى فى دمائه جينات جده، فشهد التعليم فى عصره تحولًا نوعيًا كبيرًا، مثّل انخراط البنات فى العملية التعليمية أحد تجلياته.

أنشأ إسماعيل العديد من المدارس الابتدائية فى أنحاء مختلفة من مديريات مصر، بالإضافة إلى العديد من المدارس العليا «كليات»، وإلى جوار ما أنشأه من مدارس ظهرت العديد من المدارس الأخرى الأهلية التى أنشأها الأقباط الأرثوذكس والروم الأثوذكس، وكان الخديو يدعم هذه المدارس بالمال، ويشجعها على أداء دورها. واللافت أن بعضها تخصص فى تعليم البنات فقط، وذلك لأول مرة فى تاريخ المجتمع المصرى، وحاول تشجيع الأسر على إرسال بناتها للتعليم، وحدث أن تنوعت وتعددت هذه المدارس بعد اتجاه العديد من المبشرين، وخصوصًا المبشرين بالمذهب البروتستانتى، إلى إنشاء مدارس للبنات.

كان هناك مواطنون أقباط شديدو التمسك بمبدأ عدم تعليم الفتيات، مثلهم فى ذلك مثل رفاقهم من المواطنين المسلمين، لكن ظهر بعض العقليات المتفتحة داخل الأسر القبطية الذى لم يجد غضاضة فى مسألة إرسال البنات إلى التعليم فى المدارس، ولم يكن الأرثوذكسى يمانع فى إرسال ابنته إلى مدرسة بروتستانتية أو العكس، وقد لعبت هذه المدارس دورًا مهمًا فى تذويب الفروق بين المذاهب، وانفتاحها على بعضها بعضًا. أما الأسر المسلمة فقد أحجمت عن إرسال بناتها إلى هذه المدارس، ويفسر «صالح رمضان» فى كتابه «الحياة الاجتماعية فى عصر إسماعيل» ذلك بالخوف الطبيعى للمصريين المسلمين من تأثير تلك المدارس على بناتهم من الناحية الدينية، وامتنع الكثير من الأسر عن إرسال بناتها إلى مدارس الإرساليات، بدافع الغيرة الدينية.

ولأن خيوط التطوير تشد بعضها بعضًا، فقد أدى صعود أدوار «جشم آفت» زوجة الخديو إسماعيل فى الحياة الاجتماعية بمصر فى ذلك الوقت إلى دفع الأسر المسلمة هى الأخرى إلى إرسال بناتها للتعليم.

كان «آفت» بمثابة السيدة الأولى فى مصر بالتعبير المعاصر، واهتمت أشد الاهتمام بتعليم الفتيات، وأنشات أول مدرسة إسلامية على مستوى مصر والعالم الإسلامى لتعليم البنات، هى مدرسة «السيوفية» «المدرسة السنية فيما بعد». 

يقول «صالح رمضان» إن «آفت» جعلت الالتحاق بالمدرسة متاحًا لكل الفئات والطبقات بلا تمييز مذهبى أو اجتماعى، وكانت المعيشة فيها فاخرة، ورغم ذلك لم يقبل الأهالى على إرسال بناتهن إلى المدرسة أول الأمر، ولم تجد الأميرة العدد اللازم من التلميذات لبدء العمل، فاضطرت إلى إلحاق بنات الأسرة المالكة بها، ثم زاد الإقبال عليها من المسلمين والأقباط واليهود. وكان نظام التعليم فى المدرسة يقوم على إعداد الفتاة لكى تكون أُمًا فى المستقبل، وكان هناك تركيز أكبر على تعليم شغل التدبير المنزلى وأشغال الإبرة، وكان أقل الوقت يوجه إلى تعلم العلوم الأخرى، فكأن هذه المدارس كانت تعد المرأة لكل ما يلزم دورها كأم، ولم تكن بحال تستهدف إعدادها كمرأة عاملة قادرة على المساهمة فى تطوير البيئة التى تعيش فيها.

ومع تحفز المصريين وقناعتهم بمسألة تعليم البنات، خصوصًا أن الدين لا يمانع فى ذلك، اتجه الخديو إسماعيل إلى إنشاء مدارس أخرى، غير مدرسة السيوفية، كان على رأسها مدرسة لتعليم البنات أشرفت على إنشائها إدارة الأوقاف، والتحقت بها المئات من بنات المحروسة، ثم أنشأ مدرسة أخرى بعدها، وهكذا توسعت حركة تعليم البنات طيلة عصر إسماعيل، حتى وقعت مصر فى براثن الأزمة المالية أواخر عهده، ما تطلب تقليل مصاريف الحكومة، وللأسف الشديد كان أول بند فكرت الحكومة الذكورية فى التخلص منه هو بند تعليم البنات، فأغلقت المدارس المختصة بذلك، وظلت كذلك حتى عادت إلى العمل فى وقت لاحق.

فى كل الأحوال بقيت الخطوة التى اتخذها إسماعيل بتعليم البنات وإنشاء المدارس اللازمة لذلك واحدة من الخطوات التى أحدثت تحولًا مهمًا على المستوى الاجتماعى يتعلق، بالخروج من ثقافة الحريم، وهى الثقافة التى كانت تدعمها فهوم خاطئة للدين، بالإضافة إلى نشر ثقافة أكثر انفتاحًا تدفع المرأة إلى الاحتكام للقاعدة التى استقر عليها المجتمع بالزواج من واحدة، بدلًا من تساهل المنتصرين للمجتمع الذكورى فى استغلال الرخصة الدينية فى الزواج بأكثر من واحدة.