رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

خديعة مضادات الأكسدة

يدور الحديث فى هذا المقال حول ماء الشرب بمضادات الأكسدة، حيث انتشرت مؤخرًا ظاهرة مياه الشرب المحتوية على «مضادات الأكسدة»، ويتسلل من خلال هذا المصطلح تجار الخديعة وأدعياء الطب لإيهامك بوقف الشيخوخة، وقد بات راسخًا فى أذهان العامة أن مضادات الأكسدة تعنى شبابًا دائمًا!!

القصة من البداية: محددات الصحة والمرض فى جسمك وفى الحياة كثيرة، ولكن أهمها على الإطلاق هو ما يعرف برقم الأس الهيدروجينى واختصاره العلمى «pH»، وهو مقياس يحدد التوازن الكيميائى لبيئة الجسم من حيث موقعك على مؤشر درجة الحموضة/ القلوية، والمفترض أن تكون مثالية عند pH7 لأن الرقم الهيدروجينى «٧» يمثل نقطة التعادل بين الحمضية والقلوية على التدريج البادئ من صفر إلى ١٤.

بيئة العمل داخل الجسم مضبوطة على الرقم «٧.٤» أى قلوية بعض الشىء بعد نقطة التعادل، فكلما كبر الرقم توجهت نحو القلوية، وعند هذه الدرجة تعتبر درجة القلوية المثالية لبيولوجيا الحياة «٧.٤» وتحديدًا بين ضفتى هذين الرقمين ٧.٣٥- ٧.٤٥، حيث يمكن لخمائر الهضم «الإنزيمات» أن تعمل، وتمكن عضلة القلب من الانقباض بانتظام، وعندها تتحرك الأمعاء بحرفية عالية، وكذلك تتمكن خلايا المخ من العمل بتوافق ومثالية، وعند هذه الدرجة تعمل كل وظائف التمثيل الغذائى بكفاءة ودقة تضمن استمرار الحياة.

باختصار، تبدأ أمراضك عندما ينحرف التوازن يمينًا أو يسارًا بعيدًا عن الرقم «٧.٤»، وقد تموت عندما تصبح سوائل الجسم وخلاياه أقل من «٦.٨» أو أكثر من «٧.٨» ولو لدقائق.

الكليتان والجهاز التنفسى هما المنوط بهما ضبط درجة التوازن الحمضى/ القلوى فى جسمك، فالكلية ليست لإخراج البول وعادم التمثيل الغذائى والدوائى وحسب، بل إن وظيفتها الأخطر هى ضبط توازن رقم الأس الهيدروجينى بإفراز شاردات الهيدروجين «الأيونات» الحمضية فى البول، ويعاونها فى ذلك الجهاز التنفسى بتصنيع حمض الكربونيك لمعادلة قلوية الدم أو بيكربونات الصوديوم لمعادلة حموضة الدم، وكل هذا من عادم التنفس.

عودة إلى ماء الشرب المدعم بمضادات الأكسدة وهى شوارد متأينة، فهذا الماء يعمل على رفع الرقم الهيدروجينى فى بيئة الجسم الداخلية تجاه منطقة القلوية أبعد من الطبيعى. 

لا ينكر الطب فكرة الارتباط بين درجة الحموضة وشيخوخة الخلايا، ولكن هذا أمر متدرج الأثر موزع على سنوات عمرك السبعين «مثلًا»، لذا، من الحماقة تصحيحه فى يومين أو شهرين أو عام بشرب ماء يعارض «حموضة السنين» فى أيام!!

الخطورة الكامنة فى «قلونة» الجسم:

١- لن تسكت الكلى على هذا العبث، فلديها أوامر فسيولوجية بإعادة التوازن الكيميائى إلى الرقم «٧.٤»، وهو أمر مرهق جدًا للكلية تؤديه بتأفف بجانب وظائفها الإخراجية.

٢- يتباطأ معدل التنفس عن الطبيعى لتصنيع حمض الكربونيك وحجزه فى الدم لمعادلة القلوية الزائدة بالدم.

٣- الإنزيمات «الخمائر» المصممة للعمل عند درجة «٧.٤» سوف تتكاسل أو تتوقف عن العمل.

٤- جميع عضلات الجسم- بما فيها عضلة القلب- تعمل عند الرقم المثالى، وأى محاولة لتغيير الرقم لها عواقب خطيرة.

٥- التمثيل الغذائى «الأيض» وكيمياء الجسم- لأنها حيوية- لا تعمل بكفاءة إلّا مع الرقم «٧.٤».

٦- التوصيل الكهربى بين خلايا المخ بعضها البعض وبين المخ والألياف العضلية وانقباضات القلب لا تعمل بانتظام إلا عند هذا الرقم المثالى، وأبعد من هذا الرقم ستحصد أحد الأمرّين إما انقباضات على شكل تقلصات قاتلة وإمّا ارتخاء وشللًا.

الهدف فى شكل نصيحة:

أنت آمن جدًا مع مائدة الطعام العادى التى تزينها الطماطم والبرتقال والجوافة والبقدونس والباذنجان والقرنبيط وغيرها، وأنت لست مضطرًا لإنفاق أموالك على أصناف غير يسيرة مثل البروكلى والسالمون والتونة وثمار القشطة والكيوى.

أضرار الماء القلوى:

سوف يؤدى تجاوز رقم الأس الهيدروجينى للجسم باتجاه القلوية إلى انسحاب الكالسيوم الحر من الدورة الدموية إلى حد الخطورة التى يتوقف معها نبض القلب. يسرى هذا الأمر على بقية المعادن بالجسم مثل البوتاسيوم والصوديوم، التى يؤدى اضطرابها أيضًا إلى خلل كارثى فى وظائف القلب والتوصيل الكهربى للإشارات العصبية داخل المخ وخارجه فى شبكة الأعصاب.

ناهيكم عن الأضرار الخطيرة السابقة، يعانى الجسم وقت تفوق التفاعل القلوى من غثيان وقىء وانقباضات عضلية لا إرادية وخجلان بعضلة القلب، وقد يؤدى إلى الوفاة إذا طال زمن التفاعل القلوى.

كيف نحقق بعض القلوية الحميدة؟

من الأفضل الاكتفاء بتناول الليمون وبعض الفاكهة من العائلة الحمضية كالبرتقال واليوسفى واللارنج لتحقيق بعض التحول تجاه قلوية الدم، وهنا قد يتعجب البعض كون الليمون حمضى التفاعل بالأساس، فكيف يرجى منه إحداث التحول القاعدى فى الدم، وتأتى الإجابة ببساطة فى أن الليمون ومعه بقية عائلة الحمضيات تحتوى على نسب عالية من المعادن القلوية مثل الصوديوم والبوتاسيوم، وهى التى تُحدث بالدم وسوائل الجسم تحولًا تجاه الرقم القاعدى فى حدود «٧.٩»، وهو رقم يؤمن وسطًا مناسبًا للتفاعلات الحيوية بالجسم. الحليب ومنتجات الألبان تساعد فى إتيان هذا الأثر بلا إفراط. ويتبقى السؤال الأهم وهو المتعلق بسلامة ماء الشرب المقرر لتغذية البيوت عبر شبكة المياه، الذى يجب أن نؤكد عليه، وهو أن ماء الصنبور آمن من الناحية البيولوجية لأن غاز الكلور الذائب به يكفى لقتل كل الجراثيم، وبذات الوقت يضمن قلوية الماء بعض الشىء.