الإثنين 06 ديسمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

«المعدة الشعبية» تنتصر فى صراع «التدين الشعارى»

اعتلى عباس حلمى الثانى، نجل الخديو توفيق، سدة الحكم بعد وفاة أبيه عام ١٨٩٢ وفى نفسه إحساس عميق بالمرارة من النهاية المأساوية لـ«توفيق»، فقد مات الرجل فجأة فى الأربعين من عمره، ويذهب عباس الثانى- فى مذكراته- إلى أن صحة أبيه انهدت بسبب ما مورس عليه من ضغوط من جانب عرابى والإنجليز والباب العالى، وأنه رأى أن يستسلم لهذه الضغوط حماية للبلاد من الوقوع فى براثن حرب أهلية. كانت أول خطوة اتخذها الخديو الجديد بعد توليه الحكم الإطاحة بمصطفى فهمى، رئيس الوزراء الذى يصفه قائلًا: «بدا لى أن وجود هذا الرجل على رأس الوزارة غير مقبول، وكانوا يأخذون عليه عدم تمسكه بمبادئ الإسلام، ولم يترك أى فرصة لكى يسخر من الإسلام ولمحاربة الباب العالى».

مصطفى فهمى، كما تعلم، هو والد صفية زغلول، زوجة الزعيم سعد زغلول. وتقييم عباس حلمى له يؤشر إلى المعايير التى كان يعتمد عليها فى اختيار رجاله، وأولها التمسك بمبادئ الإسلام، وثانيها الولاء للباب العالى فى إسطنبول. ورغم الحفاوة والشاعرية التى يصف بها «عباس الثانى» جده إسماعيل باشا وخططه فى جعل مصر قطعة من أوروبا، فإن سنوات حكمه تشهد بأنه كان أقرب نسبيًا إلى عباس طوسون «الوالى الثالث فى تاريخ الأسرة العلوية». كان لتخلص عباس حلمى من مصطفى فهمى- رجل الإنجليز كما يصفه فى مذاكراته- أثر السحر فى نفوس المصريين الذين عبّر الخديو الجديد عن مشاركته لهم فى كراهية الإنجليز وكراهية من يعمل معهم أو لصالحهم، وقد بان ذلك فى مظاهرة الحب، التى أحاطه بها أهالى القاهرة عندما ذهب لصلاة الجمعة فى الحسين، وقد توقف الخديو عباس حلمى طويلًا أمام هذا الحدث فى مذكراته.

التف شباب المصريين حول الخديو الشاب الجديد، ووجدوا فيه روحًا وطنية لم يجدوها فيمن سبقوه، كما تقاطع معهم فى الطابع الدينى المحافظ الذى كرسه فى أوساطهم عباس حلمى الأول. ومن ناحيته استخدم آخر خديو فى مصر الشباب الوطنيين كأداة سياسية فى صراعه مع خصمه الأول اللورد كرومر. لعب مصطفى كامل فى هذا السياق دورًا نحفظه جميعًا. وتكاد تكون رسالة مصطفى كامل تعبيرًا عن عقل الخديو ورؤيته لفكرة استقلال مصر. لم يبرأ الزعيم الوطنى الشاب من روح التدين اللسانى حين تزيا بالزى الدينى وأخذ يدافع عن دولة الخلافة وبالغ فى الحديث عن تبعية مصر للدولة العثمانية العلية كمبرر لعدم شرعية الاحتلال الإنجليزى لمصر. 

كان لدى عباس حلمى وعى خاص بالمصريين يلخصه فى مذكراته قائلًا: «الشعب والفلاحون لا يأبهون من حيث المبدأ إلا بكل ما كان يمس خبزهم وهدوءهم بشكل مباشر». تركيبة الإنسان المصرى البسيط كانت واضحة، وهى جزء من تركيبة البسطاء فى كل زمان ومكان، إنه يحب وطنه حرًا مستقلًا متقدمًا، بشرط ألا يأتى ذلك على حساب خبز يومه وألا يقلق راحته. فمعادلة «الطعام والهدوء» هى المعادلة الحاكمة له. وقد تحسنت الأحوال الاقتصادية فى عهد عباس الثانى مقارنة بالظروف التى سادت أواخر عصر إسماعيل وخلال عصر توفيق، وكان لهذا التحسن صدى طيبًا لدى المصريين، الذين يربطون ربطًا عجيبًا بين التمسك بمبادئ الإسلام وتحسن أحوال الحياة.

ولم تؤثر المستجدات الفكرية والثقافية والسياسية التى طرأت على الحياة فى مصر بعد ثورة ١٩١٩، على النهج الثابت فى الربط بين التمسك بمبادئ الإسلام- باللسان- وتحسن أحوال الحياة، ولم يجد العقل المصرى النموذج الذى يجمع بين الالتزام الوسطى بالدين، مع الوعى بأن للدنيا وأحوال الحياة والمعيشة قواعد علمية وعقلانية تحكم النجاح فيها، إلا فى شخصية زعيم الوفد مصطفى باشا النحاس.

بدأ «النحاس باشا» رحلته فى الحياة من «سمنود»، حيث ولد فى ١٥ يونيو عام ١٨٧٩، ونشأ طفلًا فى بيت صوفى وعندما انتقل إلى القاهرة للدراسة صحبه أبوه إلى مسجد الحسين ووقف أمام ضريح حفيد النبى، صلى الله عليه وسلم، وقال: «لقد سلمت لك مصطفى!». ويشير البعض إلى أن هذه الواقعة جعلت «النحاس باشا» شديد الحرص على أداء شعائر الدين، حصل على البكالوريا من المدرسة الخديوية، والتحق بكلية الحقوق «كلية الوزراء حينذاك».

ظهر «النحاس باشا» فى فترة شهدت صراعًا ملتهبًا بين الأحزاب والقوى السياسية التى تزاحمت على الساحة فى مصر، صدى هذا الصراع مس الطبقة الأعلى من المصريين، فأصبح هذا وفديًا وهذا سعديًا وهذا دستوريًا وهذا يلعب مع أحزاب القصر وهذا مع الجماعات السرية التى تعمل فوق الأرض وتحتها. وسط هذه العواصف كان نجم الوفد «النحاس باشا» أحيانًا ما يظهر ويلمع وأحيانًا ما يخبو، لكن دون غيره من الشخصيات التى ظهرت على مسرح السياسة فى ذلك الوقت احتفظ «النحاس» بلقب الزعيم الأمين على الميراث السياسى لـ«الوفد» ولزعيمه الأكبر سعد باشا زغلول. وعلى البعد من هذا المشهد كانت النسبة الغالبة من المصريين تتابع وتشاهد، ربما كان قلبها مع «النحاس»، لكن عقلها أحيانًا ما كان يميل إلى منتقديه.

أما «المعدة الشعبية»- التى تحدث عنها الخديو عباس الثانى- فقد كانت تزقزق على شجرة أخرى. وميزان المعدة من أخطر الموازين التى تحدد اتجاهات بوصلة الإنسان المصرى ومواقفه من أى شخص أو جماعة أو نظام ملك. فالمعدة دائمًا هى بيت الداء عند من تحكمه معادلة «الطعام والهدوء». 

مواطنو المملكة المصرية حينذاك كان مثلهم مثل كل الأوادم فى مجتمعات العالم المختلفة. فالناس العادية فى كل زمان ومكان ينبع تفكيرها من معدتها، لذا فقد كان من الطبيعى أن يقترب خلال فترة ما بين الحربين ممن يجيد التخاطب مع معدته. وقد كان «النحاس باشا»، زعيم «الوفد» حينذاك، واعيًا بهذا البُعد من أبعاد الشخصية المصرية، وقد وصفه الكاتب «حافظ عباس» بـ«زعيم الفقراء» ليشير إلى حبه لـ«العناصر الكادحة» ومبلغ حرصه على قوت يومهم وحقهم فى الحياة الكريمة، بعيدًا عن التعصب الدينى المقيت.