رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

القلق من المناخ.. جديد علم النفس

عرف الإنسان القلق قبل أن يعرفه ويحدده علم النفس بزمن طويل، ربما منذ أكثر من ألف عام حين قال المتنبى: «على قلقٍ كأن الريح تحتى»، وفيما بعد وصف الأديب الروسى «دوستويفسكى» قسوة القلق فى روايته «نيتوتشكا» قائلًا: «تمر بى لحظات من القلق العنيف أتمنى فيها لو أنى لم أولد». 
 

والقلق ليس الخوف، لأن الخوف يقع فى ظل تهديد واضح ومرئى، أما القلق فينبعث بلا مصدر محدد نتيجة تضافر عوامل مختلفة نفسية وعضوية تخلق قلقًا يفتح الباب للاكتئاب.. ولدينا عن القلق أعمال غير قليلة، لعل أشهرها مسرحية توفيق الحكيم «بنك القلق» 1966، وتقوم على أن تزايد القلق دفع شابين للتفكير فى استثماره سلعة فى مشروع تجارى! وأنواع القلق التى عرفها علم النفس شملت القلق الوجودى، بمعنى الشكوك فى مغزى الحياة وأصلها، والقلق عند الاختلاط بالغرباء، ورهاب الأماكن المغلقة، لكن السنوات الأخيرة أضافت نوعًا جديدًا لم يكن فى الحسبان وهو القلق من المناخ! وقد ساورنى هذا القلق طويلًا منذ سنوات، لكنى تكتمت أثره لظنى أنه حالة تخصنى. 
 

بدأت معى مشاعر القلق من المناخ فى الشهور الحارة عندما كنت أنظر من نافذتى إلى العصافير التى تحوم دائخة قرب النافذة وأتساءل: «وماذا لو جفّت المياه فى كوكبنا؟»، وسرعان ما اكتشفت أن هناك ما يسمى «القلق من المناخ»، وأنها حالة لا تخصنى وحدى.. وفى ذلك السياق، تقول فتاة من الفلبين، تدعى ميتزى تان، وتبلغ من العمر 23 عامًا: «كنت فى طفولتى أخشى أن أغرق فى حجرة نومى»! إلى هذه الدرجة قلقت من التغير المناخى وهى طفلة. 
 

وفى استطلاع أجرته المؤسسات الأمريكية مؤخرًا على عشرة آلاف شخص من بلدان مختلفة، تبين أن ما يقرب من نصف شباب العالم الذى شمله الاستطلاع، وتحديدًا ٤٥٪، أفاد بأن القلق من المناخ يؤثر فى حياتهم اليومية أثناء دراساتهم وأكلهم ونومهم، وقال سبعة من بين كل عشرة أشخاص، أى ٧٥٪: «المستقبل مرعب»! وترتفع هذه النسبة فى بعض البلدان الأخرى وتصل إلى ٩٢٪ فى الفلبين. 
 

هكذا اكتشفت فجأة أننى لم أكن وحدى من يعانى القلق حين ينظر إلى العصافير العطشى ويفكر: «ماذا سيحدث لو جفّت المياه فى كوكبنا؟»، وقد ساورنى قلق شديد، لا أريد أن أقول عنيفًا، فى الشهرين الحارين المنصرمين من هذا العام، يوليو وأغسطس، مع ارتفاع درجات الحرارة، وكنت أفكر: وماذا لو استمرت حرارة الشمس فى الارتفاع من دون توقف؟ 
 

وبلغت أهمية الاستطلاع الذى أشرت إليه سابقًا أن الأمين العام للأمم المتحدة تطرق إلى نتائجه فى كلمته الأخيرة أمام زعماء العالم. 
 

نحن إذن إزاء نوع جديد من القلق «القلق من المناخ»، يظهر وينتشر قبل أن نقضى على الأنواع القديمة، كما ظهر فيروس «كورونا» قبل أن نقضى على ما سبقه! ويحق للإنسان أن يقلق على مصير الكرة الأرضية ومستقبلها، خاصة أن جزءًا كبيرًا من تلك التغيرات ترجع إلى الإنسان نفسه، وتحديدًا إلى الحكومات العالمية التى تواصل تلويث الهواء، وتمزيق الأوزون، وتَمسُّك الدول الصناعية باستخدام الفحم والنفط والغاز كوقود فى مصانعها مما يضاعف من الاحتباس الحرارى، وضرورة استخدام التكنولوجيا النظيفة بدلًا من ذلك الوقود. 
 

وقد أدت خطورة تلك القضية لعقد اتفاق باريس، الذى وقّعت عليه 195 دولة فى سبتمبر 2015، وشكّل هذا الاتفاق صرخة تحذير عالية، لكن على ما يبدو فإن الصرخة لم تصل إلى آذان عمالقة هذا العصر، بينما ينتشر فى الظل ذلك القلق الجديد على علم النفس، القلق من المناخ، من الطبيعة، ومن كل ما كان يمثل حماية للإنسان فأمسى تهديدًا لوجوده.