الأربعاء 20 أكتوبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

الصعيد المصرى الجديد

ليس الصعيد المصري الجديد كالقديم، حتى لو ظن أدعياء معرفة ومتحذلقون في كلامهم، أنه هو ولا شيء تغير فيه.. أذكر أن الشاعر الكبير الراحل عبدالرحمن الأبنودي (ذا الأصل الصعيدي الجنوبي الراسخ) قال مرة في أواخر أعوامه ما نصه: أنا لا أستطيع أن أكتب عن الصعيد الحالي (يعني الواقع الجديد هناك)، فأنا لم أشهده بحكم سرمدية إقامتي في العاصمة منذ أعوام بعيدة، ومن مكثوا فيه هم الأجدر بحصاد واقعه الحاضر، الذي انفصلت أنا عنه بالكامل تقريبًا، والأقدر على التعبير عنه بصورة الشعر أو النثر.
ربما اتضح هكذا أنني أخص بحديثي هنا الصعيد الأكثر بعدًا عن القاهرة، الذي يبدأ من سوهاج وينتهي بأسوان.. الصعيد الجنوبي الذي يحوي أقاليم سوهاج، قنا، الأقصر، أسوان، بالامتداد الطولي جنوب القاهرة، وفي الشرق منه إقليم البحر الأحمر، وفي الغرب إقليم الوادي الجديد (هكذا محافظات الصعيد الجنوبي الست)، أخص هذا الصعيد بالذات؛ لأنني أولًا أنتمي إليه بالميلاد والنشأة (مدينة قنا تحديدا)، وعشت فيه أكثر أعوامي قبل اختياري للإقامة في القاهرة بعد الارتباط، وثانيًا لأنه الصعيد الأكثر ثراء من جهة فلكلوره، وحضارة من جهة فرعونيته، وتقاليد وعادات من جهة نسقه العربي، وقد يكون الأغنى ماديًا بثرواته الطبيعية التي لم تحسن الحكومات المتعاقبة استغلالها واستثمارها بكل أسف.. 
في الماضي كان ذلك الصعيد البعيد ذا وجه واحد، وجهه كان المنفى للمقصرين في أداء أعمالهم بالشمال، أو المغضوب عليهم، ويراد لهم أن يقاسوا حر الشمس وويلات الثأر وانعدام المدنية، ونشر الفكرة القبلية بمعناها الجاهلي البغيض، وخلو المكان الرحب من الثقافة الرفيعة والفنون البديعة وأسباب التقدم!
كان هو نفسه الصعيد الغني بكل ما سبق وذكرته، لكن الأطغى وقتذاك كان قلة التعليم، وظلم النساء، وغياب الآلة الحديثة، وضعف حركتيّ الاتصال والمواصلات، واعتماد الوعي الإنساني على الأفكار المتوارثة اجتماعيًا، والخلط البائس بين الدين والأخلاق.. كان هو الصعيد الذي يحكم بإعدام الأنثى الخاطئة، بلا نقاش، ويعتبر منفذ الحكم مكتمل الرجولة، وكان الغنى الفاحش فيه كمثل الفقر الشديد، بل كان الشائع هناك فقر شباب الأغنياء؛ فالكبار في عائلاتهم يدفعون بهم إلى الأعمال الشاقة، خصوصًا في الزراعة، لأنهم يحاذرون الغرباء، فيشعر الشباب كأنهم الأجراء لا الملاك ويشعرون بالإنهاك والإهانة طبعًا..
انقلبت الأمور كلها بحكم الظروف المختلفة التي طرأت على العالم والوطن.. تنبه الجميع إلى أن موقعًا مؤثرًا كهذا الموقع الفسيح الشاسع لا ينبغي إهماله، سيما بعد أن بدا للخبراء الأمنيين وعلماء الاجتماع أنه يمكن أن يكون مخزنًا للشرور بتراكم مشكلاته وبلواه.. فآزرته الدولة معنويًا ودعمته ماديًا وأنارت ظلمته ما استطاعت.. وقد تجدد وتغير، لم يعد هو الصعيد القديم، غير أن شيئًا من ميراثه الأسود ما زال ساريًا فيه!