رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

في ذكراه الثالثة «حنا مينه» بوصيته الأخيرة: آمل ألا يذاع خبر موتي

حنا مينه
حنا مينه

تحل اليوم الذكرى الثالثة لرحيل عن دنيانا، الروائي السوري الكبير “حنا مينه” والذي  خلف وراءه مسيرة أدبية وروائية عامرة. ووصية مميزة كتبها بخطه جاء فيها: “عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألا يذاع خبر موتي في أي وسيلة إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنت بسيطًا في حياتي، وأرغب أن أكون بسيطًا في مماتي، وليس لي أهل، لأن أهلي، جميعًا، لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء، أن يتحسروا علىَ عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية”.

ويعد “حنا مينه” صاحب واحدة من أهم الروايات العربية المعاصرة “الياطر” أو الميناء باللهجة السورية، والتي تتناول قصة صياد “زكريا المرسنلي” من مدينة اللاذقية يرتكب جريمة قتل، ويضطر للهرب فيعيش في مكان ما على الحدود السورية التركية حيث لا يوجد سوى البحر والسهل والغابة٬ يعيش هناك غريبًا وحيدًا هاربًا في خيمة نصبها على شاطئ البحر، وأصبح السمك غذاؤه الوحيد إلى أن يصادف راعية من بلاد الأتراك المجاورة “شكيبة” فيفكر بأن تكون هذه صلة وصله بالعالم الخارجي يعطيها السمك لتبيعه في قريتها القريبة وتأتيه بالمال، إلا أنه حدث ما لم يكن يتوقعه ووقع في غرامها وهي كذلك٬ هو المتزوج الذي لم يعرف الحب من قبل وهي المتزوجة التي تركها زوجها وسافر إلى الأناضول منذ زمن ولا خبر عنه.

_103111574_358057d1-a4fc-4d21-ae78-95c521dffba0
حنا مينه

• لم أتوقف الحياة هي التي جعلتني أتوقف
وفي إحدى لقاءاته الإعلامية بالتليفزيون الأردني، وردا على سؤال حول توقفه عن استكمال تعليمه بعد المرحلة الإبتدائية قال حنا مينه: “أنا لم أتوقف. الحياة هي التي جعلتني أتوقف. أنا من عائلة فقيرة جدا جدا، وكان علي أن أترك المدرسة لأعمل وأنا يافع، وأقدم مساعدة للعائلة الجائعة. إذن الحياة لم تهادني وأنا ما هادنت الحياة”. وتابع يقول: “خلاصة تجاربي مع الحياة هو أن ندعها كما المرأة، إذا أدارت ظهرها فلتذهب بسلام، وكذلك الرجل إذا أدار ظهره يذهب في سلام. وهذه الحياة لا تخيفني، وأعتقد أن خلاصة تجربتي في حياتي الطويلة ألا نخاف الحياة. أما بالنسبة لي فالحكاية تتلخص في التالي: أنا ولدت بالخطأ. فبعد ثلاث بنات وأمي المسكينة تبكي وكما نعرف فقبل 60 عام كان الصبي ولازال مطلوب، فندرت أمي لربها أن ترزق بصبي، وكنت هذا الصبي. إذن جئت بالخطأ نتيجة نذر، وجئت عليلا. كنت شمعة معرضة للانطفاء في كل لحظة، لكن هذه الشمعة النحيلة، العليلة قاومت، ولا أدري كيف في زمن كان الأطفال يموتون فيه من قلة العناية والفقر بالجملة”.  

hanna
حنا مينه

وحول بداية مسيرته الإبداعية أضاف الروائي السوري حنا مينه في نفس اللقاء الإعلامي: “بدأت بكتابة رسائل للجيران الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، في حي فقير من أحياء الأسكندرونة. لم أفكر أبدا أنني سأكون ما كنته. الكاتب له مقومات، ولكن أي مقومات أملك أنا؟. أنا الآن أندهش حين أسئل: كيف وصلت إلي ما وصلت إليه؟ أقول الحظ، ويرفض الآخرون أن يصدقوا. يقولون لولا التعب والجهد ما وصلت إلي هذه المكانة. وفي الحقيقة يجب أن نضيف الحظ إلي العلم، لأني كنت محظوظا، وكنت أيضا مكافحا في مهام كثيرة، تركت آثارها على صدري وظهري. ما تركت مهنة، ولا تركت حياة. اشتغلت في الميناء، واشتغلت على مراكب في البحر، واشتغلت في مهن كثيرة منها في حلاق ومنها صحفي وبعد ذلك وجدت نفسي كاتبا، كيف لا أدر”.

وحول أثر هذه التجارب الحياتية التي عاشها حنا مينه قال: كنت أعيش في فقر أسود، وكان الحي الذي أسكن فيه يعيش هذا الفقر الأسود، وقد جئت إلي فكرة العدالة الإجتماعية عن طريق وحيد هو البحث عن العدالة، عن أن يكون للإنسان رغيف، وأن يكون له طعام وملبس.. إلخ، وهي أشياء بسيطة كنا نفتقدها. إذن بحثي عن العدالة الاجتماعية لم يكن نوعا من الاختيار. كان هو طبيعة حياتي، وبعد ذلك نمت واستيقظت وأصبحت كاتبا. 

هنا قاطعه المحاور ضاحكا: ”هذا نوع من التواضع، فيجيبه "مينه" أنا لا أحب التواضع فهو كالغرور.. كلاهما صفة غير محببة بالنسبة إلي، لا أحب التواضع ولا أحب الغرور أعيش بين الاثنين”.