الثلاثاء 21 سبتمبر 2021
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

أوقفوا الصياح.. الصحافة ليست وحدها

ربما يكون من المناسب أن نلتمس العذر لزوجي بنات الفنانة المحبوبة دلال عبدالعزيز في ردود فعلهما الغاضبة على انتشار شائعة وفاتها ليلة السبت، خصوصًا مع الأزمة التي تمر بها، والمحبة الكبيرة التي تختص بها دلال دون غيرها من النجوم بين عموم الشعب المصري.. حتى أنني لن أكون مغاليًا إذا قلت أن ملايين المصريين تتعلق قلوبهم منذ رحيل الفنان سمير غانم بباب الحجرة التي ترقد فيها، وتلهج ألسنتهم بالدعاء لها بالتعافي والعودة إلى الحياة التي تستحقها.

والحقيقة أنني على المستوى الشخصي أراحتني جدًا العبارة التي كتبها أحدهم، قائلا: «يا رب كل واحد نشر الخبر ده يشوفه في حبايبه»، ورغم معرفتي بأنه اعتذر عنها فيما بعد، موضحًا أنها كانت مرتبطة بلحظة غضب، إلا أنني لازلت أرى أنها عبارة مناسبة تمامًا للموقف، خصوصًا مع تكرار مثل هذه الأزمة، وتوالي نشر الكثير من المواقع والصفحات الشخصية لأخبار رحيل الكثير من النجوم والشخصيات العامة، حتى أنني أذكر أن الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي هاتفني في بدايات عام ٢٠٠١ حزينًا لانتشار شائعة وفاته، وكنت وقتها أعمل بإحدي المجلات الفنية، فطيبت من خاطره، ووعدته بالرد على تلك الشائعة السخيفة.

تكرر الأمر بعدها، مع النجم فريد شوقي، والفنانة هدى سلطان، ولازالت تتكرر مع النجم الكبير عادل إمام متعه الله بالصحة والعافية، وغيرهم الكثير والكثير من كبار الكتاب والفنانين، إلا أن النصيب الأكبر لمثل هذه النوعية المزعجة من الأخبار كانت من نصيب النجمة الكبيرة صباح، التي أماتتها المواقع والصفحات عشرات المرات، وبمعدلات تستعصي على الحصر.

على أن الأكثر إزعاجًا في ما حدث، ويحدث، هو «نوبة الصياح المريضة» التي تصيب الجميع عقب تداول مثل هذه الشائعة ضد الصحافة والصحفيين، والتي تصل في بعض الأحيان إلى مستويات غير مقبولة من البذاءة والتطاول، وكأن الصحفي هو المتهم الوحيد فيما يحدث، وكأنه لا يوجد مصدر «مريض» سرب هذه «المعلومات المضللة والكاذبة» أو أسر بها لمن نشرها، وكأنه لا يوجد من تداول هذه «الشائعات» وشارك في انتشارها من أقارب وأصدقاء، وعقارب وفرقاء أو خصوم وأعداء!

والحقيقة أن «نوبة الصياح» تلك لا تعبر في الحقيقة إلا عن جهل من يطلقها ويرددها ويتداولها بمن حوله، وبمن يظنهم أهل وأصدقاء، وقبل ذلك كله هو جهل مطبق بالتغيرات الضخمة التي حدثت وتحدث في وسائل الإعلام وتداول المعلومات في مصر والعالم خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها الشائعات، والأخبار المضللة والكاذبة، والتي أصبحت هي المادة الرئيسية، والأكثر تداولا على مواقع التواصل الاجتماعي، ولننظر مثلا إلى شائعة وفاة دلال عبدالعزيز.. كم فنان نشر الخبر دون أن يكلف نفسه برفع سماعة الهاتف للحديث مع أي من ابنتيها، أو زوجيهما؟

كثيرون جدًا، وإن شئت أن تعرف الأسماء فما عليك سوى كتابة «شائعة وفاة دلال عبدالعزيز» على أي من مواقع البحث على شبكة الانترنت، لتصلك قائمة طويلة مِن مَن نسميهم في الصحافة «مصادر الأخبار»، ويسميهم أهل الفنانة القديرة «أصدقاء وزملاء ومقربون»!

ألا تعرف النجمة الشهيرة التي كتبت على صفحتها بموقع «تويتر» ما نصه: وفاة الفنانة دلال عبدالعزيز عن عمر يناهز ٦١ عامًا» أرقام هواتف بناتها؟ هل اتصلت بهما قبل أن تكتب تغريدتها؟

ومثلها الفنانة القديرة التي كتبت على صفحتها الرسمية بموقع «فيسبوك» ما نصه: فراقك صعب علينا يا دلال، إنا لله وإنا إليه راجعون، الله يرحمها ويجعلها من أهل الجنة يارب»؟

لماذا ينصب لومك «وصب غضبك» على الصحفي الذي وثق في زملائك وأصدقائك ورفاقك في السهرات والحفلات والندوات وقبلات اللقاءات التليفزيونية؟ ورغم أن الصحافة ليست وحدها المتهمة في هذه النوعية من الأخبار، بل إنها ليست متهمة من الأصل، وليست طرفًا فيما بينك وبين هؤلاء المذكورون أعلاه من «حزازيات ومقالب وبلا أسود»!

ولعله من المناسب هنا أن أذكر واقعة حدثت في «الدستور» منذ يومين لا أكثر ولا أقل، عندما اتصل بي الزميل المسؤول عن «شفت منتصف الليل» يسألني عن خبر رحيل الكاتب الكبير إسماعيل ولي الدين، وقال إن زميلنا المحرر الثقافي كتب في مقدمته «تداولت مواقع التواصل الاجتماعي نبأ كذا» فما كان مني إلا أن أبلغته بعدم نشر الخبر قبل التأكد من أحد أفراد العائلة أو المقربين من الكاتب الكبير.

وقبل سنوات، حسبما كتب أحد الأصدقاء الصحفيين على صفحته بموقع «فيسبوك» كانت زوجة الطبيب الخاص للملك حسين، ملك الأردن السابق، تعمل صحفية في وكالة الأنباء الفرنسية، فلما مات الملك بالمستشفى أبلغها زوجها بخبر وفاته، فأرسلت الخبر إلى الوكالة.. فسألوها عن مصدر الخبر، فأبلغتهم: زوجي وهو الطبيب الخاص للملك!.. فسألوها تاني: هل تحققتي من مصدر آخر؟، فقالت: لا.. بس دا زوجي وهو طبيبه الخاص، فرفض مجلس تحرير الوكالة إرسال الخبر للنشر إلا بعد التحقق من مصدر آخر.

من حقك أن تغضب، وأن تدعو على من تسبب في غضبك، لكن الصحافة بريئة من «جهلك» بمن حولك، ومن عدم معرفتك بما يحدث من تطورات في «مجال عملك».