رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

«الدستور».. واستراتيجية عزالدين نجيب



حسنًا فعلت جريدتنا الغراء «الدستور»، وتواصل فعل ذلك الدور الإعلامى والتثقيفى والتنويرى عبر إعداد حوارات ومقابلات صحفية، مع من لعبوا الأدوار الريادية والإبداعية بتفرد فى دنيا العلوم والأديان والفنون والفكر، وغيرها من مناحى الحياة مع أصحاب الخبرات الرائعة والرؤى المستقبلية النافعة، أو تخصيص مساحات رائعة لائقة يحررونها بأنفسهم لتشخيص وقراءة واقع متماهٍ، مع اهتمام وتخصص كل منهم، ووضع تصورات التصويب للمسار أو التطوير والتجويد والتنمية.

وهو الأمر الذى أسعدنى بتخصيص «الدستور» مساحة لائقة برائد ومبدع وطنى بدرجة مفكر وناقد وممارس للفنون التشكيلية، الفنان الكبير «عزالدين نجيب» ليطرح منطلقات لرؤية استراتيجية لتطوير العمل الثقافى وآلياته على أرض مصر المحروسة ليتواصل دورها التاريخى والحضارى والتنويرى.

نعم، كان اختياره موفقًا، فهو المبدع الممارس للعمل الثقافى كابن بار من أبناء المؤسسة الثقافية المصرية على مدى نصف قرن تقريبًا فى العديد من هيئاتها والمواقع الإدارية عبر التدرج الوظيفى وحتى أرفع المناصب القيادية، بالإضافة للعمل عبر مؤسسات المجتمع المدنى التنويرية والتراثية، فضلًا عن قيامه كناقد ومفكر بتحرير مؤلفات نقدية وفكرية مهمة فى مجالات الفنون التشكيلية والإبداعات الفلكلورية والتراثية والحرف اليدوية.

ولعل من أهم ما طرحه عزالدين نجيب تحت عنوان «البحث عن استراتيجية ثقافية جديدة»، ما يمكن إيجازه فى عدد من النقاط ومنها:

■ الثقافة حجر الزاوية فى عملية التنوير والتقدم للمواطن وللشعب وعامل أساسى من عوامل التنمية وإرساء القيم الإنسانية والحضارية والأخلاقية والسلوكية فى المجتمع، وحائط صد لمواجهة ظواهر التطرف الفكرى والإرهاب والطائفية.

■ على الدولة تطبيق المواد التى تضمنها دستور ٢٠١٤ خاصة المادتين ٤٧، ٤٨ بشأن أن الثقافة حق لكل مواطن تكفله الدولة وتلتزم بدعمه، كما تلتزم بإتاحة المواد الثقافية بجميع أنواعها لمختلف فئات الشعب دون تمييز بسبب القدرة المالية أو الموقع الجغرافى أو غير ذلك، وأن تولى اهتمامًا خاصًا بالمناطق النائية والفئات الأكثر احتياجًا، وأن تلتزم بالحفاظ على الهوية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة.

■ أن تطبق الدولة المادة ٨٢ من الدستور بشأن تكفّلها برعاية الشباب والنشء واكتشاف مواهبهم وتنمية قدراتهم الثقافية والعلمية والنفسية والإبداعية وتمكينهم من المشاركة فى الحياة العامة، ونضيف: وأن يتم ذلك عبر إصدار التشريعات الملزمة لوزارات الثقافة والإعلام والتعليم والتعليم العالى والأزهر والأوقاف والتضامن الاجتماعى، للتنسيق والتعاون لوضع سياسة موحدة تعمل لتطبيق هذا الهدف.

وكان الناقد الكبير عزالدين نجيب قد أكد فى توصيفه للحالة الثقافية أن مسيرة العمل الثقافى خلال العقود الماضية أثبتت فشل محاولات الوصول بالثقافة إلى المجتمع والتفاعل معه والنهوض بوعيه ومحو أميته الثقافية، التى يراها تتفاقم فى مسار عكسى مع تطور الآليات الإلكترونية للحصول على المواد الثقافية من شبكة الإنترنت بقنواتها المختلفة، والسبب هو غياب الشعور الجمعى بالاحتياج إلى الثقافة، نتيجة لغياب التأسيس الثقافى للأفراد والجماعات منذ الطفولة فى المناهج الدراسية وعبر القنوات الجماهيرية فى قصور الثقافة وأجهزة الإعلام، مما ترك فراغًا واسعًا يتم ملؤه بحشوه بالمواد الترفيهية والإلهائية من فنون رخيصة ومعارف هشّة وأفكار تافهة، أو بملئه بمواد دينية خطيرة المحتوى والتأثير، إذ تعمل على تغذية عقول الشباب بعقيدة عصابية متشنجة ضد ثقافات العصر باسم الدين، تمهد الطريق إلى العنف والإرهاب فى النهاية.

ورغم ثراء تلك الأفكار وأهمية الأطروحات الواقعية لتلك الاستراتيجية، والتى تمثل فى رأيى مبادرات وحلولًا لتفكيك حالة الثبات فى الأداء الكلاسيكى فى العقود الأخيرة، ولا تستثمر وجود إرادة سياسية حالية بلورها الرئيس عبدالفتاح السيسى فى مطالباته الملحة فى تطوير الخطابات الدينية والثقافية والإعلامية- فإننا ننتظر الأهم والملح أن نسمع من ناقدنا الكبير رأيه فيما يطرح من آراء حول أهمية الاستثمار المادى للمنتج الثقافى، لتوفير موارد لدعم رغيف الخبز الثقافى، وننتظر موقفه من أزمة الفن السابع ودور العرض التى تقلصت، واختفاء دور العرض الملحقة بقصور الثقافة، وماذا عن تراجع آليات الإعلام الثقافى التى تهدر كل الجهود التى تبذلها وزارة الثقافة عبر تجاهلها أو فى بعض الأحوال التعامل معها عبر أجهزة وصحفيين ومُعدى برامج ومذيعين غير متخصصين، والبعض منهم من محدودى الثقافة والإدراك بالقيم الفنية والأدبية للمنتج الثقافى للأسف؟

قل لنا يا فناننا الكبير وناقدنا الخبير كيف ندفع الأجهزة المعنية بإنتاج الدراما التليفزيونية والأغنية المصرية فى اتجاه العودة للإنتاج، وهى التى بتراجع قيمها باتت تمثل الخطر الداهم على التركيبة القيمية لدى أجيالنا الطالعة؟

ومعلوم أن مؤشرات التنمية العالمية تؤكد أن الدول التى حققت معدلات أداء مُتميزة فى مجالات التقدم العلمى والمعرفى والتطوير التقنى والتنمية الاقتصادية، توجه نسبة عالية من إنفاقها الرأسمالى لصالح الأصول المنتجة للقوى الناعمة. حيث تُمثل عوائد الصناعات الإبداعية والثقافية على المستوى العالمى 2.2 تريليون دولار، وتشكل فى الوقت الراهن، ما يُقارب 7.5 فى المائة من الناتج الإجمالى العالمى.

كما يشهد العالم، وكما يؤكد الأستاذ الدكتور معتز خورشيد، زيادة مطردة فى الطلب على السلع الإبداعية والثقافية ومعدلات تداولها. حيث قفز حجم الطلب عليها على المستوى العالمى إلى 420.7 مليار دولار، وبمعدل نمو يُقدر بنحو 87 فى المائة خلال السنوات العشر الأولى من الألفية الثالثة. كما زاد استهلاك السلع الإبداعية بالدول العربية فى غرب آسيا بمعدل 518 فى المائة، وفى قارة إفريقيا بمعدل 259 فى المائة خلال نفس الفترة الزمنية.