رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأربعاء 27 يناير 2021 الموافق 14 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
خالد عكاشة
خالد عكاشة

أردوغان أمام بيع تركيا بالقطعة

الأربعاء 02/ديسمبر/2020 - 07:45 م
طباعة
خلال شهر نوفمبر الماضى، بلغ عجز الميزان التجارى التركى الضعف بوصوله إلى رقم «٥.١ مليار دولار» غير المسبوق، جاء ذلك على خلفية زيادة الواردات وهبوط حاد فى الصادرات. وقد نشرت وزارة التجارة التركية مؤخرًا أن الواردات ارتفعت لمعدل سنوى بنسبة 16%. بوصولها فى نوفمبر المنصرم منذ أيام إلى «21.2 مليار دولار»، فيما صاحب ذلك هبوط الصادرات تأثرًا بجائحة «كورونا» وغيرها من أزمات الاقتصاد التركى المتشابكة.
حيث لا تعانى تركيا فقط من خسارة عوائد السياحة، ولكن يظل عجز الميزان التجارى هو المستمر بالتوسع وهو أعمق ما فى الأزمة، فالضعف المتنامى الذى أصاب الليرة التركية طوال العام الحالى، فضلًا عن توقعات الضعف التى تحتل كل المؤشرات- هو ما يدفع الأفراد لشراء الواردات قدر استطاعتهم لحماية أنفسهم من التضخم. اتجه البنك المركزى التركى، إلى إجراء رفع معدل الفائدة لـ15% التى ظلت عند مستوى 8.25% حتى سبتمبر الماضى، لوقف انهيار الليرة التركية ومحاولة التحكم بالتضخم، باعتبار أن ارتفاع معدل الفائدة ربما سيقلل الطلب على القروض، وسيشجع لتحويل المدخرات إلى الليرة التركية. لكن هذا الأمر رغم العديدين الذين اعتبروه خيارًا حتميًا لإبقاء السياسة النقدية مشددة، تسهم فى تحجيم الطلب المحلى على الواردات، ويعطى الليرة التركية بعضًا من الأمل، ربما وصولًا إلى فترة الربيع المقبل مع إسهام اللقاح العالمى المنتظر فى عودة السياحة- إلا أن حمى شراء الواردات لم تقف وارتفعت من الذهب والمعادن والأحجار الثمينة الأخرى، بنسبة وصلت فى نوفمبر أيضًا إلى 59% على أساس سنوى، وصولًا لقيمة بلغت 2.66 مليار دولار فى شهر واحد أعقبت الإجراءات الإصلاحية، مما مثل ضغطًا إضافيًا على زيادة عجز الميزان التجارى التركى ووضع تلك الإجراءات فى مهب ريح انتظار انفراجة قدرية. لم يجد أردوغان مخرجًا عمليًا وواقعيًا، لانتشال الاقتصاد التركى من أزمته المركبة سوى الاستعانة العاجلة بالصديق والحليف القطرى، رغم أصوات الداخل التركى التى تتعالى منذ شهور، متهمة الرئيس أردوغان بإهلاك السياسة الخارجية، فيما يرون أن استقلال الاقتصاد التركى مهدد فعليًا بسبب التحالف مع قطر. فقد شدد الكثيرون من معارضى الحزب الحاكم، على ضرورة تغيير دستور البلاد للتخلص من سطوة أردوغان وسياساته المنهكة للبلاد. فالاتفاقية الأخيرة التى أبرمت خلال استقبال أردوغان أمير قطر تميم بن حمد آل ثانى بالعاصمة أنقرة، فى إطار الاجتماع السادس لـ«اللجنة الاستراتيجية العليا التركية– القطرية»، التى تقضى ببيع 10% من أسهم «بورصة أسطنبول» إلى «جهاز قطر للاستثمار»- عدها هؤلاء رهنًا لاقتصاد تركيا لدولة قطر وبمثابة إغراق عمدى للبلاد فى مستنقع من الديون. اللجنة العليا فى التصريحات التى خرجت منها حاولت أن تجمل الصورة المشتركة، حيث ادعت أن جلساتها شملت مناقشة العديد من القضايا، العسكرية والاقتصادية والتجارة الدولية والمناطق الحرة وإدارة الموارد المائية والطاقة، لكن واقع ما جرى إنجازه فيها كذّب هذه التصريحات حين اقتصر الأمر على استحواذ الجانب الاقتصادى على نصيب الأسد فيها، بتوقيع الطرفين على صفقة البورصة وغيرها من شراكات وصفقات مالية واقتصادية خالصة، وهو ما دفع المعارضة التركية إلى أن تصفها بـ«رهن» البلاد إلى الجانب القطرى.
النائب البرلمانى «على ماهر بشارير» عن حزب الشعب الجمهورى التركى، أثار هو الآخر ضجة كبيرة عندما وضع أمام البرلمان والإعلام التركى، قضية بيع مصنع «تانك بالت» العسكرى لصالح قطر مؤخرًا، عندما وقف صارخًا فى البرلمان «إنها المرة الأولى فى تاريخ الجمهورية، التى يتم خلالها بيع الجيش لصالح قطر»، فهذا المصنع يقوم بالفعل بصناعة قطع غيار الدبابات والأجهزة المغذية لتسليح الجيش التركى. وعلى ضوء ما جرى مؤخرًا من اضطراب سياسى واتهامات متبادلة، كشف عن بعض الاتفاقيات والصفقات التى وقعت خلال اجتماع اللجنة العليا، الذى وصف بأنه عملية بيع بالقطعة لأصول الدولة التركية، بذريعة الحصول على موارد للنقد بالعملة الصعبة، قد تسهم فى إسناد الميزان الاقتصادى المختل أهمها شراء صندوق قطر السيادى «الصندوق المملوك لجهاز قطر للاستثمار» لنسبة 58% من مركز «استينيا بارك» التجارى «242000 متر مربع» بمبلغ 1 مليار دولار، حيث يعد مركز «استينيا بارك» أحد أهم المراكز التجارية فى إسطنبول، الذى كان يمتلك الجهاز القطرى فيه سابقًا نسبة 42% من أسهمه، ليصبح المركز التجارى بعد الاجتماع الأخير مملوكًا لجهاز قطر للاستثمار بالكامل بنسبة 100%.
الصفقة الأخرى التى أسهمت فى صناعة حالة الجدل والاحتقان الواسعة بداخل تركيا، تمثلت فى استحواذ شركة «إدارة الموانئ القطرية» على الشركة القائمة بإدارة ميناء «الشرق الأوسط التجار» فى مدينة أنطاليا التركية المطل على البحر المتوسط، وبلغت قيمة الصفقة نحو 140 مليون دولار.
الجدل الداخلى التركى فى هذه الحالة انصب على كون هذه الشركة، من الشركات الرابحة والراسخة فى إدارة الموانئ التركية المهمة، ولم يقدم أردوغان أو مروجو مشروعاته أى مبرر منطقى لعملية البيع، وعدت وفق التقييمات الاستثمارية خطوة لصالح قطر بأكثر مما تخدم الاقتصاد التركى.
لكن يظل التحالف التركى القطرى أبعد من مجرد تحقيق استفادات متبادلة وفق الضوابط الاقتصادية العالمية المتعارف عليها، فالخطوة القطرية تأتى ضمن عملية الدعم والمساندة التى تقدمها قطر لحليفها الأهم بالمنطقة، فى وقت يمر به الاقتصاد التركى بأزمة اقتصادية كبيرة وأزمة مالية أكبر، تهدد على نحو كبير عرش حكم أردوغان ومشروعهما المشترك بشكل مباشر. هذا ما دفع قطر إلى تقديم ما يتجاوز «15 مليار دولار» إلى الاقتصاد التركى، فقط منذ دخوله إلى النفق المظلم الذى ما زال يتخبط فيه، رغم العديد من الإجراءات التى اضطر أردوغان صاغرًا لاتخادها، أبرزها كان «الانسحاب الاضطرارى» مؤخرًا لصهر الرئيس التركى وذراعه اليمنى «بيرات البيرق» من منصب وزارة المالية، تحت ضغط الموقف الضعيف والمرتبك فى مواجهة الأزمات التى من بينها تداعيات انتشار فيروس كورونا. واليوم يواجه أردوغان عاصفة جديدة، تمثلت فى اتهامه المباشر بإغراق البلاد فى ديون البيع الشكلى لأصول الدولة إلى الجانب القطرى، من أجل تدعيم الشراكة وترتيب أوراق استقبال إدارة أمريكية جديدة، ترى أنقرة أنها مقبلة خلالها على سنوات عجاف بأكثر مما تعانى منه الآن على الأقل فى الجانب الاقتصادى من مشهد السنوات القادمة.