رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير
وائل لطفى

لماذا انحسرت القصة القصيرة أمام الرواية رغم أننا في عصر السرعة؟

القصة القصيرة
القصة القصيرة

لماذا خفت ضوء القصة القصيرة في الوطن العربي أمام الرواية رغم أننا في عصر السرعة؟، هل لضعف في كتاب القصة أم لظروف أخرى؟ سؤالين مهمين تطرحهما "الدستور" على المتخصصين في هذا التحقيق.

يقول الدكتور نبيل عبدالحميد، رئيس نادي القصة: "لم تحظ القصة القصيرة في الوطن العربى بما حظيت به من اهتمام في الغرب ذلك لأنهم مع بداية القرن الماضي اعتبروها مدخلًا للكتابة المسرحية والكتابة الروائية".

ويضيف: "هذا لا يعني أننا لم نكن متميزين في كتابة القصة القصيرة فلدينا كتاب كبار أمثال يوسف إدريس استطاعوا أن يرسخوا هذا الصنف الأدبي المهم، غير أن البحث عن الجديد خلق نوعًا جديدًا انبثق عن القصة القصيرة مثل الومضة التي ولدت بسبب فيسبوك، كما أن الناشرين كان لهم دورًا مهمًا في انحسار القصة أمام انتشار الرواية على حساب القصة ذلك بسبب اهتمام النقاد بالرواية لما يجدونه فيها من متسع بعكس القصة التي ترصد موقفًا أو لحظة".

ويستكمل عبدالحميد: "لكل عصر معطياته ففي الأيام القادمة قد لا نرى رواية أو مجموعة قصصية مطبوعة ربما تتحول كل هذه الأعمال الأدبية إلى أعمال إلكترونية".

أما الكاتب والقاص سمير الفيل فيقول: "لم يخفت صوت القصة القصيرة، لكنها اتخذت مسارات مختلفة، حيث إنه بالإضافة إلى التيار الواقعي الذي أسس له جيل الرواد وبرز منه يوسف إدريس، وزكريا تامر، بهاء طاهر، وغيرهم من الكتاب ظهرت تيارات مختلفة منها النفسي والتاريخي والتجريبي، وتشكلت إذن مجموعات حفرت في جيولوجيا أرض القصص ومهدت لأجيال جديدة عبرت عن نفسها بتجارب غاية في الأهمية".

ويكمل: "صحيح أن الرواية صارت في مقدمة فنون الكتابة ـ رواجًا ودعاية ـ نظرًا للجوائز التي خصصت لها، وعدد القراءة المهتمين بها، وإمكانية تحولها إلى عالم السينما او المسرح فيما بعد، لكن في المقابل هناك عطاءات في القصة القصيرة المعاصرة، وقد شاركت منذ عامين في تحكيم مسابقة قومية، وقرأت 95 مجموعة قصصية، كان من بينها حوالي عشر أعمال جيدة، وهي نسبة معقولة جدًا".

ويضيف الفيل: "القصة القصيرة في مصر وفي الدول العربية أيضا أظهرت قوتها وعنفوانها على يد أجيال قدموا تجارب جيدة في الصياغة، وتشكيل الفضاء النصي، ومعالجة الفكرة، وفي تشكيل جمالي مبتكر استفاد من كل الفنون مثل الفن التشكيلي والسينما والموال الشعبي".

ويشير: "ليس معنى تلك الأكوام من الروايات أنها الأفضل، ولكن الأقرب للصحة أن الرواية تتسع لفنون آخرى مثل الكولاج، والسينما، والتاريخ، والوثائق، وهو ما أدى إلى غناها الفني وتعدد مصادرها، في الوقت نفسه صار لدينا كتاب قصة قصيرة ماكرين، ولديهم قدرة على تشكيل المادة السردية برهافة وجمال ورقة".

واستكمل: "من بين رواد الجيل الذي انتمي إليه وما بعده بقليل: سيد الوكيل، جار النبي الحلو، مصطفى نصر، عادل عصمت، محمد عبدالله الهادي، عبدالحميد بسيوني، سميرالمنزلاوي، عفاف السيد، وغيرهم، ولعل الجيل التالي قد أحدث فروقًا نوعية في الكتابة والتشكيل الجمالي، ويأتي في مقدمته الدكتور محمد إبراهيم طه، شريف صالح، طارق إمام، محمد عبدالنبي، منى الشيمي، منير عتيبة، فكري عمر، حسام المقدم، فكري داوود، أسامة كمال، وغيرهم".

وأكد الفيل أن القصة القصيرة هي الفن الأقرب إلى اللماحية والتكثيف والعبارة التلغرافية والتقشف اللغوي حيث لا محاولة مستميتة للإبهار أو اللعب على عناصر بلاغية مطلقة.

وتابع: "عن تجربتي الشخصية لي خمس روايات منها ثلاث منشورة هي "رجال وشظايا"، و" ظل الحجرة"، و"وميض تلك الجبهة"، بينما بلغت مجموعاتي القصصية 18 مجموعة صدرت في الفترة من سنة 2001 حتى 2020 كان آخرها "فك الضفيرة"، وأتصور أن غزارة إنتاجي القصصي يرجع في المقام الأول لافتتناني بفكرة القص الموجز، واللقطة المعبرة، والصراع مع الزمن فأنت تطلق طلقتك وتنتظر النتيجة دون الوقوع في شبكة الزمن الدائري المخادع".

وأردف: "الرواية بحكم طولها وفصولها، تستغرقك كلك لتسقط في غيابة الحكي لكنها تسيطر عليك كلية ولا تطلق سراحك بسهولة".

وأكمل: "ليست القصة القصيرة متاحة للجميع بل هي فن صعب، مركب، شديد التنوع، فيه لعب فني حميد، وهي تعالج قضايا معاصرة، بمنتهى الوضوح والصراحة، ثم ترمي بطرف منها للمستقبل الذي تستقرأه بفهم وعمق وحسن استبصار".

وقال: "منذ قرأنا تشيخوف، أمسكنا بطرف الخيط، واجتهدنا لتقديم نصوص معبرة عن أحوالنا وأحوال الناس حولنا، وقد جربنا أن نقرأ أعمالًا قصصية في المقهى فوجدنا إنصاتًا جميلًا، وهكذا يكون الفن الحقيقي الذي يلقي بظلاله على المتلقى فيمنحه شطرًا من المتعة وشطرًا من الفائدة ثم يمنحه مساحة مناسبة للتفكير وإطلاق المخيلة لاقتناص جوهر النص وخطابه الفكري الأكيد".

أما الدكتور عزوز اسماعيل، فيرى أن انتشار الرواية على حساب القصة لا يرجع إلى ضعف كتاب القصة القصيرة أو لعيب في القصة نفسها فالقصة القصيرة مثل السهم الذي يصيب الهدف في وقت قصير، كما أنها تحتاج إلى حرفية عالية وقدرة هائلة من التركيز والتكثيف لا بد وأن يتحلى بهما القاص، بعكس الروائي الذى ينسج خيوطه على منوال أوسع، مما يعطيه أريحية في الكتابة، مضيفًا: "لذا أرجح انتشار الرواية وانحسار القصة إلى جينات عربية قديمة، ذلك لأن العربي حكاء بطبعه، فإذا أمعنت النظر في المعلقات التي كانت تعلق على جدران الكعبة ستجدها روايات شعرية، لأننا أمة كان يا مكان تحب الحكى والسرد ولا تميل إلى التكثيف أواللقطة.

ويضيف عزوز: "عنصر آخر ساهم في انتشار الرواية، ألا وهو المسابقات الأدبية التي ترصد أموالًا طائلة لكتاب الرواية على عكس كتاب القصة القصيرة التى لا تجد من يلتفت اليها".