رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 04 يوليه 2020 الموافق 13 ذو القعدة 1441
أ.د. إلهام سيف الدولة حمدان
أ.د. إلهام سيف الدولة حمدان

عن الدراما.. والمسئولية الوطنية!

الثلاثاء 26/مايو/2020 - 01:29 م
طباعة
أغلب الظن أن الفنانين من صناع الدراما في التليفزيون المصري؛ سيتوقفون طويلا - بالنقد والتحليل - أمام تداعيات رجع الصدى في الإحساس الجمعي المصري والعربي؛ عما قدموه للمُشاهد من وجبات فنية على مائدة الإبداع في شهر رمضان هذا العام ؛ مع الأخذ في الحُسبان أن ارتفاع نسبة المشاهدة الإجبارية؛ جاءت في ظل حصار الضيف الثقيل "كورونا" على البيت المصري والعربي؛ تحقيقا للمثل المتداول والسائد الذي يقول: "مكره أخاك.. لا بطل"!

والذي يهمني في هذا الصدد؛ هو معرفة الرأي والرؤى الانطباعية لرجل الشارع العادي - قبل رأي المثقف الواعي أو الفنان المتخصص - لأنه بالضرورة هو المستهدف بالمواد المتعددة التي تُقدم إليه: تراجيدية أو كوميدية أو ترفيهية؛ واستبيان مدى تأثيرها الإيجابي المُتوقع أو المُنتظر في إشباع ذاته الفنية وإثراء ثقافته المعرفية وذائقته الجمالية؛ وإلا ستكون هذه الوجبات الفنية المعروضة - في رأيي ورأي المُشاهد - محض هواء تذره الرياح إلى العدم!

وعلى ضوء المشاهدة والرصد واستقراء رد الفعل في الواقع المحيط بدائرة معارفي؛ فلن أتوقف عند المثالب - وما أكثرها - حتى لانُتهم باصطيادها والإضاءة عليها؛ والتغافل عن الإشادة بجودة "بعض" ماتم تقديمه والتفت حوله الجماهير بكل الشغف والمتابعة الراصدة؛ وبخاصة ماتلامس منها مع أوتار المشاعر الوطنية المُرهفة في "الاختيار" واستعراض مسيرة أبطال معارك الكمائن على الحدود شرقا وغربا؛ ضد قوى الإرهاب ومناصريهم من الذين لايعرفون قيمة الوطن وقدسية ترابه؛ ورأينا كيف انهمرت الدموع الجارفة الصادقة من عيون الأطفال الصغار قبل الكبار؛ عند مشاهدة لحظات الاستشهاد المجيدة للأبطال من الضباط والجنود؛ في سبيل الكرامة ومحاولة صد المعتدين عن تلك الكمائن؛ واستطاعت تلك المشاهد - التمثيلية - الرائعة أن تكتسب المزيد من التعاطف الروحي والوجداني بعقد مقارنة ذهنية لحظية بين روعة الأداء التمثيلي الذي انتزع الدموع الحارة من المآقي.. وبين الدهشة والسؤال الذي ينفجر تلقائيا: مابالنا بمشاهد بطولات المعارك الحقيقية التي تمت على أرض الواقع؟!

إنني هُناأسوق مثالا واحدا لما يجب أن تكون عليه وقائع أحداث الدراما في الأعمال التليفزيونية المصرية والعربية؛ ربما تكون بمثابة الرد العملي على منتجي ومروجي مسلسلات الإسفاف والترهل التي تشي بالإفلاس الفكري؛ وهم الذين يتشدقون بالمقولة التي تجاوزتها الأيام والأحداث الجسام على أرض الواقع؛ وليتهم يتوقفون عن ترديد الجملة غير الأمينة بأن: " الجمهور عاوز كده"!

لقد أثبت الوعي الجمعي: المصري والعربي أن تلك المقولة محض افتراء وتجن بالباطل على الذائقة الرفيعة للغالبية من الشعب؛ ومع كل هذا - وللإنصاف - فإننا لاننكر وجود " شريحة مغيبة" داخل المجتمع؛ تلك الشريحة التي نبتت في أحضان تربة العشوائيات المليئة بديدان الفكر المتطرف الإرهابي؛ وكانت دائما لقمة سائغة في يد من يقومون باستغلالها- لفقر الحال ماليا وفكريا - ضد مصالح الوطن وأهدافه العظيمة المرجوة؛ فكان الحتمي هو العمل الدءوب على انتشال تلك الشريحة من بؤرة الجهل والتخلف وحمايتها من التردي والانزلاق في اعتناق الأفكار المتطرفة؛ ويتم ذلك عن طريق التعريف بأهمية الفنون الجادة والأعمال الدرامية التي تدرس وتناقش وتضع الحلول الناجعة لمشكلات وأزمات المجتمع التعليمية والاقتصادية والسياسية؛ والتي من مهامها الأساسية أن تغرس بذور الانتماء الحقيقي للوطن؛ وليُدرك المواطن - بكل القناعة - أن المباديء الوطنية السامية لا.. ولن تتجزأ؛ ولا مساومة عليها بكنوز الأرض مجتمعة.

لا بد لنا أن نعترف - نحن فصائل القوى الناعمة المصرية - بمسئوليتنا تجاه الأجيال الصاعدة من النشء والشباب؛هذه المسئولية التي تحتم ضرورة الارتقاء بالمفاهيم الواجب الالتزام بها نحو الوطن.

فالمسئولية الوطنية هي ميثاق الشرف غير المكتوب، إنها لكبيرة إلا على المؤمنين برسالتها وأهدافها ؛ لأن بنودها ومحدداتها لاتخضع إلا للضمير الوطني الخالص والنقي من كل شوائب التبعية وتطبيق أجندات من يؤصلون لتمييع الهوية والشخصية المصرية؛ والقضاء على كل ماينتمي للتراث الخالد لتاريخ مصر منذ وجودها على خريطة العالم.

هذه المسئولية تنطوي على الدفع بتغيير وتحديث الواقع إلى الأفضل والأنفع لبني جلدتنا ؛ وهي الإيمان بالوطن الذي يقارع ويضاهي الإيمان بالدين والعقيدة.. فمن لايؤمن بوطن يبذل في سبيله كل رخيص وغال من الدماء والأرواح؛ لا عقيدة له ولا إيمان.

نحن نناشد الجميع أن نلتقي في العام القادم مع دراما تمدنا بالطاقة الإيجابية ؛ ولا تصدر لنا ثقافة الإحباط والدموع والمشاهد التي تزرع الكآبة في النفوس..وليتنا نجد موسما ثانيا ممتدا لتستمر الملاحم البطولية في الأذهان لاتنطفئ وتدخل طي النسيان فما أحوجنا إليها كقدوة ونموذج طارد للغث والمعيب مما يقحم على درامانا المسكينة.. فالفن والدراما تحديدا وسيلة للتحليق في عوالم من الصفاء الروحي والوجداني فلا تشوهوه رفقا بنا وبه!

استاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون
ads