الجمعة 03 أبريل 2020 الموافق 10 شعبان 1441
ماجد حبته
ماجد حبته

تصفير عدّاد بوتين!

الأربعاء 11/مارس/2020 - 08:58 م
طباعة
رائدة الفضاء الروسية فالنتينا تيريشكوفا دخلت التاريخ مرتين. الأولى بتحليقها فى الفضاء يوم ١٦ يونيو ١٩٦٣، على متن المركبة الفضائية «فوستوك- ٦»، لتكون أول امرأة فى التاريخ تطير إلى الفضاء. أما المرة الثانية، فكانت أمس الأول الثلاثاء، حين تمكنت من «تصفير عداد» الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، ومنحته حق الترشح مجددًا لرئاسة الدولة، بعد انتهاء ولايته الثانية التى كان من المفترض أن تكون الأخيرة.
تصفير العداد، كان مصطلحًا شائعًا فى سوق السيارات، قبل أن تتعقد إمكانية التلاعب فى العدادات. وتتلخص فى قيام باعة السيارات بتقليل المسافة، التى قطعتها السيارة، لخداع المشترى وإيهامه بأن حالتها أفضل مما هى عليه. وسبق أن نجح بوتين فى «تصفير عداده»، أو التحايل على الدستور الروسى، حين ترك الرئاسة لصديقه المقرب ديمترى مدفيديف، منذ سنة ٢٠٠٨ إلى سنة ٢٠١٢، وتولى رئاسة الوزراء بصلاحيات رئيس!.
بوتين، الذى يتولى السلطة منذ سنة ٢٠٠٠، رئيسًا ثم رئيسًا للوزراء، ثم رئيسًا مرة ثالثة ورابعة، كان قد اقترح منتصف ١٥ يناير تعديل الدستور الروسى، دستور ١٩٩٣، لزيادة سلطات مجلس الدوما «البرلمان» ورئيس الوزراء. وجرى تفسير هذه الخطوة على أنها وسيلة للتحضير لما بعد انتهاء ولايته الرئاسية الحالية، الثانية والأخيرة. خاصة أنها تزامنت مع استقالة ديمترى مدفيديف، رئيس الوزراء.
نجاح تحليق تيريشكوفا فى الفضاء لثلاثة أيام تقريبًا، كان مرحلة مهمة فى تاريخ الملاحة الفضائية السوفيتية، وخطوة مهمة جدًا فى مسيرة تيريشكوفا نفسها، التى شغلت مواقع عديدة، قبل أن تصبح نائبة فى مجلس الدوما «البرلمان» الروسى عن حزب «روسيا الموحدة». والطريف أنها احتفلت فى ٦ مارس الجارى بعيد ميلادها الثالث والثمانين، وهو العمر نفسه الذى سيبلغه بوتين «٦٧ سنة»، لو استمر فى الحكم حتى سنة ٢٠٣٦ أى لفترتين أخريين، مدة كل منهما ست سنوات كانت ٤ سنوات، وتم تمديدها إلى ست، فى التعديلات الدستورية التى اقترحها ديمترى ميدفيديف، الرئيس السابق، أواخر ٢٠٠٨، ووافق عليها البرلمان الروسى.
رائدة الفضاء الروسية السابقة، عضو مجلس الدوما الحالى، اقترحت التعديل الجديد بشكل مفاجئ، فى أثناء مناقشة الوثيقة. وتضمن اقتراحها إضافة مادة فى مشروع التعديلات ينص على أنه «بعد دخول الدستور المحدث حيز التنفيذ يتمتع الرئيس الحالى، مثل أى مواطن آخر، بالحق فى الترشح مجددًا لمنصب رئيس الدولة»، ما يعنى عدم احتساب فترتى رئاسة بوتين السابقتين، وأنه سيكون بإمكانه بعد انتهاء الفترة الثانية، فى ٢٠٢٤، الترشح لفترتين أخريين.
فور تقديمها المقترح، قال فياتشيسلاف فولودين، رئيس مجلس الدوما، إنه سيقطع الاجتماع لمدة ساعة ونصف الساعة؛ لإجراء مشاورات مع زعماء الكتل النيابية حول هذه الاقتراحات، وأيضًا لمعرفة رأى الرئيس. غير أن فولودين لم يغب طويلًا، وعاد ليعلن أن بوتين سيلقى كلمة أمام البرلمان حول هذا الموضوع، مع أن ذلك لم يكن مدرجًا على جدول الأعمال.
بالفعل، تحدث بوتين ووافق على المقترح مشترطًا، فقط أن توافق عليه المحكمة الدستورية.
مع أنه قال، الجمعة الماضى، إنه لا يسعى إلى تمديد ولايته. وشدّد، خلال لقائه مع ممثلين عن المجتمع المدنى فى إيفانوفا «وسط روسيا»، على أن التعديلات الدستورية هدفها رسم ملامح مستقبل روسيا للعقود المقبلة.
بعد كلمة الرئيس، أعلن سيرجى نيفيروف، زعيم الكتلة البرلمانية لحزب «روسيا الموحدة» الحاكم، عن دعم حزبه هذا الاقتراح. وأمس الأربعاء، تم إقرار التعديل خلال القراءة الثالثة والأخيرة. ولم يبق إلا عرضه على المحكمة الدستورية، بناءً على طلب أو شرط بوتين. وبموافقة المحكمة، وهى غالبًا ستوافق، ستكون الكلمة للشعب، عندما يتوجه للتصويت على التعديلات المقترحة فى الاستفتاء المقرر إجراؤه فى ٢٢ أبريل المقبل.
منذ سنتين تقريبًا، وقبل إجراء الانتخابات الرئاسية الروسية السابقة التى فاز فيها الرئيس الروسى فلاديمير بوتين بفترة رئاسية رابعة نظريًا، أو خامسة واقعيًا، قفزنا فى مقال عنوانه «الانتخابات الرئاسية بعد القادمة» إلى سنة ٢٠٢٤، حين وجدنا مؤيدين ومعارضين لـ«بوتين»، يتجاهلون تلك الانتخابات، التى جرت فى ١٨ مارس ٢٠١٨، ويبدون قلقهم من مشكلات أكثر جدية ستشهدها الانتخابات التى تليها.
لو عدت إلى هذا المقال، أو إلى مقال آخر منشور فى ١٩ ديسمبر ٢٠١٧، عنوانه «بوتين إلى الأبد»، ستجد أننا استنتجنا استمرار بوتين فى الحكم حتى يظهر من يتمكن من منافسته أو حتى «بنضج» منافسيه، بحسب تعبير ديمترى بيسكوف، المتحدث باسم الرئاسة الروسية. إذ كان «بيسكوف» قد قال فى تصريح طريف: «ليس هناك من نضج لينافس الرئيس بوتين». كما سبق أن أخرج «بوتين» لسانه لمعارضيه ولوسائل الإعلام التى تعاديه، وقال بالنص: «المعارضة الروسية غير ناضجة وغير قادرة على تقديم بديل. وليس من وظيفتى إيجاد منافسين».
ads