السبت 22 فبراير 2020 الموافق 28 جمادى الثانية 1441
مدحت بشاى
مدحت بشاى

عندما يكون لأغانينا "شاكوشها" العظيم!!

الجمعة 14/فبراير/2020 - 07:49 م
طباعة


مانشيتات وعناوين وبوستات على صفحات الجرائد وحوائط التمسخر الاجتماعي، بعضها بدافع إدعاء الدهشة وأخرى ساخرة وثالثة بتعبيرات نخبوية مترفعة وغيرها باعتبار النقد الاحترافي عمل شرير لا يعرف التسامح.. وهي في حالتنا هنا كثيرة فالحدث جلل يا جدعان.. من بين تلك العناوين الساخنة "حسن شاكوش يحتل المركز الثانى عالميا على ساوند كلاود"، "حسن شاكوش يتفوق على إيلون ماسك"، "مهرجان بنت الجيران يحصد 80 مليون مشاهدة على يوتيوب خلال شهرين"، "حسن شاكوش تريند على تويتر".
وتعليقًا على تلك العناوين تقول الكاتبة "فتحية الدخاخني" أن الأمر ليس له علاقة برقى الذوق الفنى أو انحداره، فلكل زمن ولكل جيل فنه وثقافته، وهذا لا يلغى فنون أو ثقافة الأجيال السابقة أو اللاحقة، فجميعها تمتزج لتشكيل الذائقة الشعبية، وهى نتاج لشكل المجتمع وعلاقاته المتشعبة، المسألة مرتبطة بصراع بين أجيال، يحاول دائما فيه الجيل الأقدم فرض وصايته وذوقه على الجيل الأحدث، فى معركة ليس فيها منتصر، فالجيل الأحدث عبر العصور لم يقبل هذه الوصاية وواصل سعيه فى تشكيل ثقافته وفنونه، وحتى لغته".
والحقيقة أرى أن تعليق الكاتبة وانتشار ما يكرر ذلك الرأي هو الاخر يشكل خطورة لكونه يغلق ملف بعد أن يكتب على غلافه عنوان "إنه الواقع وموتوا بغيظكم".
ألا ترى الكاتبة مشكلة في أمر 80 مليون مشاهد لـ"بنت الجيران" الشاكوشية أنه يمثل استفتاء ينتصر للشاكوش، وما يمثله من موجة تم تهيئة المناخ لها على مدى 10 سنوات كما أعلن النقيب "هاني شاكر" لأسباب عدة لعل من أهمها رفع يد الدولة من عمليات الانتاج الفني في مجالات الموسيقى والغناء والدراما والمسرح والسينما؟.
وبمناسبة ذكر رقم الـ10 سنوات فقد ذكر الناقد الفني الكبير الراحل الرائع "كمال النجمي" في مقال له بمجلة "الهلال" تحت عنوان "انهيار الغناء" عام 1997 أنه منذ عشر سنوات - من تاريخ كتابة مقاله أي 1987- قد بدأت عملية الانهيار.. يكتب حرفيًا" لم يحدث في مجال الغناء العربي والموسيقى العربية، إلا ما كان متوقعًا فقد كان ذلك العام امتدادًا للأعوام العشرة الماضية، التي اندلعت فيها موجة الغناء الهابط، وانقطع من الغناء العربي المتقن، وخلت الساحة لمجموعات من الشباب والشابات، خلطوا بين عمل المونولوجست وعمل المطرب، واستغنت الموجة الغنائية الهابطة عن الأصوات الجميلة، ولم تعد شركات إنتاج أشرطة الكاسيت تطلب هذه الأصوات، لأن عنصر "السماع" لم يعد له وجود، وتحول الغناء كله إلى إيقاعات صغيرة سريعة شرقية وغربية، وتشابهت الأصوات كلها ـ تقريبًا ـ في العجز وقبح النبرات والجهل التام بأسس الغناء العربي المتقن وجمالياته وأوشكت الآلات الإلكترونية أن تحل محل المغني بحيث يكون هو عنصرًا من عناصر الأغنية الهابطة، ولا يكون محورًا تدور من حوله العناصر الفنية الأخرى، وبذلك فقد فن الغناء صلته القديمة بوجدان الإنسان وتحول إلى مجرد ضربات عشوائية تحرك الراقصين بغير مبالاة بما يسمعون.."
قال "النجمي" كلمته منذ ربع قرن ولكن أهل المغنى والمسئولية عملو إنهم مش في البلد دي!
ولا شك أنه من المهم أن نتبين الصلة الوثيقة بين ألوان الغناء الهابطة في أوروبا وأمريكا وبين مثيلاتها في مصر والبلاد العربية، وقد أوشكت أن تنقرض فنون موسيقية وغنائية كلاسيكية في أمريكا وأوروبا، وانزوت في ركن مهجور وهذا أيضًا ما فعلته الموجة الغنائية الهابطة في مصر والبلاد العربية، فقد أوصدت الباب في وجه القوالب، كالموشح والدور والقصيدة والطقطوقة المتقنة والمونولوج الغنائي المتطور والمسرح الغنائي.. إلخ
رحم الله "النجمي" وجيله العظيم من النقاد الكبار.. عندما اختفى الناقد المحترف الدارس والفاهم، كان ظهور "اللمبي" ومدرسته من المخمورين والبلهاء وكانت فرق النكد المسرحية الشبابية ثقيلة الظل ومنعدمة الموهبة وكانت سينما المقاولات والمخدرات وكان "عبده موته" وفرق الاغتيالات الدرامية المفزعة بسواطيرها و"خالتي فرنسا" وبطولات المرأة الفتوة والأم الغير طيبة الأعراق وهضبات الأغاني التافهة وأخيرًا أغاني المهرجانات وشاكوشها العظيم!