رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الإثنين 21 سبتمبر 2020 الموافق 04 صفر 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
ثروت الخرباوي
ثروت الخرباوي

الإخوان جماعة الدماء والخيانة

الثلاثاء 21/يناير/2020 - 07:39 م
طباعة
للإخوان قصة ولكل قصة نهاية وفى كل نهاية عبرة، ومن أراد أن يعتبر فليقرأ هذه القصة، تبدأ سطورها من ذلك الصبى الذى ولد فى بدايات القرن العشرين، ولسبب ما أسماه أبوه «حسن البنا»، أما الأب فهو أحمد عبدالرحمن الساعاتي، القادم من بلاد المغرب، ورغم أن عددا كبيرا من الكُتَّاب والمؤرخين كتبوا عن حسن البنا وحياته، إلا أن جزءًا كبيرا من هذه الحياة الدرامية لا يزال مخفيا عن الناس.

لا أظن أننى أستطيع فى مقال واحد أن أتناول كل جوانب شخصية هذا الرجل الذى أثار ولا يزال يثير أكبر فتنة فى العصر الحديث، ومن صناعة الفتنة إلى صناعة الدماء كانت المهنة الرئيسية لمرشد الإخوان الأول، يقول حسن البنا فى مذكراته إن أباه ولد فى قرية شمشيرة، وهى إحدى قرى مديرية كفر الشيخ، ولكنى أنصحك ألا تصدق حسن البنا، ولا تصدق أى إنسان فاشى برجماتى عميل وهو يحكى لك تاريخه، فبالقطع سيجعل من نفسه ملاكا، وسيجعل خصومه أبالسة، ومن السهل أن يختلق حسن البنا الأكاذيب عن نفسه فى زمن لم تكن هناك أوراق أو سجلات، حتى أن الأب «أحمد الساعاتي» استخرج لنفسه عندما كبر وقبل زواجه من «أم حسن» بدل فاقد لشهادة الميلاد وضع هو بياناتها وقال فيها إنه ولد عام ١٨٨٤ فى قرية شمشيرة مديرية كفر الشيخ، ولكن الشيخ أحمد السكرى الوكيل الأول لجماعة الإخوان قال فى مقال كتبه عام ١٩٤٧ إن جد حسن البنا «مجهول الاسم» قدم من المغرب إلى محافظة الغربية ومعه ابنه أحمد، الذى كان على مشارف الشباب، حيث بدأ هو وابنه أحمد فى العمل فى تصليح الساعات، لذلك أطلقوا عليه لقب الساعاتي، ثم حدث أن تشكك أهل شمشيرة فى نسب تلك الأسرة المجهولة، وسبب هبوطها إلى قرية شمشيرة، فقاموا بطردهم من بلدهم، فكان أن حط الشاب أحمد والد حسن رحاله فى المحمودية من أعمال مديرية البحيرة، وفيها تزوج أحمد من شابة فقيرة من أسرة رقيقة الحال، وحملت الزوجة ثم أنجبت ابنها الأول «حسن البنا».
المهم أن الصغير حسن كبر وأصبح يافعا ودخل فى مدارج الشباب ثم إذا به ينشء جماعة الإخوان! وأظن أن الكل يعلم الآن أن تلك الجماعة خرجت إلى الحياة من رحم المخابرات البريطانية، وكان دورها الحقيقي هو بث الفتنة والفرقة بين أفراد الشعب المصري، وإذا كان الوطن يوحد الجميع، إذ أننا كلنا مصريون، فإن إنشاء تنظيم على أساس الدين من شأنه أن يفرق المصريين لأننا كلنا لسنا مسلمين.

وتعيش جماعة الإخوان منذ بدايتها فى صراع من أجل الحكم، هدفها الأساسى ليس كما يتراءى للغافل هو أن يحكموا مصر، ولكن هدفهم هو أن يصادروا مصر لمصلحة تنظيمهم فتصبح مصر إمارة تابعة لدولة الإخوان! ومن أجل ذلك أنشأوا فى داخلهم عام ١٩٣٩ تنظيما مسلحا ارتكب العشرات من عمليات الإرهاب والقتل والتفجير والاغتيال، كان هدف التنظيم هو الاستيلاء على مصرـ وليس الاستيلاء على حكمهاـ فاغتالوا المستشار الخازندار، واثنين من رؤساء وزراء مصر هما أحمد ماهر والنقراشي، وفجروا السينمات، ومحلات منطقة نصف البلد، وأقسام الشرطة، ومحكمة مصر، وحارة اليهود، وشركات وبنوك، فعلوا كل ذلك ثم قالوا وهم يكتبون التاريخ أنهم أنشأوا تنظيمهم السرى المسلح هذا من أجل مقاومة الاحتلال الإنجليزي، أو من أجل الجهاد فى فلسطين، وهى تجارة تاجروا بها، علمهم إياها حسن البنا «راسبوتين العصر الحديث»، ومن غرائب خططهم، التى بدأها مؤسسهم أنهم كانوا يبدأون فى بداية كل عهد جديد بالجلوس فى أحضان الحاكم، ثم إذا بهم يتنمرون عليه ويحاربونه عندما لا يستجيب لبغيتهم، حدث هذا فى عصر الملكية، شربوا الانخاب مع الملك ثم حاربوه، قالوا إنه أمير المؤمنين، ثم قالوا إنه إمام الفاسدين، إلى أن انتهى العصر الملكي، ثم مع بداية العصر الناصرى بدأوا شهر عسل مع الضباط الأحرار، وأرادوا الاستيلاء على الثورة لصالحهم ليسهل لهم الاستيلاء على مصر، فأوقفهم عبدالناصر، ثم انقلب العسل فى حلوقهم حنظلاوأصبح السجن هو مقرهم الوحيد.

وكان لا بد أن يأتى هادم اللذات ومفرق الجماعات، الموت الذى لابد وأن يصيب كل حي، ومات عبد الناصر عام ١٩٧٠ وذهب نظامه وأصبح فى ذمة التاريخ، وخرجت إلى الدنيا دولة الرئيس أنور السادات، وكما تعود الرؤساء فى بلادنا حين يبدأون فإنهم يبحثون عن الجماهير، ويبحثون عن راية لهم يرفعونها تختلف عن راية من سبقهم، فلم يكن هناك أمام السادات أفضل من جماعة الإخوان، التى كتبت على مقرها الافتراضى «تحت الطلب» فقد كان الإخوان وقت تولى السادات فى السجون، وبعد مفاوضات مع حسن الهضيبى وعمر التلمسانى تم الإفراج عن الإخوان وفقا لجدول زمني، وكان الهضيبى أول من تم الإفراج عنهم وتلاه التلمساني، وبدأت العلاقة الحميمة بينهما تأخذ مكانها فى التاريخ، كما أخذت تؤثر فى الجغرافية، فقد أطلق السادات على دولته دولة العلم والإيمان، وفى دولة الإيمان التى يتولاها «الرئيس المؤمن» انطلقت جحافل الإخوان المؤمنين إلى الجامعات والجوامع والجمعيات، وما كان السادات ليستطيع مواجهة الناصريين بغير الاستعانة بالقوة الجماهيرية للإخوان ـ وضع تحت العبارة السابقة خطاـ فجذبت الجماعة عددا كبيرا من الشباب الذى كان يبحث عن شخصيته وهويته، وتحدثوا من فوق المنابر فكفَّروا عبد الناصر ودولته لأنه ولأنها اختلف واختلفت مع الإخوان وحبستهم، وذهبوا إلى الجمعية الشرعية فأصبحت مثواهم حتى حين، ومن خلال مساجدها تحركوا فى كل ربوع مصر، كل ذلك كان قد تم بالاتفاق والسماح مع النظام، وظل الود متصلا بين الإخوان والسادات، وعملوا معه تحت سياسة الضوء الأخضر، هو يسمح لهم بالعمل، وهم يصدرون مجلتهم «الدعوة»، وكفى الله المؤمنين شر الأحزاب.
ثم أخذت العلاقة الرومانسية الحميمة بين الاخوان ونظام السادات تتحول إلى عداء وترويع، فهم يناصبونه العداء ويدعمون سرا الجماعات الإسلامية الوليدة من رحمهم، التى أخذت طريق السلاح، وهو يروعهم فى خطبه، وأخذ التلاسن العلنى بين الطرفين يزداد حتى كانت الخاتمة يوم أن أصدر السادات قرارات اعتقالات سبتمبر، التى أخذ فيها من كل قبيلة رجالا، وكان من قبيلة الإخوان العدد الأكبر من المعتقلين، وذات يوم خرجت الحركة الإسلامية المسلحة «الجهاد» المدعومة والمولودة من رحم الإخوان، بل والتى كان أعضاؤها فى بداياتهم ينتمون لهذا التنظيم الإخوانى العتيق، ولأسباب تنظيمية أصبحوا كيانا يحسبه الرائى مستقلا وهو فى الواقع الظل لجماعة الإخوان، فكان أن اغتالت السادات بين جنوده، وحين كان الجالسون فى المنصة يظنون أن اللحظات التى تمر بهم سرمدية لا نهاية لها كانت أفواه الإخوان ـ وغيرهم ـ فى السجون تكبر لله لأن من حبسهم أخذه الموت الذى يأخذ كل حي.
ونفس الامر تكرر مع نظام مبارك لسنوات طويلة الرئاسة، فهم يرغبون في السيطرة على الحاكم الجديد، أما هو فقد مد يده للإخوان كى يكونوا معه، يساعدونه ويشدون من أزره، فالرئيس الجديد يرغب فى اكتساب شعبية كبيرة، وفى عهد المرشد بديع ظل هو الآخر على سياسة الغزل العفيف لمبارك حتى قبيل الثورة، فكلنا يذكر يوم أن قال المرشد «مبارك أبو المصريين ونحن من أبنائه ونتمنى أن نجلس معه» ولكن ذهبت دولة مبارك بغضبة الخامس والعشرين من يناير فظن الإخوان أن مصر غنيمة يجب اغتنامها لمصلحة التنظيم الدولي، ونعرف كلنا ما الذى حدث وكيف استغلت تلك الجماعة صانعة الدماء حالة الفوضى التى أعقبت الخامس والعشرين من يناير، وانهيار المؤسسات، وغياب الشرطة، فوصلت إلى البرلمان فى ظل حالة غياب للوعى بين كبار أعيان النخبة المصرية الذين كانوا فى حالة غيبوبة، ثم غياب الوعى الجمعى عند الجماهير، التى ضللتها شعارات مزيفة، ثم كان أن وصلوا للحكم.
ولأن المقولة الشهيرة «الدول تبقى والأنظمة تفنى» بدت لى ناقصة، فإننى أستكملها كالآتى «الدول تبقى ومصر لاتفنى، ولكن الأنظمة والجماعات تفنى، وقد فنت جماعة الإخوان عندما ظنت أن الدنيا قد حيزت لها» وسبحان من قال «تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء»، ولكن الإخوان لا يؤمنون إلا بأن «المُلك» يجب أن يكون لهم دائما ويرفضون أن ينزعه الله منهم، وما نزعه منهم إلا لطغيانهم وإتجارهم بالإسلام والإسلام لا يعرفهم، وذات يوم سأكتب عن جماعة الإخوان «الجاسوس العميل الأكبر فى تاريخنا الحديث».