الأربعاء 26 فبراير 2020 الموافق 02 رجب 1441
لينا مظلوم
لينا مظلوم

السفارة الأمريكية مقرًا لسليمانى

الثلاثاء 07/يناير/2020 - 07:23 م
طباعة
أساءت إيران تقدير رسائل الرئيس الأمريكى ترامب للمنطقة العربية- تحديدا العراق- وأخطأت قراءة أهم وعود حملته الانتخابية. ترامب أوضح نهج سياسته الابتعاد عن «صداع» صراعات المنطقة وتحميل المواطن الأمريكى أعباء تدخل بلاده الخارجى على أصعدة الخسائر البشرية أو المادية.
حسابات إيران فى التصعيد لم تتضمن الحد الفاصل، الذى يلتقى عنده الحزبان المتنافسان.. الجمهورى- الديمقراطى، حيث يشكل قتل مواطن أمريكى فى كل الحالات خطًا أحمر بالنسبة لواشنطن، كما لم تضع فى تقديراتها اقتراب الانتخابات الأمريكية فى نوفمبر المقبل وأهمية تحقيق انتصار يخدم شعبية الرئيس الحالى تحديدًا إذا كانت طبيعة «الحرج» تمس السيادة الأمريكية، كما شهدت الأحداث المتوالية على العراق بكل ما ستحمله من مفاجآت قادمة. الضربة الأمريكية التى أسفرت عن مقتل قاسم سليمانى بلا شك سترفع معدلات تأييد ترامب، كما حظت بتأييد المؤسسات السياسية والعسكرية.
عملية مقتل سليمانى أدخلت الاشتباك الأمريكى- الإيرانى إلى منطقة جديدة.. واشنطن سجلت نقاطًا فى الملعب الإيرانى إثر انفجار موجات حراك شعبى كبير مطالبًا بالإصلاح الجذرى واستقلال العراق بعد ١٦ عامًا من الاحتلال الإيرانى، نجاح الانتفاضة والإصرار على استمرارها أربكا أعمدة النفوذ الإيرانى التى سعت بدورها إلى رد الكرة إلى شباك أمريكا عبر استهداف صواريخها المتكرر مواقع ومعسكرات تضم جنودًا وموظفين أمريكيين.
الصاروخ، الذى أطلقته طائرة «ريبر» الأمريكية لم يقتل سليمانى ومرافقيه فقط.. بل تناثرت شظاياه لتربك المشهدين العربى والدولى بشكل غير مسبوق، وتتركه بين تأويلات وتوقعات. تفاصيل القصف لم تخل من عدة إشارات تفيد بأن الخطة الأمريكية لم تقتصر على الدقة العسكرية، لكنها حملت رسائل سياسية، منها اختيار العراق موقعًا لتنفيذ الضربة، ما يبرز حرص تأكيد أمريكا على رفع الحرج الذى مس سيادتها نتيجة حصار واقتحام السفارة الأمريكية واستهداف قواعد تضم جنودها فى ذات الدولة. الأخطر ما كشفت عنه تسريبات مواقع عراقية حول خطة سليمانى، التى لم تقتصر على الحصار والحرق، نهاية المشهد كان مقدرًا لها الاستيلاء التام على السفارة ثم إعلانها ظاهريًا مقرًا رئيسيًا لهيئة الحشد الشعبى، أما فعليًا فكانت ستصبح مقرًا لسليمانى. انتشار طائرات «الأباتشى» وقوات المارينز التى هددت بإطلاق الذخيرة الحية من أسطح المبنى أجهض السيناريو وأجبر الميليشيات الموالية لإيران على سحب أفرادها من محيط السفارة، نقل خيام الاعتصام إلى منطقة لا تقل خطورة عن سابقتها.. شارع أبونواس فى مواجهة ساحات تجمع المتظاهرين السلميين من الشعب العراقى.. مشهد يعيد إلى الأذهان التخطيط الشيطانى الذى أفرز اعتصام «عصابة الإخوان» فى ميدان الشهيد هشام بركات.. لتتحول الصورة إلى مواجهة مسلحة من جانب ميليشيات اختارت التبعية لولاية الفقيه فى إيران لقمع حشود المتظاهرين السلميين.
تغريدة ترامب «إسرائيل لم تكن على علم مسبق بضرب سليمانى، لكن قطر كانت تعلم بانطلاق طائراتنا من قاعدة العديد» أيضًا لم تخل من مغزى سياسى، فالمعروف أن هناك أطرافًا ستهرول نحو المتاجرة علنًا بهذه العملية لصرف النظر عن أزماتها الداخلية من ضمنها كيانات صغيرة تتسلق أى حدث سعيًا لأى دور. خلافًا لكل التصريحات الرسمية الصادرة عن إيران.. هى تستعجل المواجهة- أيًا كانت السيناريوهات المرتقبة- بهدف إرغام واشنطن على التفاوض وفق شروط ملائمة لطهران، التى تجلس فوق بركان ينذر بالانفجار فى أى لحظة على شكل موجات احتجاج شعبية، ما يجعلها تميل إلى المضى قدمًا نحو استفزاز أمريكا رغم كل ما ورد فى التصريحات حول التمهل لتحديد الرد الانتقامى.. إذ تتقن إيران تخطيط ضربات انتقامية مدروسة دون الإضرار بمصالحها.
رغم صعوبة التوقعات مع كل الضبابية المحيطة بالمشهد، الذى أختير العراق مسرحًا له سواء سياسيًا أو أمنيًا.. تنحصر السيناريوهات بين تصاعد الصدام إلى حرب شاملة لا يتحملها العالم، أو- وهو المرجح- استمرار الهجمات المتبادلة المحدودة فى إطار حد زمنى ينتهى بالوصول إلى الانتخابات الرئاسية الأمريكية التى ستسفر نتائجها إما عن إعادة انتخاب ترامب أو اختيار رئيس ديمقراطى أيضًا سيصطدم أمام الرأى العام الأمريكى بصعوبة العودة إلى مرحلة المفاوضات حول الاتفاق النووى وإعادة النظر فى العقوبات الأمريكية القاسية المفروضة على إيران فى ظل استمرار الضربات العسكرية بين الطرفين. تمسك إيران بهذه المواجهات يحقق لها أيضًا تحويل أنظار المجتمع الدولى نحو اشتباكات متواصلة بين أمريكا وميليشيات موالية لإيران عن الاحتجاجات الشعبية التى تجتاح العراق منذ شهر أكتوبر الماضى والتى نجحت فى فرض شروطها على المشهد السياسى العراقى.. وما زالت تلتزم بمطلبها الرئيسى التخلص من جميع أشكال الاحتلال الإيرانى.
إعادة الانتشار الأمريكى أو المطالبة بسحب قواتها-وفق القرار البرلمانى الذى تم تمريره عن طريق تهديدات القتل للأعضاء فى مشهد بالغ الإساءة للسيادة العراقية- لا تخضع لقرارات صادرة عن برلمان العراق.. إذ تكتسب شرعيتها بوصفها الضامن فى مجالات الإعمار، الاستثمار، والدفاع وفق بنود التحالف الدولى.. كما أنها لا تنتظر طلبًا من حكومة نجح الشارع العراقى فى إسقاط الشرعية عنها لتصبح مجرد حكومة تصريف أعمال مؤقتة.