السبت 22 فبراير 2020 الموافق 28 جمادى الثانية 1441
ماجد حبته
ماجد حبته

نهاية طبيعية لقاسم سليمانى

الجمعة 03/يناير/2020 - 07:21 م
طباعة

كأنهم كانوا يكتبون نعى قاسم سليمانى، قائد «فيلق القدس»، التابع لـ«الحرس الثورى الإيرانى»، حين جعلوا المحتشدين أمام السفارة الأمريكية فى بغداد، صباح الثلاثاء الماضى، يكتبون على جدرانها «سليمانى قائدنا»، قبل مصرعه بيومين وبضع ساعات!.
ما يوحى بأن محركى هؤلاء المحتشدين، أو قادة ميليشيات «الحشد الشعبى العراقى»، كانوا يرجمون بالغيب، هو أنهم جعلوهم يضعون على جدران السفارة، أيضًا، أعلام «الحشد» وكتائب «حزب الله» فى العراق، التى لقى أبومهدى المهندس، نائب الأول، مؤسس الثانية، مصرعه فى الضربة نفسها، مع عملاء آخرين لإيران، أبرزهم محمد الكوثرانى، مسئول ملف العراق بـ«حزب الله» اللبنانى، ومحمد الجابرى مسئول تشريفات الحشد الشعبى.
قصف وهمى بصواريخ كاتيوشا استهدف موقعًا عسكريًا فى محيط مطار بغداد، قامت على إثره طائرات مسيرة، بدون طيار، باصطياد سليمانى ورفاقه، أو عملائه، بعد مراقبة «عينية». ولاحقًا، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» مسئوليتها عن العملية وذكرت، فى بيان، أنها «تهدف إلى ردع أى خطط إيرانية لشن هجمات فى المستقبل». وزعمت أن سليمانى كان يعمل على تطوير خطط لمهاجمة الدبلوماسيين الأمريكيين فى العراق وفى جميع أنحاء المنطقة. كما أشار البيان إلى أن سليمانى وعناصر «فيلق القدس» مسئولون عن مقتل المئات من أفراد القوات الأمريكية وقوات التحالف، و.. و.. أشار إلى أن «سليمانى» هو مَن أعطى الضوء الأخضر لهجوم أنصار «الحشد الشعبى» على السفارة الأمريكية فى بغداد.
قاسم سليمانى، هو المسئول الإيرانى الأول أو الأكبر، عن العمليات العسكرية والمخابراتية الخارجية، ويوصف بأنه رأس حربة إيران فى المنطقة العربية، ولسنوات طويلة، ظل يعيث فسادًا وإجرامًا فى العراق، سوريا، اليمن وغيرها. وطبقًا لوثائق نشرتها «نيويورك تايمز»، فى يونيو ٢٠١٧، و«واشنطن بوست»، فى أبريل ٢٠١٨، كان نصيبه ٥٠ مليونًا من المليار دولار التى دعمت بها قطر الإرهابيين فى العراق، والتى سبق أن تحدثنا عنها. كما كان «سليمانى»، أبرز من ورد ذكرهم فى وثائق مسربة من المخابرات الإيرانية، تقع فى أكثر من ٧٠٠ صفحة، كشفت عن تفاصيل صادمة بشأن التغلغل الإيرانى فى العراق، وعن قيام المخابرات الإيرانية بتجنيد مسئولين عراقيين، بينهم وزراء ورؤساء حكومات.
الوثائق، التى حصل عليها موقع «إنترسيبت» الأمريكى ونشرتها جريدة «نيويورك تايمز»، بالتزامن، فى نوفمبر الماضى، ذكرت أن عناصر «فيلق القدس» وضباطًا فى الحرس الثورى والمخابرات الإيرانية، كانوا يعملون مع بعضهم البعض فى العراق، وكان جزءًا أساسيًا من نشاطهم «زرع» عملائهم فى المواقع المهمة. كما أشارت الوثائق إلى أن الحرس الثورى، وقائد فيلق القدس، استغلوا حربهم ضد تنظيم «داعش»، للحفاظ على العراق «كدولة تابعة لإيران»، ولتكريس «بقاء الفصائل السياسية الموالية لطهران فى السلطة».
من الوثائق ذاتها، التى تعود إلى عامى ٢٠١٤ و٢٠١٥، اتضح «أو تأكد» أن عادل عبدالمهدى، رئيس الوزراء العراقى المستقيل، الذى لا يزال يترأس حكومة تسيير الأعمال، والذى عمل مع إيران خلال وجوده فى المنفى إبان حكم صدام حسين، جمعته «علاقة خاصة» مع إيران، عندما كان وزيرًا للنفط، سنة ٢٠١٤، كما نقلت إحدى الوثائق عن جيس جريشى، مستشار شئون العراق فى الحكومة الإيرانية قوله: «لدينا عدد كبير من الحلفاء من بين القادة العراقيين، يمكننا أن نثق بهم وأعيننا مغلقة».
الوثائق كشفت، أيضًا، عن اجتماع عقده عدد من قادة جماعة الإخوان، فى تركيا، مع مسئولين بارزين فى «فيلق القدس»، فى أبريل ٢٠١٤، للتنسيق ووضع إطار للتعاون. وهو ما رأينا أنه «تنسيق إرهابى غير مفاجئ»، وتحت هذا العنوان كتبنا أننا لم نفاجأ بانعقاد ذلك الاجتماع فى تركيا أو بوجود هذا التنسيق بين الجماعة والفيلق؛ لأن الدولتين، تركيا وإيران، بالإضافة إلى دويلة قطر، هى أبرز رعاة للإرهاب. أما ما أدهشنا وأضحكنا، فكان إشارة إحدى البرقيات المسربة إلى أن تركيا رفضت منح تأشيرة دخول لقاسم سليمانى، حرصًا على المظاهر الإجرائية، وتجنبًا للحرج الداخلى ولفت الأنظار الخارجية. وعليه، لم يشارك سليمانى فى الاجتماع كما كان مقررًا، وأوكل رئاسة وفد الفيلق إلى أحد نوابه.
إيران، هى الضلع الثالث فى مثلث أو الرابع فى مربع، يتبنى منظومات عمل الإرهابيين، ويستخدمهم للتأثير أو للسيطرة على دول المنطقة. وبما أن قاسم سليمانى، كان أبرز أدوات هذا المثلث أو المربع، كان طبيعيًا أن تصبح جثته، وجثث بعض عملائه، وقودًا لإشعال «الخناقة الأمريكية الإيرانية» فى العراق، أو على جثة البلد الواقع تحت احتلال هاتين الدولتين، التى سبق أن رجحنا أن تكون سببًا أو نتيجة للاضطرابات السياسية، وللاحتجاجات المستمرة، منذ أكتوبر الماضى، اعتراضًا على النظام السياسى، الذى يراه العراقيون تابعًا، عميلًا، فاسدًا وعاجزًا عن إيجاد أى حلول لأزماتهم المعيشية.