-
الأحد 15 ديسمبر 2019 الموافق 18 ربيع الثاني 1441

خاص| معاذ عمارنة يتحدى إسرائيل بعين واحدة: "سأواصل فضحكم" (صور)

الأحد 17/نوفمبر/2019 - 10:17 م
معاذ عمارنة
معاذ عمارنة
هاني سميح
طباعة
المشهد كان قاسيًا، الجميع يهرول يمينًا ويسارًا يبحثون عن مُنقذ، رائحة الدخان تغطّي أرجاء المكان، العيون تحدّق في السماء، الألسنة تتمتم بدعوات الابتهال لرب الكون بأن يفك الكرب.. بأن يحفظ العِرض.. بأن يبعث مددًا للمستضعفين.. ثم ماذا؟

ثم ظهر مَن يوثّق تلك اللحظات بعيون صحفية نابهة وزكية في أرض الأجداد يطيّرها إلى كل وكالات العالم ليقول بالصورة واللقطة والكلمة بأن فلسطين تعاني.. غزة تتألم.. الأرض المحتلة تئن، وفور قيام معاذ عمارنة بتصويب كاميرته ولف إيديه على عدسته كانت رصاصة جنود الاحتلال تسكن عينه اليسرى فداءً للوطن.. فداءً لصاحبة الجلالة.. توثيقًا وتعبيرًا لصوت الكاميرا التي سكنت عدستها (!)

البداية كانت بحمل معاذ عمارنة، (35 عامًا)، حقيبته منطلقًا وسط التجمعات الغفيرة التي خرجت مطالبة بوقف الاحتلال الصهيوني، واسترداد الأراضي المقدسة، لم يدرك أن عينيه التي يوثّق بها تلك الأحداث الملتهبة ستكون آخر مرة لها أن ترى نور المقاومة.. ولو بعدسة (!)

ففي مشهد مهيب حمل معاذ كاميرته التي لم يوثق منها في ذلك اليوم إلا بعض الصور، لتكون تلك اللحظة هي اللقطات الأخيرة التي ينظر فيها وإليها بعينين مُبْصرتين قبل أن تتحوّل تلك الرصاصات الغاشمة إليه من أحد جنود الاحتلال.

شريط الذكريات يعود بـ"معاذ" للوراء قليلًا وهو على سرير أحد المستشفيات، حيث وصفت جراحه وقتها بأنها بين المتوسطة والحرجة، متذكرًا صباح الجمعة الماضي، الذي شهد اندلاع بعض المظاهرات الرافضة للعدوان الصهيوني في بلدة صوريف بالخليل.

"الدستور" تواصلت مع المصوّر الفلسطيني الذي تحولت صورته بين ليلة وضحاها إلى أيقونة عبّر عنها العديد من نجوم الفن والرياضة وغيرهم على مستوى العالم بالرفض التام للعدوان والعنف الذي تعرض له ابن فلسطين، كان من ضمنهم حفيظ دراجي، المعلق الجزائري الذي نشر صورته منذ ساعات وهو يضع «غشامة» على عينه اليسرى، تعبيرًا منه على التضامن مع معاذ.

يروي معاذ تلك اللحظات بصوت قوي فيه شموخ وكبرياء:"المواجهات مع جيش الاحتلال انتهت بعد صلاة الجمعة مباشرة، وكنت في طريق عودتي إلى السيارات التي تنقل الصحفيين من منطقة المظاهرات، ولم تمر ثواني حتى انطلقت رصاصة بجواري ارتطمت بإحدى الأعمدة وخرجت منها شظية مباشرة إلى عيني اليسرى، لتنعدم الرؤية تمامًا بعد تلك اللحظة، ولم أشعر بشئ سوى ألم مصحوبًا بدماء غزيرة طالما وثقت بها جرائم وانتهاكات قوات الاحتلال".

يواصل معاذ في حديثه لـ«الدستور»:"حاول جيش الاحتلال منع زملائي الصحفيين من حملي للمستشفى أو أقرب نقطة إسعاف"، فحالتي كانت حرجة للغاية ولم تستطع المستشفى السيطرة على معاناتي؛ حتى تم تحويله إلى مستشفى الجمعية العربية.

خضع المصور الفلسطيني لعملية جراحية داخل المستشفى، لكنها توقفت فجأة لوجود جزء خطير داخل العين قد يؤدي إلى نزيف حاد ينتقل بدوره إلى العين اليمنى حال اقتلاعها، وبالفعل توقفت العملية وبدأ الأطباء في إجراء فحوصات بشكل أكبر تحت رعاية استشاريين عيون متخصصين في هذا الشأن.

يأتي صوته منتصرًا عبر الهاتف من فلسطين يقول معاذ لـ«الدستور»، أن الأطباء والاستشاريين قرروا حينها عقد اجتماع موسّع بشأن دراسة حالة معاذ، اتفقوا من خلاله على أن يتم إجراء عملية أخرى في الأعصاب تسمى "السنتور" صباح الغد؛ حتى يرون نتيجة استخلاص تلك الجزئية من العين، وما مدى تأثيرها على العين الأخرى، وإذا ما كان هناك جزء من الأعصاب قد تضرر من بقايا الرصاصة أم لا.

معاذ وجّه من خلال «الدستور» شكره إلى جموع الصحفيين والأهالي الذين أعلنوا التضامن معه، وتصعيد الأمر إعلاميًا؛ حتى تتوقف تلك الانتهاكات من قبل الاحتلال الإسرائيلي، فهذا الكيان الصهيوني دائمًا ما يحارب الصحفيين، ويعطل أعمال توثيقهم، معبرًا عن رفع معنوياته بعد أن شاهد تضامن العالم بأسره.

بدوره أخذ طارق عمرانة، مرافق معاذ وأحد أقاربه الهاتف ليسرد لحظة استفاقة مصور الأراضي المحتلة التي أرادت تل أبيب أن تطفئ عينه قائلًا إن معاذ لم تفارقه الابتسامة رغم جروحه، فالتضامن الكبير الذي شعر به جعله ينسى آلامه وعينه التي قد تتأثر بما حدث".

يأتي صوت معاذ ضاحكًا وهو يمازح مرافقه منهيًا حديثه لـ«الدستور»، التي شكرها على التواصل معه، قائلًا: «سأستمر في التصوير لفضح انتهاكاتكم، ولن أتوقف عن نقل الحقيقة؛ حتى إن اقتلع جسدي بالكامل وليس عيني فقط" !