الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 24 صفر 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
مدحت بشاى
مدحت بشاى

فريق يغيظ فى قيظ «بؤونة»

الخميس 11/يوليه/2019 - 07:46 م
طباعة
«أَقْبَلَ الصيف، وأَقْبَلَ معه قَيْظ شديد مُرْهِق لا يَصْهَر الأبدان وَحْدَها، ولكنه يَصْهَر معها العقول، ولعله يَصْهَر مع العقول والأبدان بعض الأخلاق أيضًا، فيَدْفَع قومًا من الأمر إلى ما لم يكونوا لِيُدْفَعُوا إليه لو لم يَشْتَدَّ القيظ على أبدانهم وعقولهم وأخلاقهم، فيَمْنَعُهم من الأناة والتمهل، ومن التفكير والتروية، ومِنْ ضَبْط النفس وتسليط العقل على الإرادة حين يعملون أو يقولون..

لكنى لم أَكْتُب لأُحْصى آثار القيظ الشديد المُرهِق فى أبدان الناس وعقولهم وأخلاقهم، وإنما أريد أن أُسَجِّل أن هذا القيظ الشديد المُرهِق لا تستقيم معه الأحاديث عن الشِّعْر القديم عامَّة، وعن شِعْر الجاهليين خَاصَّة، فالأحاديث عن هذا الشعر تحتاج- فيما يَظْهَر- إلى شىء من الراحة والهدوء، والقدرة على التفكير المُطْمَئِنِّ، وهذا الفراغ الفنى الذى يُتيح للذوق أن يَسْتَأْنِى ويتمهَّلَ ويسيغ الأشياء فى غَيْر جهد ولا مَشَقَّة، ولا تعرُّضٍ لهذا العناء السريع الذى نَتَعَرَّض له حين يُسَلِّط الجو علينا هذا الحرَّ الشديد..».

قد يتصورالقارئ العزيز أن تلك الفقرة الاستهلالية لتبرير حالة الفشل البشعة التى خيمت بتبعاتها السلبية المحزنة على قلوب ووجدان الناس فى بلادى بعد الخروج العجيب من الدورة الإفريقية.. والأمر لا يتسع لتقديم أعذار إضافية واهية لما قدمه أهل وبيت الساحرة المستديرة من حلقات متتالية من صناعة الفشل، فغابت شمس انتصاراتها على أرض ملاعبنا وبين جماهيرنا، وهم من تم خداعهم المرة بعد الأخرى بسرقة حلمهم المنتظر بعد غياب، والفرح المؤجل من سنين ضنينة العطاء!! وأعود للفقرة الاستهلالية وكاتبها عميد الأدب العربى، الدكتور طه حسين، التى كان قد ضمنها كتابه الممتع «بين بين»، والتى يتناول فيها علاقة الحر بغياب مثيرات الإبداع، فتموت وتندثر الرومانسيات الفطرية بضربات متلاحقة بعد تسليط الجو علينا وفق وصف الدكتور العميد.. بل سبق وأكد أن القَيْظ الشديد مُرْهِق لا يَصْهَر الأبدان وَحْدَها، ولكنه يَصْهَر معها العقول، ولعله يَصْهَر مع العقول والأبدان بعض الأخلاق أيضًا، فيَدْفَع قومًا من الأمر إلى ما لم يكونوا لِيُدْفَعُوا إليه لو لم يَشْتَدَّ القيظ على أبدانهم وعقولهم وأخلاقهم، فيَمْنَعُهم من الأناة والمهل، ومن التفكير والروية، ومِنْ ضَبْط النفس وتسليط العقل على الإرادة حين يعملون أو يقولون.. ويبقى أن قيظ كارثة الخروج من الأدوار الأولى من حلبة السباق الكروية الإفريقية كان أشد وطأة من قيظ شهر «بؤونة»؛ لأنه لم يكن غادرًا يأتى بما لم يأت به كل عام.. شهر «بؤونة» عرفناه وعرفنا، بينما وكسة المنتخب ــ وإن كانت متوقعة بعد ٣ عروض هزيلة قدمها الفريق ـــ إلا أن إدارة تنظيم الدورة بشكل عام بكفاءة وتميز تنظيمى وفنى وإعلامى جعلنا نحلم بحدوث إفاقة ووقفة حساب سريعة لإحداث تعامل نسبى مع مواقع الخلل الظاهرة للعيان.. شهر «بؤونة» بتاعنا كلنا، إنما منتخبنا واتحاد الكرة صار لزبائن العروض الأوبرالية المخملية، متناسين أن منظومة الفشل الكروية لم تجد البديل لشباب الأولتراس ودخلاته العبقرية المخرجة بأداء جماعى وطنى مبهر فتفككت قوى الجماهير الحقيقية «لقد صرخ مواطن على أحد المقاهى التى تعرض المباريات: مين دول؟.. إيه الناس اللى نفسها مش طالع دى على المدرجات؟». لقد اكتفينا بابن طنط سوسو وبنت إلهام هانم الطرابيشى من العيال بتوع التاتو وأغانى الدلع لصاحبها «الهضبة»؛ لأن الأغانى للوطن والتغنى بأمجاده بيهين الأغنية ويحط من قدرها ومن حلم العالمية الحلمنتيشى الكاذب الكداب بتاع اليومين دول!!!

من أهم ما أثير حول أسباب الكارثة حالة الجمع بين وظيفتين وثلاث، رغم تضارب المصالح بين تلك المهن ومواقع وجودها، وبشكل خاص الجمع بين مهنة الإعلام وفى مواقع مميزة، وما يسمونه المهنة التطوعية بالانتساب لمجلس إدارة اتحاد الكرة، وطبعًا كان المشهد الكوميدى السوداوى المتكرر لتنظيم حملات إعلامية مغرضة لتحقيق أهداف غير نبيلة.. والأمر متكرر وبشكل أكثر خطورة فى الجمع بين عضوية مجلس النواب ورئاسة تحرير الصحف وتقديم برامج السهرة التليفزيونية، وهى الأخطر من حدوتة الكرة بالقطع على الأمن القومى، وحيث توجيه الرأى العام المصرى لتحقيق مصالح بعينها!!!

وأعود للصيف وسنينه مع عميد الأدب العربى، الذى يقدر تبعات الحر وأثره على الإبداع، يقول «يُخيَّل إلىَّ أن الكُتَّاب الغربيِّين يَقْدُرون هذا الطَّوْر من حياتهم وحياة قُرَّائهم قَدْرَه، فهُم يَرْفُقُون بأنفسهم وبالقُرَّاء إذا أقبل الصيف، وهم يَتَخَفَّفُون من الموضوعات الضخمة الفخمة، والمسائل المُشْكِلة المُعْضِلة التى يَعْرِضُون لها فى غير الصيف من فصول السنة، وهم لا يَعْرِضون من الأحاديث إلا للسهل اليسير الذى لا يُكَلِّف المتحدث ولا السامع مَشَقَّة، ولا يُكَلِّفه جهد الروية والتفكير، وهم ينتهون- بفضل هذا الرفق بأنفسهم وبالقُرَّاء- إلى إنشاء أَدَب خاصٍّ يتناول موضوعاتٍ قَلَّمَا تُتناول فى غير فصل الصيف، ويتناولها فى صور قريبة مواتية قَلَّمَا تَظْهَر فى الشتاء أو الربيع..».

وعليه، فقد قدم منتخبنا عرضًا صيفيًا خفيفًا لا يكلف مبدعه أى مشقة، ولا يتعب مشاهده فى أمر قراءة أبعاد الخطة الكروية، ولا البحث عن الأسباب الجهنمية وراء اختيار وتشكيل الفريق، وغيرها من فنون وحرفة تلك الرياضة الجماهيرية... ويبدو أن اتحاد الكرة حدانا قد آمن بفكر العقيد القذافى، الذى قال وأمر شعبه بأن يكتب ما قال على جدران ملاعبه «الرياضة للجميع... لا بد من إلغاء المدرجات التى تجلس عليها جماهير مغفلة، تكتفى بمتابعة ٢٢ لاعبًا يتصارعون على كرة»!
ads