الثلاثاء 31 مارس 2020 الموافق 07 شعبان 1441

عظم الترقوة

السبت 29/يونيو/2019 - 06:26 م
جريدة الدستور
سمير الفيل
طباعة

كان يريد أن يستحم بعد يوم طويل من الإرهاق والأتربة والغبار. هو فى مهمة عمل وليس فى بيته الذى اعتاد العيش فيه، وحفظ أدق تفصيلاته. جهز الشامبو والفوطة وقطعة لوف لم تستخدم من قبل، لها شريط برتقالى تعلق به فى الجدار الخزفى الأملس.
وضع قدمه اليسرى داخل البانيو، ثم ألحقها باليمنى، وفتح رشاش الماء باردا ثم شيئا فشيئا خالطه ماء ساخن، فشعر بالنشوة والارتياح. ظل يتذكر قصته التى حلم بها الليلة الماضية، فجعلت القلق يسكن عقله.
كان قرش ضخم مرعب قابله فى المحيط وهو يسبح، اقترب منه حثيثًا ثم فتح فكيه الكبيرين، وابتلعه.
كان لا يزال رابط الجأش. تذكر الخنجر المثبت فى خصره، استله رغم العتمة التى سادت التجويف الهائل حيث تطفو الأسماك الصغيرة التى بانت بصعوبة وهى ميتة، طعن الجدار الداخلى لبطن القرش، حينها انفجر كبالون طاله العطب، فأغرق المكان بالدم.
قال فى نفسه: يا الله! ما أغرب هذا اللون الأحمر المنفر، لقد عشت أتحاشاه.
حاول الصعود إلى سطح الماء بكل ما يمتلك من قوة. لحظتها اقتربت منه سفينة عملاقة، فوقها حاويات ضخمة لم يتمكن من عدها، توقفت فجأة بجوار رأسه. أغمض عينيه، توقع موتًا مؤلمًا مشحونًا بالعبث.
مرت السفينة بجواره دون أن يدرك أحد أن بحارتها الأفارقة السود قد ماتوا بمرض غامض، ولم يبق سوى القبطان الأبيض الذى أصيب بالعمى.
لكنه الآن داخل البانيو، ورائحة الصابون المعطر تملأ فضاء الحمام، وقد انتهى تماما من نوبة الاستحمام.
أخرج قدمه اليمنى فاليسرى بكل هدوء، لكنها انزلقت فهوى مرتطما بمربعات بلاط الحمام.
دوى الصوت فى أذنيه، شعر بتهتك عضلاته، ثم ما لبث أن وجد أمامه سحابة من بخار تشمل كل شىء.
مد يده اليمنى متحسسًا وجهه. رأى قطرات من دم لا يؤبه لها، مجرد قطرات، لكن ما بال الألم عنيفا؟
لقد أصيب عظم الترقوة، وشعر بالألم يعتصره، أصبح غير قادر على الصراخ ليستنجد بأى أحد.
يا له من ألم عميق، كل شىء ممكن احتماله غير ما رآه، فتجمد قلبه من شدة الرعب.
شاهد وهو ملقى على البلاط المبتل القرش الوحشى يشق الحائط، ثم يندفع نحوه فى غيظ.