القاهرة : السبت 18 أغسطس 2018
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
إسلام سياسى
الأحد 10/يونيو/2018 - 04:38 م

أوراق الخرباوي.. الوقوع في «شباك الإخوان» مرة أخرى

مختار نوح
مختار نوح
dostor.org/2205512

- بعد أن انقطعت عن «الإخوان» لسنوات لعب القدر دورًا فى عودتى مجددًا عن طريق مختار نوح

الصياد والفريسة، أهم ما فى هذه الحلقات، وحينما تدرك الفريسة أنها لم تكن إلا فريسة فوقتئذ إما أن تلوذ بالفرار، أو تخضع وتستكين بعد أن أصبحت مهيضة الجناح لا تستطيع حراكًا وهى ترزح تحت وطأة الألم والحسرة، ولا ينبغى أن يلوم أحدنا الفريسة ويترك الصياد بلا لوم ولا عقاب، ورغم أننى قلت فى حلقة سابقة إن الصياد نفسه كان فى يوم من الأيام فريسة إلا أنه استمرأ العبودية فأصبحت جزءًا من شخصيته، هذا هو العبد الذى أصبح سيدًا للعبيد، وسيظل عبدًا حتى ولو تسيد عليهم.

كان نشاط الإخوان فى الجامعات المصرية فى جيلى يتم من خلال كيان طلابى أطلقوا عليه «الجماعة الإسلامية»، وكانت قيادات تلك الجماعة فى حقوق عين شمس هم من أصدقائى، وكلنا كنا فرائس فرسهم الذئب الإخوانى، إلا أننا كنا نلتقى دائمًا فى الصلاة وأثناء بعض الأنشطة الطلابية الأخرى، والحق أننى لم أكن من أعضاء الجماعة الإسلامية فى الجامعة ولكننى كنت قريبًا منهم وصديقًا لهم، كان منهم أمير الجماعة الذى تعرفت عليه فى بداية التحاقى بالجامعة وكان اسمه إسماعيل، ورغم طيبته البادية عليه إلا أن «عضة الإخوان» أصابته، فسافر بعد ذلك إلى أفغانستان وأصبح من المجاهدين هناك ثم عاد وانخرط فى بعض المواقع الإخوانية إلى أن التقيته بعد زمن عندما أصبحنا فى أسرة إخوانية واحدة، ولكن المرض كان قد فرى جسده وهشَّ عظامه، ولا أعرف أين هو الآن أهو فوق الأرض أم فى باطنها؟ ثم تعرفت من بعده على رفقاء دفعتى من قيادات الجماعة الإسلامية، وهما الأخان «مجدى وسمير» وكانا لا يفترقان، وبعد سنوات ترك «مجدى وسمير» الإخوان ولا أعرف أين هما الآن، ثم جاء من بعدهما خالد بدوى الذى كان صديقًا مقربًا منى وتوليت الدفاع عنه فى قضية إخوانية عام ١٩٩٩ ولم يكن يأمن غيرى فى الدفاع عنه، ورغم انتقاداته الكثيرة للإخوان فيما بعد لدرجة أن انتقاداته كان يمكن وضعها فى زكائب لكثرتها، إلا أن النداهة ندهته واستحوذت عليه فظل فى ذيلها ذليلًا، ويشهد الدكتور محمد الباز على واقعة للتاريخ، إذ يوم كتبت أول مقالة أنتقد فيها الإخوان فى جريدة صوت الأمة عام ٢٠٠٢، كانت مقالة حادة وكنت قد اتفقت على تفاصيلها مع خالد بدوى، بل قرأتها عليه كلمة كلمة، ثم إذا بها بعد أن تُنشر، ويثور مأمون الهضيبى غضبًا منها إذ بخالد يرسل ردًا للجريدة على مقالى، والأعجب أنه قال فى رده: «ما هى تلك الجهة التى دعتك لكتابة هذا المقال؟ ههههه، الجهة أنت يا خالد!»، ولكننى تعاطفت مع ضعفه ورخاوة شخصيته، ثم لم تقم الجريدة بنشر رد خالد بدوى لأن شخصية إخوانية طلبت من الأستاذ عادل حمودة والدكتور محمد الباز عدم نشر هذا الرد وأرسل إليهما ردًا من مأمون الهضيبى نفسه.
ولكننا فى الجامعة كنا من أقرب المقربين، وكنت أحضر كل فعاليات الجماعة الإسلامية عندما كانوا يستضيفون علماء الإخوان والمفتين السابقين لمصر، وعلماء التبليغ والدعوة، وكان اليوم الذى حضر فيه «الشيخ إبراهيم عزت» شيخ التبليغ والدعوة من الأيام المشهودة، فقد دعانى خالد بدوى ومعى صديقى عز عبدالخالق، نائب رئيس محكمة النقض حاليًا، وآخرين من زملاء أصبح بعضهم فيما بعد من قيادات مصر لحضور ندوة هذا الشيخ، وكانت ندوته عن الرقائق التى ترقق القلوب، وكان خطيبًا مفوهًا استطاع أن يؤثر فينا بشكل كبير، وبعد المحاضرة سألته ومعى عز عن الإخوان، فقال: «هم من أطهر الناس فالزمهم إن استطعت»، قلت له: ولكننى وجدت فى بعضهم غلظة، فقال: وستجد فى بعضهم رقة.
ولكننى لم آخذ بنصيحة هذا الشيخ، وبعد أن تخرجت فى الكلية عملت فى مكتب الأستاذ محمد علوان المحامى الكبير، وكان من رموز حزب الوفد، ومن قيادات نقابة المحامين واتحاد المحامين العرب، كان من حظى أن ألتقى من خلاله القيادات السياسية الكبرى فى مصر، مثل الباشا فؤاد سراج الدين وكان صديقى وزميلى فى مكتب علوان الأستاذ سيد حامد من رفقاء سهرتنا شبه الدائمة فى قصر الباشا بجاردن سيتى، وأصبح سيد حامد بعد ذلك واحدًا من كبار القيادات القانونية للبنوك المصرية وتوسد فى البنك الأهلى مكانة كبيرة، وكان مبلغ دهشتى قد وصل إلى أعلى مدى عندما عرفت أن مختار نوح عمل فى مكتب الأستاذ علوان إلا أنه استقل بمكتب له فى الزيتون قبل أن ألتحق أنا بعلوان، وكان من الطبيعى أن يتردد نوح على علوان زائرًا، أخذت أحدث نفسى وأنا أرى نوح فى المكتب من الزائرين: هل القدر يدفعنى للعودة للإخوان مرة أخرى؟، وفى إحدى المرات من عام ١٩٨٣ حدد نوح لأستاذنا علوان موعدًا مع المرشد عمر التلمسانى فى مقر «الدعوة» فاصطحبنى الأستاذ، وكنت قد قصصت عليه طرفًا من قصة لقائى بالتلمسانى وأنا فى الجامعة، وحينما التقينا المرشد، كنت أتفحص الوجوه خوفًا من أن يكون مشهور من ضمن الحاضرين، ولكنه لم يكن فى مصر وقتها إذ كان قد فرَّ من مصر هاربًا قبل اعتقالات سبتمبر ولم يعد إلا بعد ذلك بسنوات، وفى حجرة المرشد جلسنا والمرشد يتفحص وجهى، وأنا لسبب لا أعلمه أرتجف، ثم قال المرشد وهو ينظر إلىّ: هوَ أنا شفتك قبل كده؟.